•   تابعونا على :

عبد الواحد الراضي لـ "الأيام": كان الحسن الثاني يصاب بالأرق ويهاتفني أحيانا في الثانية صباحاً

نجاة أبو الحبيب2017/03/06 14:10
عبد الواحد الراضي لـ "الأيام": كان الحسن الثاني يصاب بالأرق ويهاتفني أحيانا في الثانية صباحاً
أرشيف

في فيلته الهادئة بحي أكدال بالرباط يتحدث عبد الواحد الراضي، قيدوم البرلمانيين المغاربة، عن مذكراته "المغرب الذي عشته"، ويقول إنها تلقي المزيد من الضوء لتوضيح بعض عدم الدقة في رواية أحداث مفصلية عاشتها المملكة من إيكس ليبان إلى انفصال الاتحاد الوطني عن حزب الاستقلال إلى حقيقة  الأدوار التي قام بها كقيادي اتحادي جايل الكبار من بنبركة إلى بوعبيد، أو كـ "صديق" للحسن الثاني، وملابسات هذا الدور.

 

 أشرت في كتابك «المغرب الذي عشته» إلى أن بعض الأحداث التاريخية ظلت تتناول بشكل خاطئ، هل معنى ذلك أن كتابك كان من بين أهدافه تصحيح ذلك؟ 

 

> لا أبدا، لا أدعي ذلك، لكن ما ألاحظه أن هناك بعض المعطيات تم التعاطي معها بشكل خاطئ، لقد تابعت مثلا محادثات "إيكس ليبان"، ولكن ما قرأته عنها وما سمعته كذلك يتضمن الكثير من الأخطاء، لم تكن هناك مفاوضات في "إيكس ليبان"، ما كان هو أن الفرنسيين جاؤوا ليستمعوا، لأن الحكومة كلها سواء منها رئيس الحكومة أو الوزير الأول ما كانوا يعرفونه عن المغرب قبل "اكس ليبان" عرفوه عن طريق الإقامة العامة، أي المعمرين وممثليهم، ولم يكن لهم اتصال مباشر مع المغاربة حتى يستمعوا لهم ويتعرفوا على رأيهم ومطالبهم. وبالتالي "ايكس ليبان" لم تكن فيها مفاوضات، لأنها عرفت حضورا من جميع الاتجاهات، كانت الحركة الوطنية، وحزب الشورى والاستقلال، وممثلي القياد، وأصحاب الكلاوي، والجالية اليهودية، والجالية الفرنسية التي تعيش في المغرب، إذن لا يمكن أن كل هؤلاء كانوا يفاوضون، فقط كان يتم الإستماع لهم. لقد قرأت الكثير من الاستنتاجات حول "ايكس ليبان" ليست في محلها.

 

هناك أيضا أسباب انفصال حزب  الاستقلال، ما يعرفه الناس حول هذا الأمر محدود جدا وبعيد كل البعد عن عمق الأسباب الحقيقية، والنقاشات التي تمت، والخلافات التي حدثت أيضا، والحقيقة أن هذه الخلافات البعض منها كان سببا في عدم حل بعض الإشكاليات إلى اليوم، كان ينبغي تصحيحها. إضافة إلى العديد من الأشياء الأخرى التي يجهل الكثيرون أسبابها الحقيقية.

 

 أن تكون صلة وصل بين ملك قوي وحزب معارض شرس، أكيد لم يكن بالدور الهين، كيف كنت تعيش هذا الوضع؟ 

 

> لم أختر أن ألعب دور الوسيط، لكن تم اختياري لهذه المهمة بفعل الثقة التي حظيت بها، ولم تكن المهمة سهلة على الإطلاق، فالذين كانوا يعرفون عمق الأشياء كانوا قليلين جدا، فمثلا كان المرحوم عبد الرحيم بوعبيد يفهم ويعرف الدور الذي يلزمني القيام به، وكذلك سي عبد الرحمان اليوسفي، ولكن بعض الأعضاء من القيادة وكذلك بعض المناضلين لم يكونوا يفهمون نوع العلاقة التي تجمعني بالحسن الثاني، وطبعا كان هذا يؤدي إلى تأويلات وتعاليق وإصدار بعض الأحكام، وكان علي أن أتلقى كل ذلك بصبر حتى أتمكن من القيام بمهمتي، حيث استمر هذا الدور لسنوات طويلة انطلاقا من سنة 82 وحتى وفاة الملك الحسن الثاني، ولكن المهم أن النتيجة كانت إيجابية.

 

 فتهييء التناوب أخذ تقريبا مدة عشر سنوات، كما وضحت في الكتاب، كما أني لست متفقا مع تسمية " حكومة التناوب"، بل الأمر يتعلق بمشاركة، فالحسن الثاني كان قد وصل إلى قناعة في الثمانينيات بأن تشارك المعارضة في الحكومة وخاصة الاتحاد الاشتراكي، ولكن لم تؤخذ التدابير والقرارات لهذا الأمر إلا في بداية التسعينيات ، حيث عزم الحسن الثاني على تحقيق ذلك وبدأ في وضع العديد من الإجراءات التي تسهل هذه المشاركة. كانت المحاولة الأولى في 1992، وكذلك في سنة 1993بعد الانتخابات، ولكن المحاولة كذلك لم تنجح.

 

 في كتابك تذكر أن الملك قال لك بهذا الصدد: "للأسف لقد أخفقت"!  قلت إنك استغربت لاعتراف الملك بالفشل في أحد الأحاديث التي كانت تجمعكما، لماذا؟ 

 

> نعم صحيح، والحقيقة أنني استغربت آنذاك كون الحسن الثاني يعترف بأنه لم ينجح في هذه القضية، ذلك أن الكثير من الأشخاص لا يملكون هذا التواضع للاعتراف بعدم نجاحهم في أمر ما، قام الملك بمحاولة ثانية في سنة 1994، حيث كان قد أخبرني حينما كنت برفقته في "عين اللوح" بذلك، وطلب مني أن أساعده بمده بالمعلومات وكذلك بنسبة نجاح محاولة التناوب هاته، ومرة أخرى لم تنجح المحاولة، ليعاود الملك محاولة ثالثة في 1997-1998، أي بعد مدة ست سنوات من المحاولات، والحقيقة أن التهييء للتناوب تطلب عشر سنوات تقريبا من الملك، كما أشرت إلى ذلك، لأن الحسن الثاني بدأه في بداية التسعينيات، وذلك بعد ملتمس الرقابة، واستقباله لزعماء الكتلة سي عبد الرحيم، وسي علي يعتة وسي بوستة حينما قال إنه فهم رسالة طلب ملتمس الرقابة، وطلب اقتراحاتهم. 

 

 عشت قريبا جدا من الحسن الثاني في جميع حالاته، ما هي اللحظة الأصعب التي عاشها الملك الراحل؟ 

 

> كانت هناك فترات كان فيها الملك نفسه في أحاديث خاصة يعطي تحليلا حول الوضعية في المغرب، كان يحاول أن يفسر كذلك رؤيته للأمور، ورأيه في التناوب وفي الديمقراطية، ومؤاخذته على  الاتحاد، ويتوقف كذلك عند إيجابياته كحزب، وكان يرى أن بقاءه في المعارضة قد طال ويجب أن يشارك في الحكومة.

 

وطبعا كان الملك لا يخفي غضبه حينما طالبنا في المؤتمر الخامس بإصلاحات دستورية، لدرجة أنه قال لنا غاضبا هل تعتقدون أنكم تزعجونني حينما تطالبون بإصلاحات دستورية؟ كذلك عند المطالبة بملتبس الرقابة، وأيضاً الأزمة التي شكلها اعتقال الأموي، وكذلك عندما رفضنا الدستور في سنة  1992، كان لا يخفي غضبه لكنه في مقابل ذلك كان يجيد الإنصات بشكل كبير.

 

 نلاحظ أنك في الكتاب حاولت أن تكشف عن جانب آخر غير معروف من شخصية الملك الحسن الثاني بحكم السنوات الطويلة التي عشتها قريبا منه من خلال لقاءات وأحاديث خاصة جمعتك به حتى وفاته، حضرت كثيرا في حديثك عن مسارك ؟

 

> لم أكشف هذا الجانب في ما يخص الحسن الثاني فقط، بل كذلك المهدي بن بركة بعيدا عن شخصية الرجل الثوري، الوصف الذي ظل يعرفه به الناس كسياسي، لكن لا يعرفونه بصفة الرجل الأب والأستاذ والمربي، وكذلك عبد  الرحيم بوعبيد، وأيضاً سي عبد الرحمان اليوسفي. لقد سعيت أن أتحدث في الكتاب عن جوانب غير معروفة لدى العامة عن حياتهم، بحيث لم يسبق أن كتب عنهم بهذه الطريقة. كانت هناك إضافات كثيرة في هذا الجانب، ويمكن القول إن هذا الكتاب الذي يتحدث عن مساري يتحدث ايضا عن مسار المهدي وعبد الرحيم وعبد الرحمان اليوسفي.


كثيرة هي الشهادات التي تحدثت عن اهتمام الحسن الثاني بالموسيقى، لكن لا نعرف الكثير عن الجانب الأدبي في حياته، كيف تقربنا من ذلك بحكم أنك عرفت الحسن الثاني في جميع حالاته تقريبا؟


> الحسن الثاني كان رجلا مثقفا، لكن الظاهرة التي كان يتميز بها جيله هي أن الطبقة السياسية كانت كلها مثقفة كعبد الرحيم بوعبيد، والمهدي بنبركة، وعلال الفاسي، عبد الرحمان اليوسفي، وعبد الخالق الطريس. كان الحسن الثاني يتقن جدا التاريخ، لدرجة أنه في أحد استجواباته قال إنه لو لم يكن ملكا لاختار أن يكون مؤرخا، كما أنه كان رجل قانون وسياسة بامتياز، كان مطلعا على الثقافة الاسلامية والعربية لا من حيث الأدب والشعر أو غيره، وأيضاً كان يهتم بالفن، وقد أنشأ داخل قصره متحفا يضم عددا كبيرا من التحف النفيسة المختلفة التي جمعها، منها عدد كبير من اللوحات، وقد سبق لي أن زرت هذا المتحف في قصره بفاس. كان الحسن الثاني يهوى جمع التحف الفنية النادرة وكان مطلعا على تاريخها.


كان الملك يقرأ كثيرا، ويشتغل كثيرا، كان يسهر إلى ساعة متأخرة من الليل، وكثيراً ما هاتفني في الواحدة أو الثانية صباحا من أجل النقاش معي في أمر ما، كما كان أحيانا يصاب بالأرق، ولكي يتغلب عليه كان يقوم ويلجأ للسباحة ليلا في المسبح الدافئ لقصره.


كان يحب الموسيقى والتمثيل، وهذا الجانب يعرفه عنه الكثيرون، وقد حضرت عدة مرات في القصر لعروض مسرحية كثيرة، وأيضاً لحفلات موسيقية في مناسبات عائلية أو وطنية. كان الحسن الثاني في الحقيقة يملك تكوينا شاملا ويسهر على تكوينه باستمرار، ثم لا ننسى أن الملك محمد الخامس كان يحرص بشدة على تعليم ولي العهد آنذاك الحسن الثاني، لدرجة أن برنامجه الدراسي كان يفوق برنامج التلاميذ العاديين، بحيث كان يستيقظ في الفجر، وبعد أداء صلاة الفجر، يقرأ القرآن، وبعد ذلك يلتحق في الثامنة بقسمه وبرنامجه الدراسي العادي.


 كيف تتذكر آخر لقاء لك مع الحسن الثاني قبل وفاته؟


> التقيت الحسن الثاني أسبوعا واحدا قبل وفاته، كان ذلك بمناسبة عيد الشباب، وحينما كنا في حفل بهذه المناسبة، أتذكر أننا ونحن نتحدث معا في أحد المواضيع، فإذا بالحسن الثاني يقول لي: " أنا لم أتحدث في خطابي عن التوظيف، ولكن تحدثت عن التشغيل، وهناك فرق بين التوظيف وبين التشغيل، بحيث يمكن التشغيل في قطاع خاص أو شبه عمومي، أما التوظيف فيكون في الإدارة العمومية"، إذ كان قد بدأ يشاع بعد خطاب الملك أنه ذكر توظيف الجميع.


كان هذا آخر لقاء جمعني بالملك الحسن الثاني الذي سيتوفى في ثالث وعشرين يوليوز، وقد كنت حينها أتواجد في فرنسا من أجل إجراء بعض الفحوصات الطبية التي أجراها لي طبيب الملك هناك بتوصية من الملك الراحل.


ومن عجائب الصدف أنه حين توفي الملك محمد الخامس في فبراير 1961 كنت أيضا في فرنسا، حيث كنت حينها طالبا.

تعليقات الزوار ()