الكيمياء الجماعي و«خوارق» الحكومة

إن لنا باعا طويلا في الاختلاف وحتى الصراع، وشوارعنا شهدت أكبر المظاهرات على مستوى العالم العربي حيث خرج الملايين، والاحتجاجات لم تهدأ يوما وهذا دام لعقود. وفي ظل هذه الأجواء الطبيعية في مجتمع في طور التحول الديموقراطي تتراكم المكتسبات، وتطوى الصفحات.

نور الدين مفتاح [email protected]

الأجواء العامة مع بداية التجربة الحكومية الجديدة تبدو مختلفة. ورغم أن الثابت في البنيان المؤسساتي للدولة المغربية هو أقوى من المتغير، إلا أن التغيير في إطار التناوب يعطي دائما ديناميات جديدة، ربما هي أكبر من البرامج والنساء والرجال. إنها نوع من السيكولوجية العامة التي تتشكل تلقائيا لدى المغاربة وتؤثر وتدفع دون أن تكون وراءها قوى منظمة، هي أقرب إلى نبض مجتمعي متجدد يستجلب تفاعلا مغايراً.

وهذا جرى حتى في الانتخابات، فعلى الرغم من كل ما يمكن تسجيله بخصوص التجاوزات والخروقات التي عرفتها هذه الاستحقاقات، إلا أن الفاعل الرئيسي كان هو هذه العناصر المجتمعة في الفضاء العام للمملكة والتي تخلق توجها عامّا يصعب أحيانا تفسيره. ولهذا وجدنا أن المواطنين الذين قاطعوا قبل شهور شركات بعينها هم من صوتوا على أصحابها، والمواطنين الذين رفعوا الملتحين قبل خمس سنوات إلى المرتبة التي لم يسبق إليها أحد في البرلمان في تاريخ الانتخابات المغربية هم الذين أنزلوهم اليوم إلى القعر الذي لم يسبق أن نزل إليه أي صاعد في المغرب المستقل.

هذه الكيمياء أعطت لرجال الأعمال ومن معهم قمرة قيادة الحكومة، وتلتها بأقسى متابعة نقدية في أقصر مدة سماح لجهاز تنفيذي وطني. ولنلاحظ هذا الحجم من السبقات في مملكة تبدو ظاهريا أنها تكاد تصبح منمطة، ولكنها في الحقيقة تعيش دورات تاريخية طبيعية تتفاعل فيها مكوناتها صعودا ونزولا وكل شيء يصب في التغيير. وحتى بعض ما يبدو أنه تراجعات لا يعدو أن يكون إلا حركية للقفز إلى أمام أفضل. فيمكن أن نصدر القرارات الصارمة، ونغير مسار الإصلاحات، ولكن لا يمكن أبدا أن نمحو التراكم الذي ساهمت فيه الأجيال لبناء مغرب عصري حداثي متطور ديموقراطي موحد وكريم.

إن الطريقة التي دبرت بها تظاهرات الاحتجاج ضد إجبارية «جواز التلقيح» كانت إيذانا بتغيير موفق يدخل في إطار هذه السيكولوجيا العامة التفاعلية التي تحدثنا عنها آنفاً. لقد تركت للناس حرية الاحتجاج، فتقوى النقاش العمومي في موضوع حساس جدّا يهم الصحة العامة للمواطنين واستقرار البلاد. وأنا شخصيا ملقح ومقبل على أخذ الجرعة الثالثة باقتناع، ومعتز بما أنجزته المملكة في السعي للوصول للمناعة الجماعية، إلا أنني أحترم آراء المتوجسين أو المترددين أو الرافضين. وبالطبع، صاحب القرار يقرر وينفذ، والرافض يحاول أن يوصل صوته.

إن الدرس الذي يجب أن نتعلمه من هذا الموضوع هو أن على السياسي أن يتقن عمله ويحترف الإنجاز وليس التجريب، وإلا فإن كل تقصير أو زلة هي عبء إضافي على المؤسسات الأمنية التي عليها تدبير الغضب من القرارات اللاشعبية. والمغرب ليس طارئا على تدبير الاختلاف.

إن لنا باعا طويلا في الاختلاف وحتى الصراع، وشوارعنا شهدت أكبر المظاهرات على مستوى العالم العربي حيث خرج الملايين، والاحتجاجات لم تهدأ يوما وهذا دام لعقود. وفي ظل هذه الأجواء الطبيعية في مجتمع في طور التحول الديموقراطي تتراكم المكتسبات، وتطوى الصفحات.

ألم تشغلنا لسنوات قضية السلفية الجهادية واعتقالاتها بالمئات، فهل لها صوت الآن إلا صوت برنامج رائع يدعى «مصالحة» يقوده بعض الأساتذة منهم الرزرازي والعبادي وبعض المؤسسات لإعادة إدماج جزء من هؤلاء المعتقلين؟ وأعتقد أن ملفين أو ثلاثة لا غير عالقة الآن في المملكة والأكيد أنها في الطريق إلى الحلحلة. ولكن، هل نتصور غداً أننا سنعيش بلا اصطدامات وقضايا عالقة واحتكاكات وتضحيات وتجاوزات من هنا وهناك؟ إنها دينامية الانتقال الديموقراطي وهي صنو للانتقال التنموي المبني على العدالة الاجتماعية وخلق الثروة وحسن توزيعها.

إن القضية في النهاية أكبر من مجرد تدبير حكومي جاري، بل إنها مكونات متداخلة تغذي هذه الكيمياء الجماعية التي ترسم المزاج العام للشعب. وابتداء من هذه الأربعاء التي تقرر فيها رفع حظر التجول الليلي، سنعيش لأول مرة منذ سنة ونصف السنة خارج أجواء الاستثناء الوبائي، وهو ما عشناه أيضا في طريقة تدبير مظاهرات الاحتجاج على إجبارية جواز التلقيح. ولهذا نعتبر أن من يقول من داخل الحكومة إن مشكلة المغرب كانت هي فائض السياسة في المسؤولين الحكوميين، ستصدمه الأيام بما يعتقد، فالمدبرون يوضعون رهن إشارة السياسي، وجلالة الملك يعين الحكومة لتمارس السياسة بمفهومها المنتج وليس الإيديولوجي، أي أن تنجز، وأن تفسر، وأن تقنع، وأن ترجح، وأن تمارس التحكيم اليومي في قضايا متتابعة، وأن تستطيع تنزيل الاختيارات العامة المسطرة في برامج الدولة وبرامج الحكومة بالملموس، في قرارات قابلة للتنفيذ، سلسة الهضم من طرف الرأي العام ومقنعة، وحتى إذا لم تكن لك القدرة على فعل ما تعتقد أنه ضروري بحكم أن «الغالب الله» فيجب أن توصل هذا للصابرين وإلا تحولوا إلى ناقمين.

فهل التكنوقراط أو من يعتقدون أن السياسة مضيعة للوقت قادرون على رفع مثل هذه التحديات؟ لا أعتقد، ولهذا على أصحاب هذه العقليات أن يغيروها، ليس من أجل أنفسهم، ولكن من أجل بلادهم، والسبب أن هذه الحكومة بالضبط، بالنظر إلى كل ما سبقها وما أحاط بها، والآمال المعقودة على «خوارقها»، لابد أن تنجح وإلا فإننا سنخسر جميعا.

لابد أن تنجح وهي تحت الضغط لأن الناس لم يتصوروا أنهم إزاء داخلين جدد هواة، الناس قيل لهم إن الملتحين غير أكفاء ونحن نقدم لكم بديلا عنوانه المهارة والإنجاز، وبالتالي فإن الواجب الوطني يفرض على من اقتلع العدالة والتنمية أن ينتزع النجاح من قلب الضغط، خصوصا وأنه لم يتح لمن سبق رفاق أخنوش اليوم ما أتيح لهذا التحالف الثلاثي من يد ضاربة في كل مفاصل التدبير المركزي والجهوي والمحلي، ومن ظروف الإقلاع ونضوج الإصلاح الاجتماعي على نار هادئة لمدة سنوات وتيسير آليات تصريفه في معمعة الجائحة أو بسببها.

على الحكومة اليوم أن تعتبر أن محاربة الفساد، ولوبيات المصالح، والوصوليين هي صلب المعركة من أجل كسب رهان النموذج التنموي الجديد، وأما خارطة الطريق فهي مرسومة ومهما كانت مهارات التدبير فإنها غير كافية لهذا النجاح الضروري، فالحكومة ليست شركة والمشاركة في تدبير شؤون الدولة هو فعل سياسي بامتياز من أجل الوطن والمواطن. مع كامل التوفيق.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق