شكرا للأشقاء في الخليج

ولكن جزائر حكام الجيل القديم تعتبر كل حل لقضية فيها المغرب هو هزيمة لها، وحل قضية الصحراء هو في نظرها متنفس للمغرب للمزيد من الانطلاق التنموي، كما اعتبرت دائما أن فتح الحدود بيننا هو ربح للمغرب، وكأن القضية تتعلق بمتجر للمواد الغذائية وليس لدول مسؤولة عن التواصل بين الشعوب.

نور الدين مفتاح [email protected]

المواقف الخليجيّة الأخيرة من قضية وحدتنا الترابية جد مهمة في ظروف صعبة تمر بها العلاقات المغربية الجزائرية. إن تصريحات قطر والسعودية والكويت والبحرين في اللجنة الرابعة للأمم المتحدة جاءت لتعيدنا إلى الماضي التليد، عندما شاركت دول عربية في المسيرة الخضراء لسنة 1975.

ولكن متغيرات اليوم مختلفة، ولنطل عليها لابد أن نعود إلى ما قبل بضعة أشهر عندما كان التوتر هو سيد الموقف بين خليج كانت الوشائج الذي تربطه بالمملكة أكبر من السياسة وتصل إلى العلاقات العائلية. لقد تمت دعوة المغرب في عز الربيع العربي إلى الانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي رغم بعده عنه بـ 8 آلاف كلم، وبعد ذلك حصلت هزّات داخل البيت السعودي وجاء إلى الحكم مع الملك سلمان ولي العهد محمد بن سلمان الذي خلق تحالفا استراتيجيا مع ولي عهد الإمارات محمد بن زايد واهتز مجلس التعاون بفعل الخلاف مع قطر، وتجند «المحمدان» لمحاربة الإسلام السياسي في العالم العربي، وخصوصا الإمارات. وكان أن اختار المغرب الاستقلالية والحياد في النزاع بين الإخوة هناك، وهذا أدخل علاقات المملكة الشريفة مع أصدقائها في نفق بارد تخللته مناوشات سياسية، وانتهى الأمر عندما افتتحت الإمارات العربية المتحدة قنصلية لها في الصحراء المغربية.

إن الدول هي المصالح، وأن يختار الخليج بكل مكوناته، حتى المتناقضة، أن يكون مع المغرب في هذا الوقت العصيب الذي تدق فيه الجزائر طبول الحرب، فإن هذا موقف مؤثر في المغاربة بالانحياز للشرعية وللحق وللوحدة الترابية للدول، وموقف ضد تفتيت المفتت وتجزيء المجزّأ في عالم عربي يكاد يصبح بلا خرائط.

رغم كل الأزمات التي عرفها الإخوة في مجلس التعاون الخليجي، فإنهم بكل صراحة استطاعوا أن يؤسسوا لاتحاد إقليمي أنجع من اتحاد المغرب العربي، فقط لأن ليست هناك عقلية جزائرية بينهم، وإذا سارت الأمور في اتجاه المزيد من تطبيع العلاقات البينية هناك، فسيعود الخليج أقوى خصوصا إذا أزاح شوكة الحرب اليمنية من قدمه.

إن المحادثات السعودية الإيرانية الجارية خطوة استراتيجية في تغيير موازين القوى الإقليمية عربيا وإسلامياً. إن «الخطر الإيراني» ظل يستنزف مقدرات الخليج بدرجات متفاوتة، ويرهن سياساتها ويكبل انطلاق المشاريع الضخمة التي يحملها الجيل الجديد من القادة هناك. واليوم بفعل السياسات الأمريكية، ربحت إيران على جبهات متعددة منها العراق ولبنان وسوريا واليمن، ولم يكن ليحصل هذا لو كان هناك تطبيع خليجي إيراني يسمو على الإيديولوجيا وينخرط في سياسة التكتل من أجل شرق أوسط قوي وفاعل في السياسة الدولية.

والغريب أنه على الرغم من هذه المواجهات الخليجية الإيرانية، خصوصا على الساحة اليمنية، إلا أننا نرى مثلا أن أكبر المبادلات التجارية بالمنطقة تتم بين الإمارات وإيران. من حق دول الخليج أن تخاف من التغول الإيراني ونظرية تصدير الثورة، خصوصا في بلدان تضم فئات واسعة من الشيعة، إلا أن التاريخ ليس جامدا، وقد جرت الكثير من المياه في الخليج العربي، والمصلحة لمواجهة الإرهاب والحد من التدخل الخارجي، هي تطبيع العلاقات مع إيران الذي بدأت بوادره في الاتصالات الجارية مع الرياض.

هل ينعكس هذا على بلادنا ونحن في أقصى المغرب؟ نعم! فها هي المواقف الخليجية المشرفة اليوم تنعكس على المغرب الذي يحس أن أطراف هذا العالم الذي ينتمي إليه تتمسك بالشرعية التاريخية وبالحق، وتعضد مغربا ليست له موارد بترولية، ولكنه يقوم بعمل جبار من أجل النمو والاستقرار ومحاربة الفوارق والحفاظ على وحدة أراضيه.

إن ما تقوم به الجزائر يتجاوز كل التوقعات أو أسوأ التوقعات، لقد وصلوا اليوم إلى حدود إغلاق مسلسل التسوية الأممي لقضية الصحراء بعدما صرح وزير الخارجية رمطان لعمامرة بأن بلاده لن تحضر الموائد المستديرة التي يشرف عليها المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة. والغريب أنه في الوقت الذي رحبت فيه الجزائر قبل أسابيع بتعيين هذا المبعوث الجديد، السيد ديميستورا، في الوقت الذي تقول له اليوم إن مهمتك انطلقت في نعش!

لا أحد يعرف إلى أي حد يمكن أن تذهب الجزائر في علاقاتها مع المغرب، ولكن بلادنا المستعدة دائما للدفاع عن وحدتها الترابية، لا تفهم أبداً هذا المنحى الخطير الذي أخذته الأمور قبل بضعة أشهر، ولا الأسباب الكامنة وراء محاولة إشعال المنطقة بما يمكن أن يترتب عن ذلك من آثار مدمرة على شعوبها. فالعداء الجزائري عند الحكام من الجيل القديم ثابت، إلا أنه لم يسبق أن وصل إلى درجة المقامرة هاته.

في مثل هذه الأوضاع، تحتاج المنطقة إلى عقلاء، وإلى الجنوح إلى الحكمة لنصرة الحق، وما قام به الأشقاء في الخليج ليس انتصاراً لطرف على طرف آخر، ولكنه مساهمة معتبرة في دعم السلم والسلام في المنطقة، ونوع من الردع المعنوي لجار يعتقد حكامه أنهم محتكرون لقيم الدفاع عن الشعوب في الوقت الذي يوجد فيه إخوان لنا يعيشون مآسي في مخيمات على الأرض الجزائرية، كان بالإمكان وضع حد لمعاناتهم لو تم قبول حل الكبار في إطار لا غالب ولا مغلوب.

ولكن جزائر حكام الجيل القديم تعتبر كل حل لقضية فيها المغرب هو هزيمة لها، وحل قضية الصحراء هو في نظرها متنفس للمغرب للمزيد من الانطلاق التنموي، كما اعتبرت دائما أن فتح الحدود بيننا هو ربح للمغرب، وكأن القضية تتعلق بمتجر للمواد الغذائية وليس لدول مسؤولة عن التواصل بين الشعوب.

إن الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، حسمت الموضوع سياسيا باعترافها بالسيادة على أقاليمنا الجنوبية، وفرنسا لم تغير موقفها الداعم لنا في مجلس الأمن للرباط، وبريطانيا على وشك أن تتبع الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا إذا انضاف إلى المواقف الخليجية القوية اليوم، فإننا سنكون إزاء قوة غير مسبوقة بجانب المملكة في مواجهة الأخطار المحدقة بوحدتها الترابية وبالاستقرار في المغرب الكبير.

تبقى إسبانيا قطعة مهمة في هذه الرقعة، وهذا البلد له مسؤولية تاريخية في ما آلت إليه الأوضاع في الجنوب، بحكم أنه هو المستعمر القديم. وهذا البلد لديه الوثائق الدامغة التي تثبت مغربية الصحراء، وعلى الرغم من ذلك ظلت إسبانيا متأرجحة والسبب يرجع إلى البروباغندا القوية التي تعرض لها الرأي العام لمدة سنوات حتى أصبح يميل إلى الطرح الانفصالي وتميل معه صحافته وهذا مؤسف. إلا أن إسبانيا تبقى على مستوى مواقفها الرسمية متوازنة نوعا ما، وعلى بلادنا أن تدخل معمعة التواصل القوي بالمملكة الإيبيرية وتفسر وتشرح وتحضر بقوة في النقاش العمومي هناك، فهذا يمكن أن يقلب الصورة ويجلي الحقيقة، والهدف هو الاقتراب ما أمكن من وضع حد لهذه القضية التي تعرض فيها المغرب لواحد من أكبر الاحتيالات التاريخية، ولكنه صامد ويخوض الحرب التي فرضت عليه بشرف.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق