الخوف من التغول المصالحي

الخطأ القاتل لقيادة البيجيدي في الاعتقاد أن المقاطعة الشعبية لشركة المحروقات «إفريقيا» وقضية الـ 17 مليار درهم كشبهات تحوم حول أخنوش أو خطاب زواج المال والسلطة كانت كافية لإسقاط هذا المرشح لقيادة حكومة ما بعد العثماني.

نور الدين مفتاح [email protected]

كثيرا ما يخلط العامة بين «الإسلام» و«الإسلام السياسي» وبين «المسلم» و«الإسلامي» وهذا يصيب النقاش العام بعطب ابتدائي، ويتسبب في الخلط والخبط والهيجان الساذج، حتى ليكاد يحبط مجهود الفهم ويشوش على إمكانية تفكيك قضايا تحمل من التعقيد ما يتجاوز أحيانا طاقات صانعي الحدث أنفسهم، فما بالك بالمراقب والمتتبع والراصد.

وكيفما كان الحال، فإن ما جرى في المملكة ليس بالشيء الهين، إذ يبقى المبهم فيه أكبر من الواضح، وقد اخترنا منذ 8 شتنبر أن نتدرج في قراءة هذا الحدث الجلل الذي سيبقى لا محالة منعطفا في تاريخ العهد الجديد، تتوارثه الأجيال وتحقب به لما قبل وما بعد سقوط العدالة والتنمية، كما تحقب بالتناوب التوافقي وانتقال العرش و30 فبراير وخطاب 10 مارس 2011 وصعود حكومة ابن كيران، وغير هذا من المحطات التي طرزت قماش التاريخ الذي نكتبه يومياً ونقلبه تقليبا، وكلما ابتعدنا كلما انبثقت معان جديدة سيقطفها في النهاية المؤرخون بعد حين.

إن سقوط العدالة والتنمية لم يكن بالسخط الشعبي وحده، إلا أن هذا السخط بالذات كان بحجم صعب على كل الماسكين بحجج هنا وهناك أن يجزموا، كما جرى في السابق، بأن الانتخابات كانت مزورة. وهذا ليس ادعاء امتلاك قياس علمي لرصد نبض المجتمع، ولكنه انطباع من عاش وسط هذه الطبقة المتوسطة حين كان المعربون والمفرنسون، والتقنيون والأدبيون والحداثيون والمحافظون يلهجون قبل سنوات بالعدالة والتنمية كرمز للتغيير، في الأسواق والنوادي والصالونات، وحين انقلبت الآية، بعد البلوكاج الشهير، وما جرى بين الإخوان أنفسهم والضربات التي تلقوها، والتمزق الداخلي الذي لم يستطع رتقه الحوار الداخلي الذي أطلقوه، ونتائج السياسات التي أنتجوها أو أرغموا عليها، وسوء تقديرهم لما كان يجري، وبعض الغرور السياسي الذي كان يملأ صدورهم، وحين لنقلبت هذه الآية عادت نفس الطبقة، بنفس تشكيلاتها، لتكفر بهذا الحزب لدرجة أن الشارع بمفهومه السياسي أصبح مناوئا للبيجيدي.

إن تجاهل هذا المعطى العميق سواء من طرف البيجيديين أنفسهم، أو من طرف من يبحث عن سبب هذا الانهيار سيكون متجنيا على الواقع وعلى الحقيقة. وإذا سلمنا بهذا، فيمكن أن نتطرق بأريحية لباقي العناصر التي أدت لما عشناه بذهول وصدمة:

1- عندما كان قياديو العدالة والتنمية يتناطحون كان خصومهم يعدون العدة قبل 4 سنوات من اقتراع 8 شتنبر لاقتلاع الإخوان مستفيدين من أخطاء «البام» في نسخته الإلياس عماريّة.

2- عمل التجمع الوطني للأحرار على نوع من «التجييش» من خلال تنظيم شبيبي سيظهر أثره يوم الاقتراع حين انضاف 3 ملايين مشارك في الانتخابات جزء كبير منهم تمت رعايته في حزب أخنوش.

3- عمل حزب الأصالة والمعاصرة بإتقان على تغيير جلده من حزب جاء لمحاربة الإسلاميين إلى حزب قطع أمام الرأي العام على الأقل مع «خطيئة الولادة» وقدم أمينه العام صورة لنوع من الاستقلالية المرتبة وإن ظل يرفع شعار «شرعية الأعيان» للفوز في الانتخابات.

4- ماكينة الاستقطاب القوي للحمامة وبكل الوسائل الممكنة والإغراءات ظلت تشتغل لسنوات حتى حصدت داخل البيجيدي نفسه، والأمانة العامة بحي الليمون غافلة ومتدثرة بثقة زائفة في النفس.

5- الخطأ القاتل لقيادة البيجيدي في الاعتقاد أن المقاطعة الشعبية لشركة المحروقات «إفريقيا» وقضية الـ 17 مليار درهم كشبهات تحوم حول أخنوش أو خطاب زواج المال والسلطة كانت كافية لإسقاط هذا المرشح لقيادة حكومة ما بعد العثماني. لقد أخطأوا التقدير في قوة ما كان يرتب بدقة بحيث ركزوا على ما أراده خصومهم أن يركزوا عليه وغفلوا عما كان يحرث في الميدان.

6- عشنا في انتخابات 8 شتنبر أكبر «ميركاتو» في تاريخ المملكة، واختلط الحابل بالنابل، ودارت من الأموال ما تجري به الوديان، وأصبح المرشحون المناضلون غرباء مساكين لأن أصحاب المال الحلال والحرام ملأوا الدنيا وسدوا المنافذ على التصويت السياسي في الغالب الأعم، والحكايات في هذا الشأن متاحة ومباحة وأحيانا مأساوية.

7 – هناك بالتأكيد خروقات في العملية الانتخابية قد يكون حديث العدالة والتنمية عنها مجروحاً، ولكن لنسأل بعض القياديين الاتحاديين مثلا الذين اجتثتهم الموجة في الدار البيضاء الكبرى اجتثاتا مع أن وزن أسمائهم مع القاسم الانتخابي كان من المنطقي أن يجعلهم يفوزون بسهولة بمقعد انتخابي، ومنهم سهيل المعطي وإبراهيم الرشيدي وعبد المقصود الراشدي والسي محمد شوقي ومحمد محب وعبد الحميد اجماهري وغيرهم كثيرون. هؤلاء لهم شهادات على تجاوزات لابد أن تسجل بعد أن تسلم كل المحاضر وتظهر تفاصيل النتائج النهائية.

8- كل الروايات التي ما تزال أصداؤها تملأ الفضاء العام تفيد بأن الحمامة في مراكز التصويت كانت لها مكانة خاصة. هناك تفاصيل من مصادر خارج العدالة والتنمية لابد من التحقيق فيها للتاريخ والعبرة، وأدوات العبد الضعيف لله لا تسعفه للجزم باليقين في كذا خطوة.

9- عطفا على النقطة السالفة، لا نعرف لحد الآن كيف أصبحت فجأة الحمامة حديث الخاصة والعامة، وكيف تطابقت مع المبدأ التسويقي الشهير: «اذكروني ولو بسوء» ولا كيف أصبح الجميع مشغولا بهديل إخوان أخنوش وبهذه الحمامة الزرقاء أين وقفت ومتى طارت ومع من احتكت. المهم، تحولت الأخنوشيّة المركبة إلى موجة بخليط عجيب ربما تجاوز أصحابه وربما من كثرة الدفع والحرص على الدخول في المقدمة تقطعت الفرامل ووقع ما شهدناه من قيامة سياسية ترى الناس فيها سكارى وما هم بسكارى أما اكتساح مقابل انهيار.

10- العبرة بالنتيجة والمستقبل كما أسلفنا في افتتاحيتين سابقتين، إلا أننا نضيف هنا أنه إذا ظلت الدولة طيلة 20 سنة تتخوف من تغول الإسلام السياسي، فإن الشعب اليوم من حقه أن يتخوف من تغول المركب المصالحي الليبرالي المتوحش، ما دام أن من يقود كل المؤسسات المنتخبة تقريبا هم من أصحاب هذه المصالح ومن الأعيان وكبار الأثرياء.

هذا امتحان لزواج الثروة والسلطة، فاللهم استر.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق