عشرون عاماً من الأحلام

في هذا اللجاج، كنا نتابع باستقلالية عن أصحاب النفوذ والسلطة – والله شاهد – ولكن ليس بحياد، فالوطن لنا أيضا. وفي هذه السنوات كان يصنع مصير المملكة.

نور الدين مفتاح [email protected]

عشرون عاماً يا كتاب الهوى

ولم أزل في الصفحة الأولى!

صدقت يا قباني. وصاحبة الجلالة هوى لمن يعشق. لتكن ما تشاء: حرفة أو مهنة أو رسالة، ولكنها عندنا كانت حبّا، والحب هكذا، صعود ونزول، راحة وعذاب، صدام ووصال، ولكنه دائما وفاء. وفاء عندنا للواجب وللإتقان. هكذا التهمنا العمر بين السطور والأقلام والأحلام، هكذا انسلت السنون، وعشرون سنة منها في «الأيام » ما هي إلا حلقة، وفي كل حلقة ألف حكاية، وألف درس، وألف امتحان، وألف فرصة، وألف إنجاز، وألف إحباط وألف ليلة وليلة من الحكايات التي رويناها، وأجملها ما لم يرو بعد وسيأتي الأوان.

عشرون عاماً من القلق المهني، ومن الهروب من الاطمئنان الزائف، ومن الصراع في دروب صعبة من أجل القراءة والمشاركة والعدالة والديموقراطية والشفافية. لم نتعلم الادعاء أبدا، وظللنا في زاوية التواضع حتى صار طبيعة. عشرون عاما ونحن في المضمار الذي استوعبنا مبكرا أنه مضمار لسباق المسافات الطويلة، وكم سقط في الطريق من أخطأ في نوع السباق، وكم أحزنتنا كل هذه الحوادث والاصطدامات والضحايا والانزلاقات، ولكن، هي طبيعة الأشياء عندما تكون المهنة هي الاحتكاك اليومي بمن يملكون السلطة أو الثروة أو هما معا.

في شتنبر من سنة 2001 كان العهد الجديد جديدا، وكل الشباب في المربع الذهبي آنذاك كانوا في نفس سن كاتب هذه السطور. تم قضاء سنتين في مجهود جبّار لملء فراغ الحسن الثاني، وللبناء على تصور جديد لملك شاب. لقد كان هامش الحرية آنذاك واسعاً، وهذا ورثناه من السنوات الأخيرة للملك الراحل الذي فتح إراديّا الفضاء العام تهييئا لانتقال سلس للعرش بعدما علم بمرضه الذي لن يمهله كثيرا. وإن ظلت قضية الصحراء هي أولوية البلاد بشكل طبيعي، فإن الملف الرئيس كان آنئذ هو طي صفحة الماضي الحقوقي. ويبدو أن الدولة كانت لها إكراهات، فهي عليها أن تتخلص من رموز الماضي، ولكن عليها أيضا أن تملأ الفراغ الذي سيتركونه، وهذا ما جرى بعد إقالة إدريس البصري.

لقد كان رجل الشاوية القوي بالفعل متغلغلا في مفاصل الدولة، وجيء بالجينرال حميدو لعنيكري لاجتثاث تركة البصري الذي أصبح معارضاً للدولة! كانت أجواء صاخبة يتحرك فيها الجميع بقوة وبحذر تجنبا لاصطدام كبير. وكان محيط القصر الملكي في كل احتقان يتواصل مع الصحافة ويشرح ويوضح، وأحيانا يتم حجز الجريدة كما جرى حين عنونا غلافا لـ«الأيام» بـ:«على الملك أن يعتذر للضحايا» وكان الموضوع حوارا مع المحامي الشهير ذ. عبد الرحيم برادة، إلا أن الحجز لم يدم غير ساعات.

كان هناك شبح تمدد العدالة والتنمية، وزحف السلفية الجهادية، وقوة العدل والإحسان، والمشاكل مع الأمير مولاي هشام الذي سيرحل سنة 2002 إلى الولايات المتحدة الأمريكية دون أن ترحل الحساسية من تدخلاته وخرجاته، وكانت هناك تحركات البصري الذي سيصل به الأمر إلى حدود تبادل الغزل مع الجزائر، وكانت هناك تحركات هشام المندري الذي سينتهي مقتولا بإسبانيا.

ما بين تفجيرات 2001 بنيويورك وتفجيرات 2003 في الدار البيضاء، تغير العالم ومعه الدولة في المغرب، وارتهنا لفزاعة الخطر الإسلاموي، ولم نخرج منها إلى الآن. أما على المستوى السياسي، فقد تكونت قناعة عند الشباب المحيط بالملك الشاب بعد أن عركتهم الاحتكاكات والتجارب والحوادث، بأن الأحزاب التقليدية، سواء «الإدارية» أو «الوطنية» قد شاخت وتكسرت على صخرة استهدافها من جهة وتناحراتها الداخلية من جهة أخرى، وبدأ التهيء لبارشوك جديد يحمي الدولة من الاصطدام المباشر مع الشارع، فكانت «حركة لكل الديموقراطيين» ثم «البام» والمآل معروف الآن.

في هذا اللجاج، كنا نتابع باستقلالية عن أصحاب النفوذ والسلطة – والله شاهد – ولكن ليس بحياد، فالوطن لنا أيضا. وفي هذه السنوات كان يصنع مصير المملكة. تزوج الملك واستدعينا للقصر من طرف المستشارين أزولاي وبنيعيش لتقديم تفاصيل عرس استثنائي في تاريخ الأسرة العلوية الحاكمة. ولكن أعباء الحكم لا تترك المجال لتمدد الأعراس، وما هي إلا أسابيع حتى انفجرت أكبر أزمة بين المغرب وإسبانيا حول جزيرة ليلى، وواكبنا الحدث دون أن نهمل الالتفات إلى صفحات التاريخ، لأن 38 سنة من حكم الحسن الثاني بقبضة من حديد جعلت الانفتاح المحروس بمثابة خزان للسبقات الصحافية القادمة من الماضي بصيغة المضارع.

نبشنا في ثروة الجينرالات وكلفة الجيش وثروة البصري والشبكة الأخطبوطية للعائلات المخزنية، وفي الانقلابات وأسرارها، وأعدنا قراءة أطنان من روايات الماضي سواء من داخل الجيش أو في أوساط المعتقلين السياسيين أو في الملابسات التاريخية المعقدة لـ«الثوار» بالجزائر وليبيا وسوريا من خلال الأحياء ممن عاشوها، وعدنا كثيرا للحسن الثاني في السياسة والسلطة والحياة.

الأقلام التي كانت تتابع ما يمور في المملكة أغلبها جاءت من تجربة «الصحيفة» التي جئنا بها كمشروع بعدما خرجنا من «مغرب اليوم». وأغلب الزملاء كانوا يدرسون بمعهد الصحافة الخاص بالدار البيضاء الذي كنت أدرّس به. لقد أعطوا، ووفوا، وكان هاجسنا هو المهنية والاستقلالية. وكل الزملاء أحياء، وأغلبهم في تجارب أخرى. ويمكن أن يشهدوا هل وجهنا أحدهم لمدح فلان أو لذم علان، أو ليشن حملة على هذه الجهة أو ليناصر تلك. كل شيء كانت تقرره هيئة التحرير التي يصبح آخر ملتحق بها له نفس حقوق القرار والرأي التحريري كالجميع، شريطة الالتزام بالضوابط التي جعلت لـ«الأيام» سمعة أتمنى أن تكون مستحِقة لها.

لقد تخرج من «الأيام» عشرات الصحافيات والصحافيين المرموقين، بفضل مواهبهم، وبفضل هذا الالتزام الذي يجدونه في الدار بالإتقان والصرامة مع الذات. لقد اضطررنا أحايين كثيرة لإصدار أكثر من طبعة للعدد الواحد، وكان قراؤنا ركيزة استمراريتنا، والتعاقد هو الإنجاز والوفاء.

انتهى التناوب التوافقي بمجيء جطو، وانتهى حميدو لعنيكري، ورحل عبد السلام ياسين، وتم وأد تيار السلفية الجهادية، ولكن ظل ملفان عالقان هما الانتقال الديموقراطي والعدالة الاجتماعية، مع التقدم في ملفين هما الأوراش الكبرى التي غيرت وجه المملكة في البنية التحتية، وقضية الصحراء مع منعطف اقتراح الحكم الذاتي.

في ماي 2006 كان غلاف «الأيام» يحمل عنوان: «السلط التي يجب أن يتنازل عنها الملك». وفي 9 مارس 2011، وبعد الثورات العربية التي ترجمت مغربيا بـ«20 فبراير»، سيعلن محمد السادس عن التنازل عن اختصاصات عديدة للوزير الأول الذي سيصبح رئيسا للحكومة، وسنصدر غلافا نعتبره أحد أهم أعداد «الأيام» وهو: «إعلان ميلاد المملكة المغربية الثانية». فعلا، لقد ولدت مملكة مغربية جديدة، ليس كتطور طبيعي لمسلسل الانتقال الديموقراطي، ولكن كجواب اضطراري على مرحلة عواصف إقليمية انحنت لها الدولة بذكاء. وسيظل التوجس هو سيد الميدان لعشر سنوات كاملة مع حكومتي الإسلاميَيْن عبد الإله ابن كيران وسعد الدين العثماني التي يمكن بكل اطمئنان أن نقول إنها كانت 10 سنوات من البلوكاج، تغيرت فيها الكثير من الاتجاهات التي كانت مرسومة في بداية العهد الجديد، وتغير الرجال، وعاد فؤاد عالي الهمة إلى القصر بعدما خرج منه مستقيلا ليخوض في دروب السياسة الوعرة. وكانت الضربة القاضية لهذه التجربة الإسلامية في الحكومة إضافة إلى عدم الثقة في حبهم من طرف واحد، هو أحداث الريف المؤلمة بحراكه الذي سارت بذكره الركبان. أطلق الله سراح الجميع من رفاق ناصر الزفزافي.

لقد عشنا بعد 20 فبراير انفجارا جديدا للأمل، وعاد الناس للسياسة والصحافة والمشاركة، ونشط عبد الإله ابن كيران الساحة بأسلوبه المختلف حوله، ووقع شرخ وسط ما تبقى من اليسار الذي شاهدنا كيف كان رموزه مقربين من المحيط الملكي في دورة الأمل الأولى بداية الألفية الثانية، وأصبحت الأولوية بالنسبة للبعض هي المعركة ضد الظلامية وليس الديموقراطية، وانحسرت الإصلاحات الاجتماعية والسياسية مع عشرية البلوكاج مقابل تصريف الدولة لكل الإصلاحات الخطرة تحت جلباب كبيرَيْ الإسلاميين، إلى أن جاءت 2017 وعنونا غلافا لـ«الأيام» بـ:«العثماني يوقع على نهاية الإسلاميين بالمغرب» قبل انهيارهم بـ5 سنوات.

لقد تغيرت الأولويات كالأمواج، و«الأيام» ركبت هذه التغيرات مواكبة ورصدا ونقدا في حدود قناعة راسخة لدى كاتب هذه السطور منذ 34 سنة كممارس لهذا الحب الظالم، وهو أن دور الصحافي ليس معارضة النظام أو الحلم بقلبه أو تقمص دور  الزعامة السياسية أو التماهي مع أدوار الأحزاب والجمعيات والجماعات، ولكن دور الصحافي هو أن يخبر ويراقب وينتقد باستقلالية وتجرد، وانتهى الكلام.

وهكذا لاحظنا كيف أن الدمقرطة والانتقال وحقوق الإنسان لم تعد لها كملفات نفس الزخم،  وإن علا الصراخ في مواقع التواصل الاجتماعي، مع استثناءات طبعا.

ونحن نعيش الآن مرحلة جديدة تماما، غير مسبوقة في مملكة محمد السادس، بحيث أقفلت كل المؤسسات بقفل ثلاثي، ودفع إلى المعارضة من استجدى الدخول للحكومة، ولم تعد الحاجة للبارشوك حسب ما يبدو، وبالتالي فكل فشل في تدبير الملف الاجتماعي اليوم هو تحدّي جديد على طاولة المؤسسة الأمنية.

عشرون سنة لننتقل من عبد الرحمان اليوسفي إلى عزيز أخنوش! عشرون سنة من المفاجآت كان الثابت فيها هو الاستقرار، ولكن بكلفة اجتماعية باهظة، وكلفة قيمية مؤلمة. وقد عنونا غلافا من قبل سنتين بـ«كيف ربح التافهون الحرب في المغرب».

نعم لقد أثر علينا كمهنة التطور التكنولوجي الهائل، ولم تعد لنا كمحترفين حصرية التوجه للرأي العام، ودخل الملايين إلى معمعة الفضاء العام عبر هواتف رخيصة الثمن بعدما كانوا بعيدين عنه لعقود، وتأثرت الصحافة الورقية أولا، والإلكترونية الجادة ثانيا، وانتصرت التفاهة والتهييج وحملات التشويه الرخيصة، وكثر الصيادون حول البرك الآسنة، واختلط الحابل بالنابل، وأصبح الناس وهم في منازلهم وفي الشوارع والمقاهي ووسائل النقل منحشرين في هواتفهم يتابعون الروتينيات اليومية، وبعض العجائب المسنوبة للصحافة، وجزء من «المؤثرين» الذين يسبحون في الهوامش، وهذا قلب رأسا على عقب تلك العلاقة الدافئة التي كانت للقارئ بالأقلام التي تطربه والآراء التي ترشده والأخبار التي تسعفه. تأثرنا لدرجة أننا جميعا، في الورقي على الأقل، نحتضر.

كم وددنا أن تكون عشرون سنة كافية لئلا نأسف لما وصلت إليه صحافتنا اليوم من أزمات مركبة. ولكن، هو الحب الأول والأخير، هو عمر قضيناه في محراب الحبيب الأول ولا يرضينا هذا  الهوان. ولكن، لن يرضينا إلا الأمل في جيل جديد لا نريده أن يعتنق السلفية في الإعلام ولكن الصوفية فيه، وهنا أستدرك لأقول إننا خسرنا معركة ضد التفاهة، ولكن الحرب ما تزال طويلة، وسيكسبها اللاحقون إن شاء الله، ولنا في دول أخرى العبرة والمثال والأمل.

خارج السياسة، عملنا على الترويج لقيم التنوير، وتحدثنا إلى كتب الراحل محمد عابد الجابري والكبير عبد الله العروي وأنصتنا لنخب المجتمع من الجامعات والمجتمع المدني وأدمغة الخارج، ودافعنا عن قضية المرأة كقضية تحرر محورية في بلاد تتوق للحداثة، وحاولنا اقتحام مواضيع حساسة تتعلق بمواجهة فهم مكبل للدين، وطرقنا باب سيرة الرسول (ص) والصحابة والخلفاء بعيدا عن الأسطرة، وحاولنا تكسير الأحكام الجاهزة وكنا في قلب المعارك الاجتماعية، لأن هذه الآمال الشعبية كانت بالنسبة لنا سبب وجود.

عشرون سنة وقبلها سنون أخرى كان سر الاستمرارية فيها هو مخاصمة الغرور والحذر من السقوط في الخطأ القاتل، وهو اعتبار من يفتحون بابهم لك من أصحاب الجاه أو القرار كمصادر خبر، بأنهم أصدقاء. إنهم أصدقاء الصفة، متى ذهبت ذهبوا.

عشرون سنة لم يكن أبدا ممكنا إكمالها دون رفيقات ورفقاء الدرب الذين تحاشينا ذكر أي اسم منهم حتى لا أقترف ذنب نسيان واحد أو واحدة  وهذا لا يغتفر.. إنهم الصحافيات والصحافيون الذين أعطوا ووفوا جيلا بعد جيل في هذه الدار المدينة لهم بحياتها، وها هم السابقون متألقون واللاحقون لامعون، وهذا هو المكسب بالنسبة لجريدة بالتأكيد هي أكبر من وظيفة ومن مصدر دخل فقط.

وإنهم التقنيات والتقنيون والفنيون الذين جعلوا «الأيام» دوما ترفل في حلّة قشيبة لأن الشكل جزء من الجوهر، وإنهم القسم التجاري المقاتل الذي استطاع أن يزاوج بين مسؤولية تأمين الحياة للمؤسسة وبين احترام استقلاليتها واحترامها لأخلاقيات المهنة، ولعمري أن هذا امتحان يومي صعب يخوضونه بشرف، وإنهم القسم الإداري بكل مكوناته يتحملون أعباء الحفاظ على التنظيم داخل مؤسسة طابعها حرية الفعل والمبادرة.

وباسمي وباسم كل هؤلاء الذين يطوقني دينهم في استمرارية «الأيام» نقول للقراء الأوفياء من صميم الفؤاد شكرا على الثقة وشكرا على الوفاء.

لن نتوب عما فعلناه ونفعله بأقلامنا، ولو قدر لنا أن نعيد، فسنعيد نفس الشيء.

وعشرون عاماً أخرى يا كتاب الهوى

سنقول إننا لم نزل في الصفحة الأولى!

وكل عام وأيامكم أحلى.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق