أصوات أصيلة في خميس أبيض

كم مازال ينتظرنا من «بوكلاج» جريدة؟ وكم تبقى في هذا المضمار لنجري وراء التأهيل والمقاولة وحرية الصحافة وصنعة الكلمات الساحرة أو العابرة؟ وما هو الهدف في نهاية المطاف بعد أن تكون المهنة قد ضمنت للفرد مواجهة تكاليف الحياة؟ وماذا يبقى منّا نحن الذين نوجد في حظوة الأضواء القسرية؟ وبماذا سيذكرنا الناس في النهاية؟

نور الدين مفتاح [email protected]

السيارة مندفعة تقتحم جوف الليل، والعجلات تأكل الطريق، والسائق مرفوع إلى أزمنة متعددة في آن. هذا التعب، بعد مجهود إقفال الجريدة ثم ركوب الطريق، مدفون في موضوع يسكر من كان من زمرة رجل تحتفي به اليوم أصيلة. هذه الحظوة التاريخية في أن تكون قد صادفت السي محمد البريني في حياتك، بأي شكل من الأشكال، تطرب. وأما وأن تكون مدعواً ضمن خلّصه إلى حفل تكريمه، فهذا شيء يذيب أثقال الحياة والمهنة والهواجس إلى حين، ليعيدك لحظة إلى البهاء.

هكذا كانت الأفكار تتراقص والعينان مسمرتين على الطريق الطويل، والذاكرة تعود 32 سنة إلى الوراء عندما جاء شاب مطرود من زنقة عقبة بأكدال، حيث ملحقة وزارة الإعلام آنذاك بالرباط، إلى زنقة الأمير عبد القادر حيث مقر جريدة «الاتحاد الاشتراكي» بالبيضاء.

كان شكل البريني ملفتا، وجدته بغليونه وجلبابه وشاربه الكثيف ونحافته وصرامته. كانت هذه اللحظة إيذانا بميلاد علاقة مرت عبر العقود الثلاثة لتتخذ أشكالا متجددة، من رب عمل إلى زميل إلى أستاذ إلى قدوة، ولكنها كانت العلاقة الأكثر أهمية في حياتي المهنية، وربّما لو شاءت الأقدار ألا نلتقي، فالأكيد أن كاتب هذه السطور لن يكون هو هو.

أستحضر المحاكمات والتحقيقات، ومنها محاكمة الراحل الأموي وتمرد البريني على قرار وقف تغطيتها من طرف الحكومة، وأتذكر تازمامارت حيث ذهبت مغامراً بمساندة الراحل آيت قدور وتواطؤ السي محمد البريني. أتذكر ليالي محاكمة ثابت الطويلة، وأتذكر آلاف المرّات ذلك الضوء الذي كان يشع من عيني البريني عندما يرضى، وأتذكر الغضبات والصدامات ولكن التقدير لم يسقط أبداً…

أيقظني زميلنا الوسيم حاتم البطيوي، دينامو مهرجان أصيلة، بمكالمة اطمئنان، وأقفلت عائدا إلى الذكريات والعبر.

كم مازال ينتظرنا من «بوكلاج» جريدة؟ وكم تبقى في هذا المضمار لنجري وراء التأهيل والمقاولة وحرية الصحافة وصنعة الكلمات الساحرة أو العابرة؟ وما هو الهدف في نهاية المطاف بعد أن تكون المهنة قد ضمنت للفرد مواجهة تكاليف الحياة؟ وماذا يبقى منّا نحن الذين نوجد في حظوة الأضواء القسرية؟ وبماذا سيذكرنا الناس في النهاية؟

كنت متأكدا أن هذه أسئلة جيل يطل من الطابق السادس من العمر، ولكن، في النهاية هي أسئلة حياة السي محمد البريني كمثال. أسئلة اليقظة في الحياة المهنية، أسئلة العمق القيمي في عمل تتقاطع فيه الثقافة والسياسة وحقوق المجتمع وقدسية الحرية وجسامة المسؤولية، والكثير من التعقيدات التي لا يبسطها أو يستسهلها إلا من لم يكن له «شيخ» أو معلم أو كان ضميره مستتراً.

انبلج الصباح، وفي القاعة الرئيسية بمركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية وجدت زملاء من مختلف الأطياف والأجيال، وكان البريني هناك يتحرك بنفس تواضعه ونفس نحافته ونفس شاربه الكثيف ونفس ابتسامته. هذا عرسه، ولكنه لم يكن طاووسيّا، بل إنه كان في دواخله يسخر من هذا الجمع الذي يقيم له كل هذا الهيلمان وكأنهم لا يعرفون البريني البسيط، وسيقولها لنا جميعا في نهاية هذا الخميس الدافئ: صورتموني كملاك وأنا كذلك خطاء!! ابتسم الجميع عندما سرد السي محمد بعضا مما اعتبره خطأ «تاريخيا» لأننا، في زمن الرعب الأخلاقي المهني اليوم، تعتبر أخطاء البريني مكرمات!

كان السي محمد بنعيسى بشوشاً يطوف على الناس بابتسامة ندية، وقفشات مثقف وسياسي لم يُشف من حبه الأول وهو الصحافة، ويكفي أنه جعل السي محمد البريني هذه السنة في قلب مهرجان أصيلة ليستحق القبل التي تقاطرت عليه من أحباء المحتفى به، أما وأن يجعل منه: «أكبر حدث وقع في موسم أصيلة الثقافي الدولي منذ نشأته» كما قال، وأن يطلق على القاعة التي كنا بها اسم محمد البريني، فإنه سحب منا الكلام لأن الأمور انقلبت إلى تكريم جماعي لأسرة الإعلام الوطني برمته، ولهذا نفهم لماذا اغرورقت عيون، وانهمرت دموع، وتحول الدفء إلى حرارة إنسانية لن تنسى.

من جمال محافظ منسق هذا الحفل، إلى السي محمد الأشعري إلى خليل الهاشمي إلى السي محمد برادة إلى السي عبد اللطيف بنصفية إلى يونس مجاهد إلى عبد الله البقالي، فمحمد بوخزار وعبد الإله التهاني ومحتات الرقاص وأسية أقصبي ومصطفى العراقي والمختار الغزيوي وعبد الحكيم بلمداحي ونادية لمهيدي وسعيد خمري، كانت الشهادات تتدفق وتختلف، والوقائع تتنوع، وفي النهاية تصب في مصب واحد هو أننا إزاء رجل أهل للتكريم، ورجل يختلف الناس في قبيلتنا حول كل شيء إلا أن البريني يجمعهم.

كنت أستمع للسي محمد الأشعري الذي ذكرني بما قبل 34 سنة، عندما قدمنا إلى مكتبه كمدير لجريدة «الاتحاد الاشتراكي» بالرباط في تدريب أنا والزميلين أنس بوسلامتي ومحمد الركراكي، فانتابني شعور مؤلم أننا في تلك القاعة الضاجة بالود وعبق الذكريات، كنا في الواقع المؤلم رزمة خلافات وحساسيات تفرق الزملاء والتنظيمات، واعتبرت أنه في حضرة رجل كالبريني، ستكون أكبر هدية له في تكريمه هو أن نتمثل قيمه وما يرمز إليه لنعيد اللحمة إلى ما انفصل، ونتجاوز الصغائر، ونتطلع إلى إنقاذ هذه المهنة التي ناضل «الصحراوي» المحتفى به من أجل حريتها وعزتها وكرامة نسائها ورجالها، بل وتوجهت كرئيس للفيدرالية المغربية لناشري الصحف بالدعوة للزملاء في الجمعية المغربية للإعلام والناشرين من أجل رأب الصدع وجمع الشمل، فالرئاسات لا تعنينا، وإنما الأهم هو خلق جبهة للدفاع عن القيم التي عاش من أجلها رجل ندعي أننا من مريدي مدرسته، ويجب أن نبرهن على ذلك.

لن يذكرنا الناس برئاسة أو جمعية أو فيدرالية أو نقابة أو مجلس أو رابطة أو ملايين أو ملايير، ولكن سيذكروننا بأثر طيب، ولنا الدرس في ما جرى بأصيلة ذلك الخميس الأبيض.

لا أعرف من حمل السيارة وأوصلها على بساط الذكريات الرائعة إلى البيضاء. كنت مخموراً بما جرى، لا تغريني إلا فكرة لامعة جذابة خلابة، وهي أن يخرج الإنسان في عنفوان عطائه ليترك المجال لمن يحمل المشعل، كما فعل المعلم البريني. فسلام عليك، وسلام على من اجتمع من أجلك، ونتمنى أن نكون جميعاً عند حسن ظنك حتى يتسنى لك أن ترتاح.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق

إقرأ أيضاً