على نفسها جنت براقش

إن تمتين السلام لا يكون إلا بالاستعداد الجيد للحرب كما يقال، فما بالك إذا كان بجانب البلد جار يجر وراءه تعقيدات ربما لا توجد حتى بين الكوريتين. جار يأوي جماعة مسلحة، وتنطلق من بلاده هجومات ضد بلادنا، ويجعل أمنه القومي مرتبطا بالبوليساريو، وفي المقابل، يعيب على المغرب بعض الاتهامات السوريالية التي حتى وإن صحت، فإنها لا تشكل قطرة من هذا البحر الهادر الاستهداف للوحدة الترابية للمملكة.

نور الدين مفتاح [email protected]

خلال الأسابيع القليلة الماضية، خصصنا في «الأيام» حيزا هاما لموازين القوى الإقليمية على المستوى العسكري، وركزنا بالطبع على توازن الرعب بيننا وبين الجار الشرقي المشاكس. وهذا ليس اختيارا تحريريا بقدر ما هو قدر قاس فرضته تطورات أقسى تشبه سماءً خرافية ملبدة بغيوم محتقنة بأمطار ضغائن التاريخ، ويمكن في أي لحظة أن تهطل لتحرق الزرع والنسل كما يقال!

الرأي العام الذي يبدو مشغولا بمشاكل اليومي لا يمكن أن نتجاهل قلقه الدفين مما يجري من مناورات شرقا وجنوبا، فكل هذا التصعيد غير المسبوق مخيف إلا أن اطمئنان المغاربة لقواتهم المسلحة الملكية يهوّن من هذا الخوف الذي لم يتحول إلى هلع، وعموما يبقى الخوف، وليس الجبن، حميدا لأنه يردع الاندفاع.

ولا نلاحظ الاندفاع إلا في الجزائر الشقيقة، التي تدق طبول الحرب منذ شهور، وتقرع الشرارات تلو الأخرى، وتواصل الحرب الكلامية والاتهامات الثقيلة، ووراء كل هذا، هناك حشد للقوى وللمال بشكل رهيب، والعاقل لا يمكن إلا أن يضع المغامرة أو المقامرة كاحتمال جدي في هذه الظروف العصيبة.

تنفق الجزائر ما يقارب العشر مليارات من الدولارات على التسلح سنويا، وأسلحتها المكدسة أكبر بكثير حجما من تلك الموجودة في المملكة المغربية. وكانت سياسة الحكم هناك هي فتح أنبوب غاز من الآبار إلى موردي الأسلحة من المعسكر الشرقي السابق، والمغرب ليس دولة بترولية، وبالتالي لا يمكن أن يجاري هذا الجري المجنون لتكديس الأسلحة من أجل توازن رعب غير منتج، إلا أن الأمور لا تقاس بالكم في هذا المجال، ويعتقد كل الخبراء العسكريين المنصفين أن الجزائر بصمت على سنوات من الهدر المجنون.

إن منطق الحرب التقليدية قد انتهى إلى غير رجعة، ومع نهايته، أصبحت مئات ملايير الدولارات المنفقة عند الجيران متبخرة، بل إن المغرب ظل مرتبطا بالغرب في تسلحه، وحتى الحظر الذي كان مفروضا على استعمال الأسلحة الأمريكية في حروب الصحراء قد رفع، وإضافة إلى تمرس الجيش المغربي على معارك الرمال الملتهبة التي خاضها لمدة 16 سنة ضد البوليساريو وخلفها الجزائر وكسبها، فإنه نجح في نوعية التسليح، وانخرط بشكل جدي في الاستعداد لما يسمى بحروب ما بعد الحداثة. ويمكن اليوم بدون منازع أن نقول إنه متفوق جدا في السماء من خلال «نسور الأطلس» أي طائرات الـF16 المحسنة في نسخة فايبر بلوك، وكذا من خلال الطائرات بدون طيار التي تحسم اليوم المناوشات التي تقوم بها البوليساريو هنا وهناك شرق الجدار، وكذا مروحيات الأباتشي 64 التي تعطي المملكة التفوق في شمال إفريقيا. كما أن المغرب حصن بشكل نهائي أرضه من خلال اقتناء منصات باتريوت الأثيرة المضادة للصواريخ دون أن نتحدث عن دبابات أبرامز العملاقة.

إن تمتين السلام لا يكون إلا بالاستعداد الجيد للحرب كما يقال، فما بالك إذا كان بجانب البلد جار يجر وراءه تعقيدات ربما لا توجد حتى بين الكوريتين. جار يأوي جماعة مسلحة، وتنطلق من بلاده هجومات ضد بلادنا، ويجعل أمنه القومي مرتبطا بالبوليساريو، وفي المقابل، يعيب على المغرب بعض الاتهامات السوريالية التي حتى وإن صحت، فإنها لا تشكل قطرة من هذا البحر الهادر الاستهداف للوحدة الترابية للمملكة.

من هذا المنطلق، تعتبر زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي للمغرب جزءا من هذه اللوحة التي لا تترك فيها الجزائر للمغرب من خيار سوى المزيد من تطوير دفاعاته. صحيح أن التطبيع مع إسرائيل طعمه مرّ، فالقضية الفلسطينية تراوح مكانها، وارتباط المغاربة بها أصيل كقضية إنسانية، والرباط لم تعلن أبدا تخليها عن التزاماتها تجاه حل الدولتين، إلا أن الركوب على العلاقات مع إسرائيل كقضية مبدئية من طرف الجار الشرقي هو مجرد ذريعة، وإلا لماذا لم تقم الدنيا عندما ربطت موريتانيا علاقات دبلوماسية مباشرة مع تل أبيب على عهد معاوية ولد سيدي أحمد الطايع رغم أن بلاد شنقيط لها حدود طويلة عريضة مع الجزائر؟

إن العلاقات مع الدول قضية سيادية، والتطبيع مسألة داخلية تتدافع حولها القوى الوطنية، وما أعتقد أن هناك من مبتهج بإقامة علاقات ودّ مع من يغتصب أرض إخوان لنا في فلسطين، وهذه المملكة التي لها جالية كبيرة من اليهود المغاربة في إسرائيل، لم تتوان عن قطع العلاقات مع تل أبيب لسنوات بسبب غطرستها، وهذه البلاد يترأس ملكها لجنة القدس، وقد قدرت الدولة في هذا الظرف أن المملكة المغربية ربما أصلح للفلسطينيين وهي تقيم هذه العلاقات من أن تكون من المقاطعين، وهذا تقدير يمكن أن نختلف معه سياسيا، ولكنه قرار يتسم بشبكة من التعقيدات تئن من متاهاتها التعقيدات نفسها، سواء عسكريا أو استراتيجيا أو إقليميا أو في ما يتعلق بالأمن القومي والوحدة الترابية.

المهم أن زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي للمغرب مثيرة حقا، ولكن، آخر من يجب أن يعطينا الدروس حولها هي الجزائر بالضبط، فيكفي أن نتصور هذا الفضاء الإقليمي بدون عسكرتارية جزائرية ولا بوليساريو ولا حدود ملتهبة ولا سباق مجنون للتسلح، فهل كان الموضوع سيطرح بالطريقة المطروح بها الآن؟!

المهم أن الوضع الإقليمي اليوم يتغير بشكل جذري، والذي ساهم في هذا الجزائر نفسها. وعلى نفسها جنت براقش.

مقالات مرتبطة :
تعليقات الزوار
  1. محسن

    تازة قبل غزة. نحن مع وحدتنا الثرابية قبل اي شيء. ومصلحة بلادنا قبل مصلحة أي بلد آخر. ومشكلة النظام العسكري الجزائري هي مع الشعب المغربي كافة لان قضية الصحراء قضية مصيرية للشعب المغربي وليست قضية حكومة او حزب او وفد.

  2. المهدي المنتظر

    التطبيع مع إسرائيل ليس وليد الأمس كان منذ أواخر الستينات وبصفة غير معلنة لهذا السبب الجزائر ومنذ 20سنة شرعت في تعزيز جيشها بأحدث الأسلحة استعدادا لمثل هذا الظرف خاصة وأنها كانت على علم أنه سيأتي اليوم الذي تعلن فيه المغرب وبصفة رسمية التطبيع مع الصهاينة وإنشاء ملحقة إسرائيلية على حدود الجزائر.

اترك تعليق