•   تابعونا على :

"وجْه يارا"!!

أبوزيديات
بقلم ادريس ابو زيد
في الخميس 12 فبراير 2015

صحيح ما قاله شاعر النيل "حافظ إبراهيم" منذ زمن لا بأس ببعده، إن مصر تجدد مجدها بنسائها المتجددات، فها هي نبوءة شاعر النيل تتحقق اليوم، بالماجدة الشابة ذات الوجه الطفولي "يارا سلام" الأنيقة غضبا وثقافة، وهي الحاصلة على "الليسانس" في الحقوق بجامعة "نوتردام" بفرنسا، وسافرت إلى الولايات المتحدة لتحضير "الماجستير" في موضوع حقوق الإنسان والقانون الدولي المنظّم لها، وأثناء عودتها لمصر شاركت في مظاهرة سلمية أمام قصر الاتحادية احتجاجا على قانون التظاهر، وقبض عليها يوم 21 يوليوز 2014 وحكم عليها بثلاث سنوات سجنا وثلاث سنوات مراقبة بعد خروجها، والحكم الاستئنافي خفض الحكم إلى سنتين سجنا وسنتين مراقبة بعد خروجها!! استغربت مرتين، أولا: لأن سنتي السجن لا تكفيان في نظر من أصدر الحكم فأضاف لهما سنتين من المراقبة، وإن كنت لم ولن أفهم ما معنى أن تراقب إنسانة حرة أو إنسانا حرا، واستغرابي الثاني هو كيف لإنسانة عاشت في فرنسا وفي الولايات المتحدة أن تظل وفيّة ومؤمنة بقضية وطنها الغارق في الضياع والمجهول، بين ظلام الإخوان وظلم القادمين باسم الإنقاذ، والأصل أن كل الهاربين من غصّة الربيع العربي إلى الغرب يرمون ويطردون كل الانتماء عند بوابات المطارات..!! ألم يقل "عبد المعطي حجازي": أنا والثورة العربية نبحث عن عمل في شوارع "باريس"، نبحث عن غرفة، نتسكّع في شمس أبريل..!! أما "يارا" فتبحث عن  وطن تسكع فيه الاستبداد طويلا، تاركة رذاذ "باريس" لثوار المقاهي الدافئة هناك، ولمقاهي الشرق حكايات ألف مستبد ومستبد وسائح يبحث عن ألف ليلة وليلة..!! لا تستغرب مطلقا مما أقدمت عليه المناضلة الرشيقة يارا إذا علمت أنها ابنة الشاعر "رفعت سلام" الذي مارس الشعر منذ السبعينيات، وترجم "لرامبو" و"بودلير" و"ريتسوس" وماياكوفسكي، وأمها هي الفناة التشكيلية "راوية صادق" التي ترجمت كتاب "قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا" للفرنسية "سوزان برنار"، كما أن "يارا" هي حفيدة المناضل اليساري المصري أحمد صادق سعد زعيم الحركة الاشتراكية بمصر منذ أوائل الأربعينيات، هذا الرجل صاحب قصة حياة غريبة ومثيرة نتمنى أن نعرِّج عليها ذات مقال، والمهم أن المناضلة "يارا" خريجة بيت يغلي ثقافة وغضبا ونضالا، كاذب من يقول إن النار تلد الرماد، كما هو كاذب من يقول إن الغضب بلا أنساب..!!

يقول "أبو يارا" إن ابنته حكت له عن البشاعات التي كان الجيش والشرطة يمارسانها على البنات السجينات، واستغرب الأب كثيرا لما قال إن ابنته لما اعتقلوها كانت بصحبة ابن خالتها الذي شارك في هذه المظاهرة السلمية، ولما علمت النيابة العامة أن ابن خالتها من جامعة كاليفورنيا ويحمل الجنسية الأمريكية، أطلقوا سراحه فورا..!! هنا لا أملك إلا أن أقول: طوبى لمن يملك جنسية تطرده إلى الحرية، كما هكذا تصبح جنسية الأوطان هي الطريق المعبدة نحو الإهانات والسجون، لا يهم، فغد الأوطان تكتبه الدموع العصيّة على الحزن، وعزّة الأوطان يضمنها الغضب الذي لا يستسلم، وهي قيم ومبادئ قد يراها البعض من قاموس الماضي، ولا غرابة أن يأتي هذا الموقف ممن لا قاموس له..!! وكما قال "أبو يارا": "إنني أدفع ثمن عدم ارتمائي في أحضان السلطة"، وليسمع من ارتمى في كل الأحضان إلا حضن الوطن، فماتوا وكان بودِّهم أن يدفنوا قرب السلطة، ولما سئل الأب الشاعر عن تأثير هذه التجرية المؤلمة أجاب: "لا أستطيع رصد ذاتي من الخارج، فالبصر والبصيرة موجّهان إلى "يارا" وبدون تشويش". إنها أجوبة الكبار في لحظات الحزن الكاسرة، وعندما تم إصدار بيان ضدّ قانون التظاهر هذا وقع عليه أكثر من ألف مثقف عربي، وهي أول مرة يحدث فيها هذا الإجماع في الوقت الذي كان فيه "أبو يارا" لا يتوقع إلا مائة  توقيع، ولما سألوا الأب الشاعر عن ضخامة هذا التضامن في زمن التواطؤ والانبطاح أجاب: لم أكن أتوقع أن يكون التضامن بهذا الحجم ولا بهذا العمق، نظرا لأن اعتقال "يارا" تم في حالة استرخاء من القوى السياسية وربما إنهاك..!! كم كنت راقيا يا "أبا يارا" وأنت تشرح شيخوخة الطبقة السياسية واسترخاء مثقفي السلطة، وإنهاك القوى الحية التي يراهن عليها كل حاكم مستبد. وعن سؤال حول ما إذا كان قد اتصل به "جابر عصفور"، وزير الثقافة المصري، كان هذا الجواب الحكيم: "بيني وبين هذا الوزير ما صنع الحدّاد"..!! كما أن الأب الشاعر يدرك أن العصافير لا تغرد خارج الأعشاش..!!

واليوم بادر الكثير من الشعراء لكتابة شعر عن "يارا" وتم جمعه في ديوان اسمه "وجه يارا"، وقد نفدت طبعته الأولى والثانية وستصدر الطبعة الثالثة، وللمستبدين أن يقبعوا في طبعتهم الأولى ومسخهم الأول، وهل كان يستطيع "أبو يارا" الدفاع عن سجينة قلبه قبل أن تكون سجينة ظلمهم بغير الشعر، الذي ياما كسّر وتفّه سجون المستبدين، والتاريخ شاهد..!!

وبمرارة تكلم الأب الشاعر عن تجاهل الصحف الحكومية وصحف رجال الأعمال لدعم سجينات الحرية المصريات، وتكلم بمرارة أشد لما سألوه عن "عبد المعطي حجازي" الطاعن في الشعر والسن، وهنا أنقل جواب "أبو يارا" بالنص: "حجازي كان يعرف ابنتي "يارا" وكنّا نتزاور في بيتي وبيته، ومع ذلك لم يكتب عنها حرفا"..!! لا لوم ولا عتاب، فقد قرأت أخيراً أن أحدهم لم يبتسم طيلة أربعين عاماً خوفا من التجاعيد، فلتبتسم "يارا" مع السجينات لترسم تجاعيد في ما بقي من وجه المستبد، علّه يفكر يوما في النهاية… ولا نملك غير أن ننحني لك إجلالا "يا يارا" ولكل سجينات الحرية.

ويبقى فقط أن أقول: إن أعذب الختام ما قاله الشاعر "أبو يارا" وهو يرى صورة ابنته مبتسمة وسط السجينات:

 

طفْلة كان اسمها "يارا"

تلُمُّ الذِّكريَات مِن الرَّمادْ

تصُبُّ فيهَا ضحكَهَا

فتصِير بيتاً من هبَاءْ

مسَاءٌ يابسٌ

وطِفْلة تعْدُو

إلى الوَرَاءْ

غدا ستعدو "يارا" إلى الأمام يا شاعرنا المكلوم

وكل يارا وأنتم………………!!

تعليقات الزوار ()