شيخاني ولد الشيخ يكتب:البركة مع سيدنا

 

يستمد جميع البشر البركة من الله، فهو تبارك وتعالى بيده الملك وهو على كل شيء قدير، وهي كما يراد منها “إذا حلت في يسير ضاعفته، وإذا اصطدمت بالعسير أزاحته”. وكلمة بركة “Baraka” ليست محصورة في الإنسان، فقد شملت الزمان والمكان، ولا مقصورة على العرب أو المسلمين، فهي بمفهومها ومنطوقها موجودة في لغات عديدة، كما ورد في فك رموز إحدى الكتابات ﺍﻟﻨﺼِّﻴَّﺔ ﺍﻟﻬﻴﺭﻭﻏﻠﻴﻔﻴﺔ، أن لعنةً مكتوبة باللغة الهيروغليفية على لوح من الطين تقول: “سيضرب الموت بجناحيه السامين كل من يعكر صفو الملك”.

 

وعلى ضوء حديث نبينا صلى الله عليه وسلم: “البركة مع أكابركم”، أقف هنا إجلالاً لبركة “سيدنا”، وكيف رسخت السيكولوجيا الشعبية متلازمة التضامن بمفهومها الآخر الذي أضاء صورة الملك محمد الخامس من رحم القمر بحادثة المنفى وتغييب السلطان المغربي الشرعي إلى مدغشقر، ذلك الأسلوب المغربي المبتكر في التضامن والإجماع الوطني على رؤية محمد الخامس على القمر، حتى ذاع الخبر على نطاق واسع، كأداة تعبير للمقاومة الثقافية الشعبية ضد الاستعمار الفرنسي، مستقلة وحرة، حظيت بانتشار كبير يضاهي انتشار التلفزيون في عالمنا اليوم، وحتى أن العرب بعد رجوع فرنسا عن غيها في سجلها الاستعماري، إستخدموا هذا الأسلوب المتداول منذ حينئذ، فأضاؤوا برج العرب بألوان العلم الفرنسي تضامناً معها ضد الأحداث الإرهابية التي استهدفتها، فبات ذلك نمطًا وأسلوباً ثابتاً في ثقافة التضامن الدولي، مستلهماً من عبقرية الحسن الثاني وإيحاءات البركة المولوية التقليدية، التي تقدم شعوراً خاصاً تضامنياً بين الشعوب.

 

قد لا يرى بالعين المجردة كل ما ذاع وجوده، سواء تعلق الأمر برفرفة العلم الأمريكي فوق القمر، أو النصب التذكاري للجندي المجهول الذي أردى الهالك امحمد اعبابو جريحاً، بينما الراحل الحسن الثاني في محراب التهجد ومن حوله يذكر اسم “اللطيف”، والرصاص يلعلع في السماء… بكل بساطة لأن المرئي الذي حدده علماء الفيزياء يقع بين الأشعة فوق البنفسجية والأشعة تحت الحمراء، وعلى ضوء ذلك يسدل الحجاب، ولكن رغم ذلك التقى الجمعان، في تلك التراتيل ومفعولها السري، وأجهض الانقلابان بصخيرات والبوينغ الملكي في لحظة تاريخية من العشرية السابعة بالقرن العشرين، ولم تكن تلك الكرامات إلا أن تصدع بأن البركة ظل الله على خلقه وأنها كانت مع “سيدنا”.

 

وفي العشرية الثالثة بالقرن الواحد والعشرين، ببراعة لمس أوجه التشابه بين الأجيال، وما تحمله الحقب من أزمات ذات تداعيات خطيرة على منطقتنا، نجل ونعظم حديث نبينا الشريف أن الله يستحي أن ينزع البركة من مكان وضعها فيه.. لنلامس بحساسية شديدة الرباط بين جميع الخلق، في مشاهد متتالية يستيقظ فيها من طغت وحشيتهم على وطنيتهم تحت وطأة لعنة “تازمامرت”، ويغمر فيها سيدنا ببركته سابق عطفه الذي جاء بالمصالحة في مطلع القرن الواحد والعشرين، حيث كان فعاليات المشهد، جلسة تأمل ترتقي لحد الخشوع والغيرة على الوطن ووحدته الترابية والإتحاد!..

 

وربما في سياغ آخر وجغرافية أخرى، يكون تبين لولد عبد العزيز موريتانيا مع صفارة الحكم بانتهاء مهلة مأموريته، أنه كان خاطئاً، عندما أخلد إلى تكهنات العرافة حول زوال رئاسته بمصافحته للملك، نتيجة لالتباس في التدقيق بين اللعنة والبركة.. وهو موضوع لا يتوقف ولم ينتهي عندما تبين للجن أنهم لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب الشديد، ولكن الأكيد أن بين اختياره للطرّة أم النقش (pile ou face) أن النبأ الذي يشيب له رأسه، ذلك الشيء الذي لم يحزره.. أنه سيلاقي بهذا التيه، من يصافحه مراراً وتكراراً، ثم يزيله من رأس الحكم، ليكفكف دمعه ليوم يندم فيه.

 

لهذا يشكل نهاية حقبة ولد عبد العزيز، عقد مهم من عقود التاريخ الموريتاني، ستكون له آثاره الكبرى على العلاقات الموريتانية المغربية والمغرب العربي بدوله الخمس.

 

فهل يجئ سيدنا محمد السادس إلى بلده الثاني موريتانيا خلال جولته الملكية المرتقبة إلى إفريقيا بعد عقدين من طول الاشتياق للقائه؟

 

*شيخاني ولد الشيخ / كاتب موريتاني

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق