ما الذي تبقى من خاوة خاوة ؟

إن اللعب بورقة إسرائيل في هذا الموضوع من طرف بعض مراهقي السياسة هنا وهناك هو لعب مؤلم وممجوج، فلا مجال لمقارنة ما لا يقارن. ومن يريد أن يجعل من إسرائيل «خاوة» فلينعم بما شاء وهو حر، ولكن أن يكون في موقع تمثيلي ويدخل شعبان في رمضان، فإن هذه هدية كبيرة للنظام الجزائري من حيث لا يحتسب.

نور الدين مفتاح [email protected]

بعد الاهتزازات الداخلية، والصعود والنزول العاطفي المزلزل، والتشويق القاسي، والمتعة التي لا تضاهيها من المتع إلا القليل، انتهت مباراة في كرة القدم كانت في النهاية لعبة، ولكنها كانت حمالة لملايين الرموز، وزادتها مواقع التواصل الاجتماعي صراخة وفقاعة وحمقا وانزلاقا. وكل هذا تم لأن الأمر يتعلق بمواجهة بين المغرب والجزائر.

ومباشرة بعد انتهاء المباراة بتضييع ركلة جزاء من طرف اللاعب كريم البركاوي، اتصل بي صديقي مشتعلا من مرّاكش:

– هل رأيت ما جرى؟ هل يمكن أن تقول لي مرّة أخرى إن الأمر لا يتعلق بالشعوب وأنه مشكلة نظام؟ يجب أن نكون صرحاء، ونعتبر أن الجزائريين يكرهوننا. إن ما يقوم به نظام عبد المجيد تبون هو ترجمة لما يحمله الجزائريون عنا من تبرم، وها أنت ترى ردود فعلهم وكأنهم هزموا المغرب في معركة على رمال الصحراء. وإذا لم نستحضر هذا المعطى فإننا سنظل ننتج المواقف الخاطئة وسنضيع 50 سنة أخرى في أحلام الأخوة الخاوية. فلنستيقظ! وقطع الاتصال ومعه كلماتي الباردة التي ذابت في لهيب جمله النارية.

لم يكن صديقي الذي اعتدت أن أتناقر معه حول القضايا الوطنية والإقليمية والقومية، الوحيد الذي كشفت مباراة لكرة القدم مواقفه الدفينة اتجاه الجار المشاكس، ولكن العديدين عندهم اليوم قناعة بأن الجدار الذي يفصلنا عن الجزائر أصبح له امتداد شعبي أكثر من كونه مجرد خصومة سياسية طالت واستطالت، بل إن برلمانية شابة من التجمع الوطني للأحرار نشرت تدوينة يتداخل فيها العلم المغربي والعلم الإسرائيلي وكتبت: «خاوا خاوا»! وهذا الرأي في كون الإسرائيليين وفي صداقتهم للمغرب أهون من عداوة الجزائريين منتشر خصوصا بين جزء من الأمازيغياويين.

ولم يترك المغاربة، في هذا الجانب المظلم من الصورة، رد فعل جزائريا هائجا إلا ووضعوه تحت المجهر وشنعوا به، من مثل تدوينة الرئيس الجزائري نفسه الذي كتب: «مليون ونصف مليون مبروك يا أبطال» في إحالة سياسية على عدد شهداء معركة تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي، كما شنعوا برسائل تعتبر انتصاراً جزائريا في مباراة لكرة القدم بمثابة عيد استقلال جديد!

والواقع أن العبد الضعيف لله له وجهة نظره لا تخالف فقط ما ذهب إليه أصحاب الغلو هنا وهناك، بل تمجّه، وهذه هي دفوعاتي:

1 – في أطوار المباراة، أبان اللاعبون من الفريقين، وهم شباب يافع، عن جنوح عظيم للتآخي والروح الرياضية، ومئات الصور شاهدة على ذلك، عناقا أو طبطبة أو اعتذارا.

2 – كل الذين تابعوا المباراة من غير المغاربة والجزائريين انبهروا بهذه الروح الرياضية بين الفريقين على رقعة الملعب، مع أن الكل يعي خلفيات الموضوع والخلاف السياسي بين البلدين الذي يصل هذه الأيام إلى مدى غير مسبوق.

3 – إن الزعم بأن السيد تبون والجينرال شنقريحة لا يعبران في مواقفهما إلا عن إرادة الجزائريات والجزائريين اتجاه المغرب هو إضفاء لطابع ديموقراطي على الحكم في نظام الجوار، وهذا مجانب للصواب.

4 – إن القضية الأولى للشعب المغربي هي قضية وحدته الترابية، وقضية الصحراء يكاد لا يعرفها الجزائري العادي، ورغم ذلك فهي على رأس اهتمامات ديبلوماسية الجزائر التي تأوي على أرضها جماعة انفصالية وتسلحها، وتطلق أعمالا عدائية وهجومات مسلحة من تندوف، فأين الجزائري المسكين من هذه السياسة الانشطارية الموروثة من زمن الضغائن والأحقاد؟

5 – إن الحدود البريّة بين بلدينا مغلقة منذ سنين، ولا يكف قادة الجزائر أنفسهم عن القول إنها لو فتحت فأول مستفيد على المستوى الاقتصادي سيكون هو المغرب، والسبب هو أن ملايين الجزائريين سيتدفقون على بلادنا لو تم هذا الفتح، ولنجرب لنرى!

6 – ليس هناك شعب في العالم أقرب إلى لهجة وعادات وتقاليد وطرق تفكير الشعب المغربي أكثر من الشعب الجزائري. صحيح أن الجزائر ظلت لمدة 460 سنة تحت الحكم العثماني ثم الاستعمار الفرنسي، ولكن الطبع يغلب التطبع دائما، وأسر حاكمة كثيرة حكمت من فاس أو مراكش شمال إفريقيا برمتها، بما في ذلك الجزائر، التي لم يكن لها هذا الاسم إلا بعد أن أعطاه لها الفرنسيون. وهذا لا يعني أن الأمة الجزائرية لم تكن لها مقوماتها، وهذا موضوع كبير يستحسن أن يخوض فيها المؤخرون النزهاء وليس السياسيين الذين يجعلون منه ورقة من أوراق المبارزات والمماحكات.

7 – إن اللعب بورقة إسرائيل في هذا الموضوع من طرف بعض مراهقي السياسة هنا وهناك هو لعب مؤلم وممجوج، فلا مجال لمقارنة ما لا يقارن. ومن يريد أن يجعل من إسرائيل «خاوة» فلينعم بما شاء وهو حر، ولكن أن يكون في موقع تمثيلي ويدخل شعبان في رمضان، فإن هذه هدية كبيرة للنظام الجزائري من حيث لا يحتسب.

8 – إن التطبيع مع إسرائيل تم بناء على قواعد مكتوبة ومعلنة ومصاغة بعناية، وأول شيء هي أنها تمت خارج ما يسمى بـ«اتفاقيات أبراهام» وأنها كانت مغربية لأنها عودة لعلاقات كانت سابقة وقطعت بمبادرة من الملك محمد السادس، ويمكن أن تقطع في أي وقت إذا حضرت نفس أسباب سنة 2000 التي أغلق فيها مكتب الاتصال الإسرائيلي. ولم تقل المملكة المغربية أبداً إنها أدارت الظهر للشعب الفلسطيني المحتل، وبالتالي فمن يريد أن يحول موقفا سياديا مغربيا من أجل مصالح عليا للبلد إلى موقف عاطفي مشحون بحب ساذج ويربطه بمباراة لكرة القدم، فهذا مكانه الأنسب هو مستشفى الأمراض العقلية.

9 – كنت دائما من الذين يعتنقون قناعة التهدئة، وإطفاء الحرائق التي يشعلها السياسيون في قصر المرادية، وتجنب الانخراط في الحملات الإعلامية، والترفع عن السفاسف، والحمد لله أنني مازلت على قناعتي على الرغم من أن ما قامت به جزائر تبون وشنقريحة فاق أسوأ التوقعات، لحد أنه جعل شبح الحرب يخيم على سمائنا. وحتى إن كان هذا الأسوأ سيقع، فلماذا سنؤثث له نحن بالصراخ الذي يشبه الاحتفاء؟! أقول هذا في التطورات الثقيلة في الميدان، فما بالنا بمباراة ودية لا تقدم ولا تؤخر في هذا القدر الحزين.

10 – أعود إلى شباب المنتخبين لأقول إنهم أعطونا جميعا درساً بليغاً في أنهم أكثر علوا من جدار الضغائن المتراكمة، وأن مقولة الشؤم: «الماء يولي حليب والمغربي ما يولي حبيب» هي فبركة سياسوية متحورة للتأثير على نبض المجتمعين، ولكن التأثير الوحيد الساحر لحد الآن والذي يتحدى قطع العلاقات الديبلوماسية وما جاورها من قرارات متهافتة، هو أن الجزائر والمغرب شعب واحد في بلدين، وأن العاقبة للوئام والسلام.

مقالات مرتبطة :
تعليقات الزوار
  1. عبد الكريم

    إسرائيل تأسست سنة 1948 أما الكيان الجزائري فتأسس بمرسوم فرنسي سنة 1962 …الجزائر اسم مدينة فقط اما الباقي فهو عبارة عن قبائل خرجت عن طاعة المخزن…

  2. احمد

    خاوا خاوا اصبحت عداوة لا مثيل لها بين الامم وصبر المغاربة يوشك ان ينفد او نفد من جار حقود لم يحمل في قلبه الود ابدا اتجاه جاره حتى اصبحنا لا نطيق سماع هده الكدبة خاوا خاوا اين هي الاخوة لقد عميت قلوبهم والعياذ بالله

  3. عبدالعالي

    يؤكد العديد من الجزائريين، وخاصة منهم من كانوا في مواقع المسؤولية، المدنية أو العسكرية… على أن العداء للمغرب هو عقيدة النظام الحاكم بالجزائر بمختلف تياراته، وأن تربية الجزائريين وتكوين أفراد الجيش عندهم يتضمن مبدأ قارا لا يتغير يحدد أن العدو الأول للجزائر هو المغرب. ولا يمكن في هذه الحالة أن نعتبر ما يصلنا من هجومات متنوعة على المغرب والمغاربة هو استثناء وأن القاعدة هي حكاية خاوا خاوا، بل العكس هو الصحيح. …مع الاحترام لكل وجهة نظر مخالفة ومختلفة.

اترك تعليق