في انتظار وقف إطلاق النار

تحية للجميع بعد هذا الغياب القصير في عطلة بطعم خاص. لنقل إنه طعم مرّ في أجواء مخيفة على مائدة إحباط. من كان يعتقد أننا سنعود إلى هذه الآلة التي تحصد الخلان والأصدقاء والأحباب، وتهددنا كل لحظة بالسقوط؟ وكيف سنستمر في التعايش مع هذه المتحورات اللئيمة؟ وأي أفق لأي خلاص؟ وهل هناك فكاك من هذا الفخ […]

نور الدين مفتاح [email protected]

تحية للجميع بعد هذا الغياب القصير في عطلة بطعم خاص.

لنقل إنه طعم مرّ في أجواء مخيفة على مائدة إحباط. من كان يعتقد أننا سنعود إلى هذه الآلة التي تحصد الخلان والأصدقاء والأحباب، وتهددنا كل لحظة بالسقوط؟ وكيف سنستمر في التعايش مع هذه المتحورات اللئيمة؟ وأي أفق لأي خلاص؟ وهل هناك فكاك من هذا الفخ المميت؟ وهل هناك فعلا أمل في مناعة جماعية مرتجاة؟ ولماذا لم يكن للقاح ذلك التأثير السحري على الفيروس؟ وكم سنحتاج من الوقت لنتجاوز عهد كورونا، أم أننا لسنا إلا في البدايات؟

بكل هذه الأسئلة، ومئات أسوأ منها، يتحرك الجميع ليقضم الحياة من أفواه العدوى. فتجد الناس بهواجسهم في الشواطئ ينفسون، وتجدهم بفواجعهم أحيانا في المسابح وبمواجعهم في دروب الكسب والصراع اليومي من أجل لقمة العيش. لا أحد كان يعتقد أن يكون هذا الصيف بهذه الرمادية الفظيعة، ومواقع التواصل الاجتماعي تكاد تتحول إلى مواقع للتعازي والدعوات بالشفاء.

الخوف يتعاظم والسخط أيضا، تعبنا من الاحتياطات ولكن لا مفر. مقرف هذا التباعد الجسدي، ومقرفة هذه الكمامات والمعقمات، ولكنها ضرورية، تماما كمرارة الدواء الأهون من الداء.

تعبنا ونحن على مشارف السنتين من حياة الاستثناء في كل شيء. وبالتعب والمرض أو كلفة الاحتياط منه، مضطرون للاستمرار لأن الزمن لا يتوقف، والحياة لا تلتفت إلى الوراء.

لقد قاومت بلادنا، وإذا جمعنا النواقص والمنجزات، وطرحنا وضربنا وخصمنا فسنقول إننا كنا في مستوى مواجهة هذا الوباء. ولكن المغرب بلد محدود الإمكانيات، ولا أعرف كيف يمكن لنا أن نتحمل ضربات مستمرة للصحة العامة وللاقتصاد وللتوازنات، ولبعض القطاعات التي تكاد تلتحق بالرفيق الأعلى، ولمئات الآلاف من المتضررين من الفقراء، وللمشاريع الواعدة المنطلقة وعلى رأسها ملف الحماية الاجتماعية.

كل هذا يتطلب وقفا لإطلاق النار من طرف الفيروس، فلا يمكن أن نبني في ساحة المعركة. صامدون لحد الآن ولكن إلى متى؟

والمؤسف هو أن الخطاب الرسمي، باستثناء الحملة التهويلية التي ترمي إلى ردع المتخاذلين من أجل اتخاذ الاحتياطات الوقائية ضد انتشار الفيروس، لا يطرح للنقاش العام أسئلة الحال والمآل بكل التفاصيل وشياطينها، كما يفعل الآخرون يوميا ممن نستلهم منهم الكثير كالعزيزة فرنسا.

والأغرب أن الانتخابات على الأبواب، والكثير من الكلام يسكب يوميا في جميع القنوات، ولكن لا شيء تقريبا عن مغرب كورونا ومغرب ما بعد كورونا بالأرقام والتوقعات والحقيقة حول المجاهل والمخاطر، وما على المغاربة أن يستعدوا له في حالة ما إذا استمر هذا القصف الوبائي الخطير. ما علينا! الناس يعرفون أنه حتى مع دستور 2011 تبقى المملكة المغربية وفية لتركيبتها المؤسساتية، فهناك الحكومة التي يتبارى عليها المتبارون في الانتخابات، وهناك الدولة، والسلام.

الدولة تضبط التوازنات، وتمسك بزمام القرار الاستراتيجي وتحرس الاستقرار. وأهم قرار اتخذته سياسيا هو التمسك بالتاريخ المحدد للانتخابات، رغم التطورات الوبائية. وربما تكون النتيجة هي إغلاق قوس تجربة عمرت 10 سنوات، وآن لها أن تأخذ مسافة للتقييم. وحتى وإن أعاد الناس الإسلاميين إلى الحكومة، فلا شيء سيغير من اتجاه الحكم، وبالتالي فالأهم في هذه الانتخابات هو الإثارة وليس الرهانات، بمعنى أن سؤال من يستطيع إسقاط الإسلاميين أهم من ما الذي سيفعله هذا الحزب بالملموس إذا فاز على الحزب الآخر؟

لقد بعثر أوراقنا الفيروس، إلا أنه في صيف هذا المغرب ليس وحده استمرار كورونا هو الغريب، بل يضاف إليه هذا الجوار الصعب الذي تحول في الأسابيع الماضية إلى ضرب من السوريالية.

الدولة تقود السياسة الخارجية، والملك يمسك بزمامها. وقد فاجأ الجالس على العرش الجميع بخطاب خصص جله للجزائر بلغة لينة تخطب الود والوصال ومصلحة الشعبين. وهو خطاب خيب آمال حزب التصعيد في الرباط والجزائر معا، وناصر أصوات الحكمة التي ظلت تعتبر أن المصير المشترك هو في الإمساك برؤوس خيوط التقارب مهما صغرت بدل الضرب بحبال التنافر مهما ثقلت. جاء هذا في خطاب للعرش وبلغة غير مسبوقة مع العلم أن العلاقات الثنائية متشنجة جدا، فماذا كان الرد؟

الذين كانوا يراهنون على تجاوب سريع من الجزائر واهمون، فالمغرب لحد الآن هو شبهة لدى جزء كبير من الطبقة السياسية هناك، وتعتبر كل مبادراته مهما كانت نبيلة مناورة. وفعلا كان الرد هو هجوم كالعادة من طرف رئيس الأركان الجينرال شنقريحة، وجواب من الرئيس الجزائري مفاده أن المهم ليس هو ما جاء في خطاب محمد السادس، ولكن هو عدم تقديم الرباط لتفسير حول ما سبق أن صرح به ممثل المغرب في الأمم المتحدة عمر هلال بخصوص موضوع الحكم الذاتي في منطقة القبائل الجزائرية.

سبق للعبد الضعيف لله، أن كتب مرات ومرات عن الترفع في المواجهة مع الجزائر والابتعاد عن سفاسف الأمور من مثل تحقير رئيس الدولة بلقبه أو اسمه، والاستهزاء حتى بمن يعادينا. فخطاب الحق يسمو، والجغرافيا لن تتبدل، والحل لهذه المعضلة المغاربية لن يكون إلا ثنائيا، فلا أمريكا ولا روسيا ولا الأمم المتحدة ولا الاتحاد الإفريقي قادرون على فك هذه العقدة التي ترهن شعبين ووراءهما شعوب أخرى في تكتل إقليمي متجنى عليه، وأمامهم شريك أوروبي وازن ينتظر الفرج في الفضاء المتوسطي.

نعم، هناك طبقات جيولوجية من سوء الفهم المتراكم لعشرات السنين، بل طبقات من الأحقاد، ولكن هذا لا يمكن حله بالمزيد من الطبقات التكتونية لإشفاء الغليل، بل بتيسير سبل التفاهم عن طريق تبديد سوء الفهم، والتعامل مع العقلية الجزائرية في الحكم بناء على توجساتها واستيهاماتها. وجزء من هذا جاء في الخطاب الملكي الذي حاول أن يهدئ من روع بعض الهواجس الجزائرية التي ليست كلها مصطنعة. وهذا هو الطريق الصحيح حتى وإن كان الرد مخيبا للآمال، لأن أكبر انتصار يمكن أن يحققه المغرب هو أن يدفع الجزائر، اليوم أو بعد سنة أو 10 سنوات، إلى دفن الماضي الذي صنعه رجال هم اليوم عند الرفيق الأعلى، وبناء مستقبل واقعي يحفظ مصالح الطرفين وينتصر لأخوة الشعبين وللجزء المشرق من التاريخ المشترك.

هذا طريقه واضح، وهو الدعوة للتقارب والتهدئة، قد تكون اليوم من طرف واحد، إلا أن انخراط النخب المستنيرة من البلدين في هذا المجهود، وعلى رأسها النخب الإعلامية، كفيل بتسهيل المرور في طريق صعب ومكتظ بالصراخ والشتائم والتفاهات.

نحتفل اليوم بذكرى ثورة الملك والشعب، وعندما كانت هذه الثورة تأكل الاستعمار، كان أبناؤها يحملونها بأفق مغاربي قاطرته المغرب والجزائر، ولهذا من واجب الجيل الجديد أن يبقى وفيا لأحلام الآباء المؤسسين ويعض بالنواجد على دعوات المصالحة والوئام، وعيد ميلاد سعيد لجلالة الملك.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق