تعرف على براعة المرأة السعودية في تصميم الديكور الداخلي للمنازل

في منطقة عسير الجبلية النائية، يمكن رؤية براعة المرأة في شكل فني عمره 200 عام ينتقل من الأمهات إلى بناتهن.

لو مشيت في قرية رجال ألمع التراثية في قلب منطقة عسير في جنوب غرب المملكة العربية السعودية، فستلاحظ على الفور مدى اختلاف هذه المنطقة النائية عن بقية البلاد. فبدلاً من المناظر الطبيعية الصحراوية أحادية اللون، هناك ألوان في كل مكان، بدءا من الجبال الخضراء التي تحيط بالقرية وصولا إلى أكاليل الزهور ذات الألوان الزاهية التي يرتديها الرجال على رؤوسهم.

وحتى أواخر القرن العشرين، كانت القبائل المتمتعة بالحكم الذاتي تعيش في "قرى معلقة" عبر عسير - مستوطنات في المرتفعات الوعرة التي لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق سلالم الحبال.

لقد أدت التضاريس القاسية، والعزلة الجغرافية، وصعوبة الوصول إلى الموارد، إلى ولادة ثقافة فريدة من نوعها قائمة على الاكتفاء الذاتي لا يعرفها العالم الخارجي كثيرا.

تقع قرية رجال ألمع، التي تعود إلى القرن العاشر، على أرض خضراء شديدة الانحدار، وهي عبارة عن مجموعة من حوالي 60 قلعة حجرية يبلغ ارتفاعها حوالي 20 مترًا.

وكانت هذه القرية المعلقة ذات يوم مركزًا تجاريًا بين اليمن والحجاز (ومتصلة ببلاد الشام عن طريق البحر الأحمر)، وهي الآن منطقة جذب سياحي ووجهة صيفية شهيرة للسكان المحليين عندما تصل درجات الحرارة في باقي أنحاء المملكة العربية السعودية إلى 40 درجة مئوية.

وخلال موسم الذروة، يمكن للزوار الاستمتاع بعروض الرقص التقليدية وعرض ضوئي عن تاريخ المنطقة وأسواق الحرف اليدوية المحلية.

ويمكن للزوار أيضًا أن يستمتعوا بفن تعود أصوله إلى 200 عام ويعد محوريا لهوية النساء في منطقة عسير، وهو فن القط العسيري.

وبينما بنى الرجال منازل تشبه ناطحات السحاب وتبدو نموذجية للمنطقة (واليمن المجاور)، يمكن رؤية براعة المرأة داخل المنازل، وعلى مداخل السلالم والجدران الداخلية للمجالس (غرف الضيوف) المزينة بتصميمات هندسية ملونة.

أما فن القط العسيري فهو عملية إبداعية تنتقل من جيل إلى آخر من النساء، وتتضمن رسم أشكال معقدة مثل المثلثات والمربعات والماس والنقط باستخدام خطوط متقاطعة سوداء مثبتة على جدران الجبس البيضاء.

وهذه الأشكال - التي تشبه التصميمات التي يمكن رؤيتها في ثقافات مختلفة في الهند وشمال إفريقيا وأمريكا اللاتينية - تُلون بعد ذلك بدهانات خضراء زاهية وصفراء وبرتقالية، والتي كانت تُصنع تقليديًا من الموارد الأصلية - الجبال والأشجار والزهور - بمنطقة عسير.

وتصنع عفاف القحطاني، فنانة ومعلمة محلية، جداريات القط على القماش وتعرضها في المعارض العالمية، بما في ذلك معرض إكسبو 2020 في دبي.

وفي الاستوديو الخاص بها، الواقع في محافظة سراة عبيدة، على بُعد حوالي 140 كيلومترًا شمال قرية رجال ألمع، تُزين تصميمات القط الجدران بأنماط متقنة من المثلثات الحمراء المقلوبة والخطوط الأفقية الخضراء السميكة.

تقول القحطاني: "عندما أرسم فنون القط أجدها متنفسا بعيدا عن التوتر والمشاكل ومضايقات العالم الخارجي".

وتتذكر القحطاني، التي نشأت محاطة بفن القط، العديد من عماتها وهن يرسمن على جدران منازلهن. لكن في عام 2018، وفي ورشة عمل نظمتها وزارة الثقافة، أتيحت لها الفرصة لإعادة التواصل مع جذورها والتعرف على الأهمية الثقافية الغنية لهذا الشكل من الفنون.

وبينما تستخدم القحطاني الآن الدهانات الاصطناعية والأكريليك، أخبرتني كيف كانت الأجيال السابقة من النساء تستخدم الألوان الطبيعية المستخرجة من الأشجار الأصلية والصخور والصمغ النباتي في هذا الفن. واستخدمت عمتها، مهرة القحطاني، ثلاثة ألوان أساسية هي الأسود والأحمر والأبيض.

وتقول: "الكربون المنبعث من لهب الشمعة جرى طحنه واستخدامه في رسم الخطوط العريضة للتصميم. أما اللون الأحمر فحصلنا عليه من مصدرين: المشكاة المصنوعة من الصخور الموجودة في جبال عسير؛ والصبغة الحمراء التي جرى الحصول عليها من القرمز على أغصان الأشجار".

أما اللون الأبيض فصنع من غسيل الحامض المستخرج من الجبس الموجود أيضًا في جبال عسير. وتأتي الألوان الأخرى مثل الأصفر من جذر الكركم أو قشر الرمان، والأخضر من العشب الطازج.

تقول القحطاني: "مع تطور طرق التجارة، بدأ استيراد اللون النيلي من الهند أو إيران. ومع ظهور الألوان الكيماوية، لجأت النساء إلى استخدام ألوان أحدث في تصميماتهن".

أما بالنسبة للفرشاة، فقد استخدمت عمتها أغصان المر أو السواك (أغصان سالفادورا بيرسيكا، التي تستخدم على نطاق واسع في البلدان الإسلامية لتنظيف الأسنان).

تقول القحطاني: "إنهن يمضغن طرف الغصن ويستخدمنه كفرشاة أو يضيفن شعر حيوان إلى طرفه". وللمساحات الأكبر مثل السلالم، تُستخدم قطعة من القماش بدلا من الفرشاة.

ورغم أن لوحات القط تُرسم بطريقة يدوية وعفوية، فإن جميع الفنانات يكررن بعض الأنماط المحددة. الكف، على سبيل المثال، عبارة عن خطوط أفقية تُرسم أسفل الجدار وتستخدم النساء أصابعهن لقياس عرض التصميم. أما البتراء - التي تمتاز بخطوطها العمودية الواسعة والمساحات البيضاء - فتهدف إلى كسر التصميمات المتكررة وجذب انتباه المشاهدين إلى قسم معين من اللوحة الجدارية.

وللزخارف أسماء مستوحاة من المناظر الطبيعية والحياة في منطقة عسير: بلصانة هو تصميم يشبه الشبكة به نقاط في المنتصف تشير إلى نخالة القمح، وهو محصول أساسي هنا؛ بينما "المحاريب" هو نصف دائرة يستخدم للدلالة على اتجاه مكة.

تقول جميلة مطر، فنانة وباحثة من مدينة أبها عاصمة عسير، إن رسم القط ليس شيئًا تتعلمه كفن، بل شيء تنشأ معه، وتضيف: "منذ أن كنت طفلة، رأيت جدتي وأمي يفعلان ذلك، إذ كان من الطبيعي والضروري لهما أن تزينان منزلهما وتجعلانه جميلا".

وفي عيد الفطر، ترحب النساء بالضيوف في مجلسهن الذي جرى تزيينه أو تجديده حديثًا. وتتذكر مطر مساعدة والدتها، قائلة: "كانت ترسم الشكل وتعطيني تعليمات مثل: ضعي اللون الأصفر هنا أو الأزرق هناك".

وبالإضافة إلى هذا التقليد الذي تتناقله الأمهات إلى البنات من خلال الممارسة والملاحظة، يعتبر فن القط أيضا مصدر فخر للمرأة العسيرية. تقول مطر: "القرويون يقولون فيما بينهم: هذه المرأة أو تلك منزلها جميل جدا!"

تعتقد رهاف قصاص، رئيس قسم التراث في الجمعية السعودية للحفاظ على التراث (منظمة غير حكومية تعمل عن كثب مع وزارة الثقافة) أن القط أكثر من مجرد شكل فني، وتقول: "إنها ممارسة اجتماعية تجمع المجتمع معًا، وطريقة تمكن الجدات والأمهات من نقل المعرفة إلى أطفالهن".

وتضيف: "يمكنك أن تشهد إحساسًا بالفخر في المجتمعات المحلية عندما يرحبن بك في منزل زينه بأنفسهن. هناك الكثير من الحب والشغف في ابتكار هذا الفن، إنه مصدر إلهام".

وعلى الرغم من إدراج القط على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي للبشرية في عام 2017، تشير القحطاني إلى أن حوالي 50 امرأة فقط هن من يمارسن هذا الفن حتى يومنا هذا. وفي محاولة للحفاظ على هذا الشكل الفني، تنظم الهيئات الحكومية ورش عمل تدريبية لتعليم جيل جديد من الفنانات. وفي القطاع الخاص، تقيم الجمعيات التعاونية والأفراد متاحف في منازل أجدادهم وتخبر الزوار بعلاقة عائلاتهم برسامي القط.

تقول مطر: "نحن فخورون جداً بفن القط لأنه هويتنا. إنه شكل فني نسائي قاد الطريق نحو إنشاء هوية فريدة من نوعها لمنطقة عسير؛ لم يكن الأمر سهلا دائما على النساء".

وتضيف أنه في السابق ربما كانت الأجيال الشابة تعتبر القط "من الطراز القديم"، لكن هذه الأجيال بدأت تشعر بالفخر تجاه هذا الفن بعد تصنيفه ضمن قائمة اليونسكو للتراث. وتقول وهي تضحك: "لقد صنعوا وشماً وأقنعة للوجه [خلال فترة تفشي كورونا] بتصميمات القط".

وفي حين تغلغلت بعض المنتجات، مثل الدلة (أواني القهوة العربية) والمباخر والأواني الفخارية ذات تصميمات القط، في الأسواق المحلية، وجدت هذه التصميمات أيضًا طريقها إلى الأزياء الراقية لأنها تعكس الهوية العسيرية والسعودية. وتمتلك كل من "هندام" ، وهي علامة تجارية للملابس الفاخرة، و"تاماشي"، وهي علامة تجارية للأحذية الراقية، خطوط إنتاج لفن القط.

وبالعودة إلى محافظة سراة عبيدة، توضح القحطاني أن النساء بمنطقة عسير يفتخرن بكل ما ورثنه وبكل الإرث الذي ينقلنه للجيل القادم. وتضيف: "كلمة عسير بالعربية تعني صعب. وكما هو الحال مع المناظر الطبيعية بالمنطقة، تتمتع النساء بالمرونة والإبداع والصبر".

وتقول: "النساء في منطقة عسير يعشقن الزينة والفن والابتكار، وهذا ليس غريباً، لأن منطقتنا جميلة وملهمة".

يمكنك قراءة الموضوع الإصلي على BBC Travel


شاهد أيضا

التعليقات مغلقة.