ماذا سيبقى في نهاية المطاف؟

لا شيء يستحق العناء إلا سمعة وذكرى طيبة. ولكن هذا الطريق ليس سهلا، بل إن الحياة تعلمك أن كل الطرق ليست سهلة، لأن الحق عليه دائما أن يقاتل من أجل أن يعلو، والصدق من طبعه الترفع، والنجاح حرب ضروس.

نور الدين مفتاح [email protected]

لم نكن نتصور أنا والفريق الصغير في «الأيام» أن يغمرنا جزء معتبر من النخبة وجزء كبير من الزملاء والقراء بكل هذه المشاعر الفياضة، بمناسبة مرور عشرين سنة على تأسيس جريدتنا، مما أخجل تواضعنا بصدق، ولكن جعلنا نستخلص الدروس والعبر، ونعود إلى هذا العمر الذي انسل لنطرح الأسئلة المختبئة تحت أجنحة كل نفس، والاستفهامات المهملة في غمرة اليومي المفترس: ما الذي يربحه الإنسان في نهاية المطاف من عمله؟ ما فائدة الفرد وسط الجماعة خلال حياة لها بداية ونهاية؟ ما الذي سيتركه الفرد الضعيف بعدما يترجل عن صهوة الحياة؟

لا شيء يستحق العناء إلا سمعة وذكرى طيبة. ولكن هذا الطريق ليس سهلا، بل إن الحياة تعلمك أن كل الطرق ليست سهلة، لأن الحق عليه دائما أن يقاتل من أجل أن يعلو، والصدق من طبعه الترفع، والنجاح حرب ضروس. ولكن البهتان جريئ حد الوقاحة، والنفاق سلاح فتاك، والوضاعة تنصب الفخاخ لكل تقدم منشود، وهذا عشناه، وخبرناه. وللصراحة، هناك من قتلوه بالدسائس الصغيرة، وكم من أصفياء تلطخوا بمؤامرات دنيئة، وكم من شرفاء هم منزوون في الظل اليوم لا يرضون لأنفسهم أن يخوضوا هذه المعارك التي وصلت إلى ما دون الحضيض.

وقد كنا شهودا على هذا الهدر العارم للطاقات وللمقدرات بسبب هذا الاندحار القيمي الخطير الذي لم يعد يعلو فيه إلا صوت التفاهة، والأنكى منها هو الدناءة المتدثرة بعباءة الوعظ والإرشاد، وكان هذا جزءا من أسباب ما وصلنا إليه، في جميع القطاعات، وفي قطاع الإعلام الذي يعتبر الأكثر حساسية اتجاه هذه الآفات المجتمعية.

أعتقد أن أكبر ما واجهته «الأيام» ليست هو التحدي المهني فقط، أو الاقتصادي، ولكن هذا التحدي في الاستمرار رغم هذه الأجواء التي مررنا فيها من امتحانات قاسية، فمنذ عددنا الأول رمينا بالتشكيك في أهدافنا، ومصادر تمويلنا. ومرّة نسبنا للمخابرات، ثم لنقضيها آنذاك الأمير مولاي هشام، ثم للتعاطف مع الإسلاميين، وبعد ذلك خرجت أسطوانة الدعم العمومي للصحافة والنكتة السخيفة لاغتناء أرباب الصحف به، مع أنه تعويض عن مصاريف مسبقة للطباعة والورق مؤكدة بفواتير، ثم الحديث عن الإشهار وكأنه جريمة مع العلم أنه ركن من أركان النموذج الاقتصادي لكل المقاولات الصحافية.

ورغم أن كل هذا الزبد ذهب جفاء مع توالي الأعداد والاختبارات الأسبوعية وشهادة السنين وما قدمناه بكل تواضع، ليس فقط في عملنا المهني الصرف، ولكن أيضا في الدفاع عن شرف المهنة، من نقابة الصحافة إلى فيدرالية ناشري الصحف.. رغم كل هذا نجد من ما يزال يحاول أن يخرج الهياكل العظمية لاتهامات من قبرها ليعيدها إلى الواجهة البراقة للإفك، وبئسه من عمل وبئسه من عامل وبئسه من مزكي.

لقد تربى العبد الضعيف لله مع رجال كبار منهم من قضى نحبه، رحمهم الله، والذين ينتظرون منهم يشاهدون ما يجري اليوم بنوع من الذهول. وفي بعض المحطات التي كنا جزءا من تاريخها، يكاد القلب ينفطر لما آل له وضع السياسة والصحافة فيها، ألهذا الحد وصلت الأمور؟ أبكل هذا الاستسهال والصفاقة يمكن أن تصنع نموذجا حزبيّا مغريّا للتغيير؟ أهذه هي المعادلة: إما أن تسكت أو أنت فاسد؟ ألهذا الحد ضاق صدر الزعيم وإذا ضاق ضرب بأقرب «عمود» بجانبه، وليس مهما الحقيقة، لأن «الحقيقة أولا» ذهبت مع من ذهبوا؟

في الذكرى العشرين لـ«الأيام» كانت هذه فاصلة، وكانت ملفتة للانتباه إلى جزء من هذا المسار الذي يتقاطع مع مسار بلاد لم تكن محظوظة أبدا في الكثير من نخبها وخصوصا السياسية منها، والناس شهود على من باع ومن تآمر، ومن حول البوصلة حيث تحولت المصلحة الشخصية والعائلية، ولهذا نجد أن الانتقال الديموقراطي مؤجل، وأن صفوة المناضلين منسحبين في انتظار نهاية حالات استثناء في أحزاب وجمعيات وتنظيمات.

الذين غمرونا بمشاعرهم الفياضة كانوا جائزة «الأيام» لطاقمها الذي خدم كل واحد من أفراده الجريدة بطريقته، كانوا تتويجا لمسار طويل يصعب، وسط اللجاج، أن يخرج منه الإنسان سالما أو بأقل الأضرار على الأقل، وكانوا شهادة على أن السند الذي كنا نراهن عليه كان حقيقيا، وأن معنى حياة مهنية في نهاية المطاف هو الاعتراف بالمساهمة المتواضعة في جهد البناء وليس جهد الهدم، وفي أن تعرف بعد كل هذه السنين أنك مرّة أخرى مطوق بثقة الناس، وأن هذه أمانة عليك حفظها في زاوية عملك المتواضعة، وأن هذه المعركة مهما كانت قاسية وفي وسط موبوء، تستحق أن تخاض بسمو وترفع عن السفاسف وبارتقاء في انتظار أن تعود النضارة للقطاع، وأن يفسح المجال للعودة الكبرى لكل الطاقات المنزوية في جميع المجالات، وأن نعمل كل ما في وسعنا أن نترك للجيل الجديد بارقة أمل في أنه يمكن أن ينجح ويرتقي مع الالتزام بخصال الشرف والاستقامة، وأن المصعد الاجتماعي لا يحمل بالضرورة عنوان الوصولية أو الانتهازية، ولكن الطموح الحقيقي هو الاندفاع المشروع المقرون بالقيم الفضلى للمعاملات.

الكمال لله، والإنسان ضعيف، إلا أن الالتزام مع الضمير أولا ومع المحيط لا يستوي مع التحلل من كل مروءة وشرف. والحمد لله أن للمجتمع حدساً لعله هو القاضي العادل في الدنيا قبل أن نلقى الله جميعا حيث العدالة المطلقة، وشكرا ألف مرّة على سخائكم وكرمكم.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق