ليست هناك منطقة وسطى بين الصحافة والتفاهة

إن الحالة الصحية للمقاولة الصحافية مرتبطة بمواردها المالية. هذا صحيح، ولكن، هل تبرر هذه القاعدة التساهل في تعاقدنا مع المجتمع؟ هذا هو بيت القصيد في مهنتنا اليوم. إن التمويل الأساسي للعمل الصحافي يجب أن يكون مصدره القراء، وهؤلاء لا يمكن أن يستمروا في الارتباط بصحافتهم إلا إذا كان يربطهم بها جسر الثقة، وهذه الثقة تنبع من المصداقية والمهنية واحترام قدسية الكلمة والصورة والتلاحم المهني حول حق المجتمع في إعلام صادق ومسؤول وحر، والاستقلالية مع احترام التعددية.

نور الدين مفتاح [email protected]

غادرنا الدار البيضاء وهي ممطرة منتصف الأسبوع الماضي، ووصلنا آكادير وهي مشمسة! وعلى الرغم من دبيب هذا الدفء في الشرايين، إلا أن شجون الإعلام الوطني ظلت منتصبة مع اقتراب افتتاح أشغال الجمع العام التأسيسي لسابع فرع للفيدرالية المغربية لناشري الصحف بجهة سوس ماسة.

 

إنها تجربة مشحونة بالعواطف والآمال والتطلعات، خضناها منذ سنة ونصف السنة، عندما أطلقنا هذا المشروع الضخم للتأطير الجهوي لصحافة مغربية تعاني. وفي آكادير، كنا إزاء وشاية عيون الزملاء بنوع من النجاح في التحدي التأطيري، وجمع الناس على كلمة واحدة من طنجة إلى الداخلة، ومن وجدة إلى آكادير، ومن العيون إلى مراكش ومن كلميم إلى الدار البيضاء.. ولكن كنا أيضا إزاء تعنت واقع صعب يعيشه إعلام وطني وجهوي لم يعد يستطيع انتظار ترددنا أو أنانياتنا المفرطة أو مخملية مكاتبنا أو حساباتنا الصغيرة أو طموحاتنا المتدافعة. وعموما، كانت خيوط شمس آكادير تتسلل إلى الأفكار وتعطي نوعا من الطمأنينة لهذا الجمع بأننا حتى وإن لم ننجز كل ما نتمناه، فعلى الأقل سنغدو مرتاحي الضمير لأننا نقوم بأقصى ما نستطيع إليه سبيلا في الميدان، بصفاء سريرة وعزم وهدف إصلاح نبيل.

 

لقد كانت محطة سوس العالمة استثنائية، لأنها توجت هذا الورش الفيدرالي الجهوي بلقاء عملي قربنا، لأول مرّة في تاريخ الصحافة الجهوية، من باب الحل التأهيلي. وهكذا جمعنا المعنيين المباشرين والأساسيين بتنمية الصحافة الجهوية، واستجاب رؤساء الجهات لدعوة ناشري الصحف، وشاركوا بحماس، وحتى الذين تعذر عليهم الحضور أنابوا عنهم من يمثلهم، أو أبلغونا أنهم منخرطون في توصيات هذه الندوة حول تحديات الجهوية المتقدمة، والتي تحولت إلى حوار وطني بين الجهات والصحافة الجهوية، وأمسكنا فيها رأس خيط الشراكة التي ستبنى على تعاقد واضح يضمن من طرف الصحافة المواكبة والتعبئة والمراقبة للعمل الجهوي مقابل الاستثمار في تأهيل الصحافة الجهوية كفاعل في التنمية.
يحق لنا الابتهاج إذن بكتابة الأحرف الأولى لهذه الشراكات التي ستعقد في الجهات لتساهم في إعطاء مضمون أقوى لنعت «المتقدمة» الذي يلصق بالجهوية في المغرب، وقناعتنا الراسخة أن مستقبل المغرب يوجد لا محالة في جهاته، ومستقبل الإعلام الوطني يوجد في الصحافة الجهوية الجادة والمهنية والأخلاقية.

 

لقد تزامنت هذه المحطة التنظيمية والتأهيلية للفيدرالية المغربية لناشري الصحف مع إصدار المجلس الوطني للصحافة لتقريره الثاني حول الصحافة المغربية والجائحة، والذي اهتم بحالة القطاع بعد رفع الحجر الصحي. وإذا كانت هناك من كلمة يمكن أن نصف بها خلاصات هذا التقرير الذي أنجزته لجنة المنشأة الصحافية وتأهيل القطاع، فهي إنه مخيف. هناك تصوير لمشاهد انهيارات في بُنيان صناعة الصحافة المغربية بطوابقها المتعددة، مقاولات وموارد بشرية ومطابع وتوزيع وإشهار.

 

لقد أثر هذا الواقع على الأداء المهني والأخلاقي للصحافة المغربية، وعلى التوازنات الاقتصادية وحتى على الإطارات التنظيمية للمهنة. والغريب أن الجواب الوحيد الذي نحاول تقديمه لحد الآن لا يكاد يراوح صحن الدعم العمومي للصحافة الذي تبنى حوله التقاطبات والتصورات، مع أن هذا الدعم، حتى وإن تمت أجرأته بأي مقاربة كانت فإنه لن يكون أبداً حلاّ لما وصلت إليه صحافتنا اليوم. إنه عامل مساعد على تحمل أعباء الأزمة، وكان حاسما في البقاء خلال الحجر الصحي نظرا لتعبئة موارد ست سنوات من الدعم في سنة واحدة، إلا أنه لا يمكن أبداً أن يكون عصا سحرية للإنقاذ.

 

إن ركيزة مواجهة أهوال أزمة الصحافة توجد في أكثر من ستين توصية يتضمنها تقريران للجنة المنشأة الصحافية وتأهيل القطاع بالمجلس الوطني للصحافة، ونحن إزاء أزمة هيكلية متعددة الأبعاد، ويخيل لي أننا كالمريض المحموم الذي بدل أن يزور الطبيب يحاول أن يجرب الوصفات التقليدية أو التسكينية أو التجزيئية، والمشكل أن المرض يزحف، وهناك الكثير من الكلام والقليل من الفعل الملموس والصادق، والمغلب للمصلحة العامة للقطاع على المصالح الخاصة لمكوناته، لأننا في نهاية المطاف سنؤدي جميعا الثمن إن لم نكن بصدد أداء الفاتورة الآن.

 

إن الحالة الصحية للمقاولة الصحافية مرتبطة بمواردها المالية. هذا صحيح، ولكن، هل تبرر هذه القاعدة التساهل في تعاقدنا مع المجتمع؟ هذا هو بيت القصيد في مهنتنا اليوم. إن التمويل الأساسي للعمل الصحافي يجب أن يكون مصدره القراء، وهؤلاء لا يمكن أن يستمروا في الارتباط بصحافتهم إلا إذا كان يربطهم بها جسر الثقة، وهذه الثقة تنبع من المصداقية والمهنية واحترام قدسية الكلمة والصورة والتلاحم المهني حول حق المجتمع في إعلام صادق ومسؤول وحر، والاستقلالية مع احترام التعددية.

 

هذه قيم أصيلة يراها البعض من أساطير الأولين، وكأن الثورة التكنلوجية تجعلنا نتحلل من المسؤولية الاجتماعية للصحافة كرسالة قبل أن تكون وظيفة. اليوم، وللأسف ضربت الأزمة منابع هذه المهنة، ومعاهد الصحافة تتناسل وشعبها كذلك، والتنسيق البرامجي والبيداغوجي غائب، وربط التكوين بحاجيات السوق غائب. وهذا الجزء من المشكل أهون من مشكل من يدخل إلى المهنة من باب بلا بواب ولا مؤهل ولا وازع. وعموماً، ومع جزء من سلبيات مواقع التواصل الاجتماعي، نحن الآن في ساحة يختلط فيها الحابل بالنابل، وتتطاير الصور والكلمات والأشلاء، ويسرق خطاب التخليق ممن يمارسون سلخ أخلاقيات المهنة، ولا يكاد يسمع صوت الإصلاح إلا كصدى بعيد وسط الزحام.

 

صحيح أن المجتمع برمته مسؤول عن إيجاد صحافة تليق ببلاده، ولكن الحلّ لما نحن فيه في المغرب، وهو استثنائي بكل المقاييس، هو بيد المهنيين أنفسهم، وإذا حسمنا في نقطتين فقط، وهما الصدق والمصداقية ثم المهنية، فإننا سنجد المجتمع معنا.

 

إن الإرادة تبقى أكبر من هذه اللوحة السوداء التي رسمنا، ولهذا كنا في سوس، وغدا سنكون في جهة أخرى يدعنا الأمل للمزيد من الترافع من أجل صحافة كريمة مرفوعة الرأس وأهل للاحترام والتقدير، فليست هناك منطقة وسطى بين الصحافة والتفاهة.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق