المفكر محمد سبيلا في حوار قبل الرحيل: التعافي من كورونا سيتطلب عقودا بسبب عنفه وشراسته

 

حاورته: زينب مركز

 

اعتبر الأستاذ الراحل محمد سبيلا أن كوفيد 19 فيروس ماكر، يتهددك بالفناء ولكن في نفس الوقت يحثك على إيجاد أساليب لمقاومته. وقد رسخت الجائحة ـ عوض ثقافة الحب والتعاون والتعاضد وكل التراث البشري الذي يعبر عنه طوق الحمامة أو مؤلفات أخرى ـ ثقافة الذعر والرهبة. ويؤكد الفيلسوف أنه إذا كان فيروس كورونا قد هدد إيقاع تطور المجتمعات اقتصاديا وسياسيا، فإنه في مجال التقنية سيفرض على البشرية تطوير قدراتها المعرفية، وبرغم كل الحزن المعمم علينا، يصر محمد سبيلا على فتح نافذة أشعة الأمل.

 

 

ـ قبل سنة، بدا كما لو أننا من هول صدمة الفيروس قد تداعينا لرسم صورة عن عالم ما بعد كورونا، أكد خلاله العديد من المحللين أن البشرية ما بعد كورونا لن تكون هي نفسها كما عهدناها في السابق، والآن بعد أن عشنا كل هذا الزمن في ظل الجائحة، ما الذي تغير، وما الذي بقي ثابتا؟

 

 

الملاحظة الأساسية هنا هي قوة الحدث، أو أنا أفضل استعمال كلمة “الواقعة”، قوة الواقعة، التي عصفت بالبشرية لأول مرة في تاريخها بشكل جماعي، حيث هددت النوع البشري كله، وهذا هو الجديد. هناك العنف والشراسة والجائحة والاجتياح إلخ… ولكن التهديد موجه للبشرية جمعاء، وهذا هو الأمر الذي ال أستسيغه أنا في التعريف أو في المرجعية التي يضعها بعض الأوربيين وخاصة رئيسا فرنسا وألمانيا، حيث يقيسان ما حدث على الحرب العالمية الثانية. أنا أتفهم فعال أن هذين البلدين اكتويا بنار هذه الحرب وكانا في بؤرتها وفي قلبها، ولكن هذا حدث بين طرفين من البشرية.. جزء من البشرية يهاجم الآخر، أو حرب بين طرفين، ولكن الجائحة هي ضد النوع البشري كله، ولأول مرة يحصل تهديد بالإبادة، إبادة الجنس أو النوع البشري كله. فإذن خطورة الواقعة تتمثل في شراسة الفيروس وسرعة انتشاره، ويمكن أن نتحدث عن ذكائه بمعنى قدرته على التحول والتحور وتغيير بعض مكوناته للتلاؤم مع الظروف الجديدة، أو مع أي سياق طبيعي أو بشري جديد أو أي معطيات تواجه الفيروس، بشهادة المختصين طبعا. هم يستعملون كلمة ذكاء ولكن يمكن أن نستعمل كلمة “ذكاء” بين مزدوجتين، بمعنى أن هذا الفيروس الذي هو حي وغير حي، هو أيضا “ذكي” ومن مظاهر ذكائه التحولات التي يعرفها في مكوناته الجينية الدخيلة، للتكيف مع المعطيات الخارجية للنيل أكثر من ضحاياه، وأيضا الشراسة التي تظهر بين الفينة والأخرى. لسنا أمام كائن ميت وجامد، لكن نحن أمام كائن متحول متحور شرس ومتغير، أو كما نقول نحن بالدارجة “حرايمي”، نسبة لشيطاني متحول. إذن هذه القدرات الرهيبة لهذا الكائن هي التي ترسم خطورته وتحدد كونه سيصبح مرجعا تاريخيا، فالبشرية ابتداء من الآن ستؤرخ لما بعد وما قبل كورونا. طبعا هذه فرضية مثبتة وبينة، لأن هذا الفيروس أولا يتهدد النوع البشري كله، وثانيا هو فيروس شرس ومتحول وذكي ويغير جلدته في كل مرة.

 

 

ـ لكن البشرية أيضا لها ذكاؤها الذي يمكن أن ينتصر كما في تجارب سابقة؟

 

 

إذا كان فيروس كورونا يهدد إيقاع تطور المجتمعات اقتصاديا وسياسيا، غير أنه في مجال التقنية سيفرض على البشرية تطوير قدراتها التقنية والمعرفية، فهو من جهة يشكك فيها وفي مدى جدواها وفعاليتها. يشكك الإنسان في نفسه، ولكنه مع ذلك يطرح تحديا على الإنسان في أن يوجد علاجا، فمثال قضية اختراع اللقاح في بضعة أشهر تعتبر سبقا في تاريخ البشرية ألن معدل إيجاد اللقاح على الأقل عشر سنوات، فإذا بالبشرية في ظل ثمانية أشهر تكتشف اللقاح، هذا هو الوجه الآخر للتحدي الذي يطرحه الفيروس. والبعض يتحدث عن مكر الفيروس، الفيروس ماكر، يتهددك بالفناء ولكن في نفس الوقت يحثك على إيجاد أساليب لمقاومته، وأيضا من السمات المميزة لهذا الفيروس هو أنه يجعل من الإنسان ضحية وفاعلا في نفس الآن. يقول المختصون إن هناك 90 مليون مصاب ومليونين من القتلى، لأن ضحاياه هم قتلى وليسوا فقط متوفين، فلذلك يجعل الإنسان ضحية له، ولكن في نفس الوقت يتطور عن طريق الإنسان، أي يستعمل الإنسان كأداة لنشر هذا الداء، هذه هي المفارقة الإنسان هنا فاعل ولكنه أيضا مفعول به.

 

 

ـ توجد البشرية في لحظة رعب وقلق يعادل ما حدث في الحربين الكونيتين معا وإن كانت أقلهما تدميرا. “وإن كنت ال تستسيغ هذا التشبيه”، لكن ما الذي جعل وطأة فيروس كورونا أكثر وقعا على البشرية؟ الوعي؟ الإعلام؟

 

 

فعلا، يمكن اعتبار الإعلام العولمي التقني المتطور مثل مكبر أو بوق يظهر الوقائع في وضوحها وشراستها وعنفها وعنفوانها. طبعا هذا الوضع لم يكن في الجوائح السابقة لأنه لم يكن هناك تطور تقني، فالتقنيات العالمية والمعلوماتية، جعلت مفعول الفيروس يبرز بشكل مضاعف. من هنا يأتي الذعر الذي أصاب البشرية، فوسائل التواصل بحكم تطوراتها التقنية، استطاعت أن تؤدي دورا ولكن هناك قسطا من المبالغة، فالحقيقة أن الرعب والذعر الذي أصاب البشرية لأول مرة في تاريخها راجع لشراسة هذا الفيروس ولتطوره ودهائه وتحايله، ولكن أيضا راجع لدور الإخبار، انظري الآن فقط مستوى المعلومات الطبية التي لدى كل فرد، فتقريبا أصبح الكل لديه خلفية من المعلومات الطبية الأساسية وهذا له فضل كبير، لأن التشخيص الطبي العلمي التقني، تغلب على أي تشخيص آخر وخاصة التشخيص الأسطوري، وربما نقول أن المؤسسات الإدارية ومنظمة الصحة العالمية والمعرفة العلمية، تحالفت كلها من أجل تطويق أي خطاب وأي تفسير آخر للفيروس وإشاعة الخطاب العلمي التقني الإداري. هذا التحالف بين المعرفة العلمية الطبية والمعرفة العلمية التقنية المتمثلة في الأدوات المتطورة هيمنت على الخطاب أو التفسير أو التشخيص العلمي التقني بتحالف مع الأجهزة الإدارية، ولذلك تم وضع الخطابات أو التفسيرات الأخرى بين قوسين.. لم يلغها ولم يدخل معها في صراع، بل تركها في عزلة، بمعنى أن الخطاب أو التشخيص العلمي التقني الطبي المتحالف مع الإدارات المحلية والعالمية، استطاع أن يكتسح المجال ويفرض نفسه كحل أو كتشخيص بمصداقية، هي مصداقية المنطق، مصداقية العقل، مصداقية التجربة، ومصداقية الأدوات… فهو لم يفرض نفسه بالكامل أو بالتحايل، سواء على المستوى المحلي بالنسبة لبلدنا أو على مستوى معظم مناطق العالم، هناك أولوية وهيمنة للخطاب أو التفسير العلمي التقني الطبي بتحالف مع الأجهزة الإدارية، ولنقل إنه خطاب يتسم بقدر كبير استعمال للتحليل العقلي والمنطقي التجريبي.

 

 

ـ بعد لحظة الاطمئنان لما اعتبرناه ملحمة مغربية في مواجهة جائحة كورونا بين مؤسسات الدولة والمواطنين، ها نحن نعود إلى نقطة الشك في النجاعة والتحكم في الوضع. وتبدو الآثار كارثية على الاقتصاد والمجتمع والدولة، فهل كانت تحليلاتنا وتقديراتنا دون مستوى الحدث أم أن الفيروس المخاتل هزم كل توقعاتنا وكان أكبر من خيالنا؟

 

كان الحدث أقوى من التوقعات وأقوى من الخيال البشري. فلأول مرة تعيش البشرية كلها وكأن كائنات فضائية تهجم على الكرة الأرضية، وهذه الكائنات مخاتلة كما قلت وغير مرئية وشرسة وفتاكة مستعملة للإنسان نفسه كأداة لنشر وبائها. في البداية استعملت كلمة واقعة، فنحن في اللغة العربية ليست لدينا كلمة بالفرنسية تقول Évènement ليس لدينا هذا الإبراز لذلك نستعمل مصطلحا آخر، الذي هو الواقعة بمعنى الجائحة في جانبها الواقعي والوقائعي ربما حتى في جانبها التخييلي. هذه الواقعة هي من الوقوع والوقائعي والإيقاع، ومن هولها ومن شراستها ومن خلخلتها للنوع البشري دوخت البشرية وشككتها في قدراتها وفي معارفها وفي وجودها على هذا الكوكب. ويجب أن تكون لنا الجرأة كي نقول إن هذه أول مرة في تاريخ البشرية نتعرض فيها لهذا الهجوم الواسع والكاسح وهذه الخلخلة التي طالت كل المجالات في الاقتصاد والسياسة والحياة اليومية، وفي التفكير والعقل والعواطف، وأود أن أقف قليلا عند جانب تفكيك الرابطة الإنسانية. لأول مرة في تاريخ البشرية تأتي جائحة وواقعة تناقض ثقافة العيش المشترك، وهنا أستسمح للعودة إلى مصطلح كان يستعمله “جان بول سارتر” الذي يقول: l‘enfer c‘est les autres الآن الجائحة تثبت العكس وتقول l’enfer c’est les autres الآخرون هم الجحيم. الآخر هو عدو محتمل، فمثال في تاريخ المسيحية في الدعوة إلى الحب ـ وفي الديانات كلها بما فيها الوثنية ـ وطبعا الإسلام كديانة قائمة في مفهومها على السالم وعلى السلم والتعاون. إذن تأتي هذه الأشياء جميعها وتشطبه كله وتعزز بدل التقارب التباعد وتشكك في التقارب في الحب وتعتبر أن الحب مفارق للطبيعة البشرية، وأنه قاتل أو شبه قاتل، وأن القبلة هي تبادل للفيروسات ونقل للعدوى. إذن هذا تشكيك في المعرفة الإنسانية والعالقات البشرية، بمعنى أنها ليست قائمة على التضامن والتعاون والمحبة، وكأنها ثقافة سابقة على الجائحة. سألتني عن ثقافة الجائحة وما بعدها، فثقافة الحب والتعاون والتعاضد وكل هذا التراث البشري الذي يعبر عنه طوق الحمامة أو مؤلفات من هذا القبيل، تشطبه الجائحة وتضع عليه عالمة ذعر.

 

 

ـ بعد انتشار الوباء، بدأ النزوع نحو توصيف التغييرات الكبرى التي ستمس الجغرافية السياسية للعالم، ومنها سقوط قوى وبروز أخرى، وتنبؤ بتغير معالم الثقافة الاستهلاكية التي كيفت سلوكنا وغرائزنا. وبعد مرور سنة، نحن الآن أمام موجة ثانية وثالثة للفيروس، فهل كنا تبشيريين نصف ما سيحدث بما نأمل ال بحقيقة ما سيقع؟ أم أن التغيير ما زال قادما وعاصفا وربما أكثر مما نجحنا في محاولة تحديد ملامحه؟

 

 

معظم المحللين والباحثين يعتبرون ما قبل ليس كما بعد كورونا، وأن هذه العاصفة ستترك آثارا وقد تركت آثارا بالفعل. الدول الكبرى توقفت وشعارات نموذج التنمية كلها تم تجميدها من قوة هذه الواقعة التي خلخلت بنيات وركائز التاريخ البشري، وعلاقة الاقتصاد والمال فتك بها فتكا، والتعافي من هذا الشلل الذي أحدثته الجائحة سيتطلب عقودا إن لم نقل قرونا. اليوم في العالم نوع من الترابط الاقتصادي والسياسي الذي نسميه العولمة، بحيث أن الخلخلة شاملة لا تحدث فقط لبلد وتترك بلدا آخر، ومن باب الطرفة والتهكم، يتحدثون عن ديمقراطية الجائحة ومنازعها نحو المساواة. وعلى كل حال، فالتعافي والتشافي ربما سيتطلب في أحسن الحالات عقودا أو قرونا وذلك بسبب عنف ما حدث وشراسته وبسبب الضحايا وبسبب الآثار التي بدأ في تركها.

 

 

ـ بدا خلال ما يعتبر مرحلة ثانية من الفيروس أننا لسنا مغربا واحدا، وكأننا أمام مغارب، مغرب يحكمه القانون ويحمي نفسه بقوة، ومغرب منسي حتى أمام وطأة الموت. كان يبدو خارج القانون ووضعه المأساوي أكبر من أي تهديد، فهل تكفي الإجراءات المتخذة وتلك التي في الطريق لمحو هذه الفوارق الساحقة كي نصبح أمام مغرب واحد لا مغارب متعددة؟

 

 

هذه الظاهرة تطال العالم كله، بحيث تفكك العالم وتفككت التحالفات وظهرت أنانية الدول وبدت التشققات والتنازعات في التجمعات البشرية، وهي مرشحة لكي تتزايد، فلذلك المغرب ليس استثناء. فالمغرب مغارب، وهناك مقولة شائعة في الحديث عن الجائحة وذلك باعتبارها كاشفا Révélateur كشف الهشاشة أساسا في العلاقات الإنسانية والاقتصادات والتحالفات السياسية. ومعناه أنها مناسبة اختبارية لكل الأنظمة البشرية، إذا اعتبرنا أن التاريخ البشري هو محاولة المجتمعات بدرجات متفاوتة في تدبير أمرها وفي تحقيق بعض مظاهر التقدم، فإن الكاشف، بمعنى الاختبار، أو الابتلاء إذا أردنا استعمال مصطلح ديني، يسرع بتعميق التشققات والتفاوتات والتباينات ومظاهر الهشاشة، وهو فاعل يعرض المجتمعات لاختبار مدى تماسكها وقوة ترابطها. فمثلا الرابطة الإنسانية لتاريخ البشرية كله مبنية على التآزر والتعاون، ويأتي الفيروس ليضربها في الصفر. أستعمل مصطلح الكشف والكاشف بالمعنى الذي تحدث عنه الفيلسوف الكبير هيدجر موران، عن العلم الحديث ككاشف واستكشافي. زد على هذا أن الفيروس يكذب ادعاءات المجتمعات وغرور الوعي البشري بذاته، ويضعها على جهاز الكشف عن الكذب، فهذه هي خطورته، في شموليته وفي عمق الكشف الذي هو فضح أيضا، فضح الرؤية والتضخيم أو اكتشاف الأسس الفضائحية لمختلف مكونات الحياة البشرية.

 

 

ـ أضحت كلمات مثل “الحرية الشخصية” و”الحياة الخاصة” و”الحميمية”، مثل مستحثات قديمة، أو كلمات عتيقة لا قيمة ولا موقع لها في العالم الذي تقترحه علينا التكنولوجيا الكبرى في مجال التواصل الرقمي زمن الجائحة. لقد امتدت السلطة إلى كل الشرايين الحية في المجتمع ودخلت تطبيقات محاصرة الوباء هواتفنا، فهل صرنا في عالم مكشوف يظهرنا عراة كما تفعل كاشفات المطارات التي نتعرى أمامها تحت بند حماية حياتنا

 

 

باسم حماية الحياة البشرية وباسم إنقاذ البشرية يتم إغراقها، وهذا ما سماه الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين “عسكرة المجتمع”.. فالسلطات عندما نزلت إلى الميدان، خارج حسن النية ومقاومة الوباء وكذا، أي سلطة لها ميل طبيعي نحو التضخم، فتأتي بعض الظروف لتيسر لها هذه النزعة المضمرة، وهذا التضخيم يعطي القيادات والإرادات المؤسسية الممتدة في المجتمع وتريد أن تعطي دوما لنفسها أولا مزيدا من السلط وثانيا مزيدا من الشرعية. فلنسمها بعض مظاهر مكر التاريخ، أنه باسم حماية الإنسانية يتم استعبادها، فهذا هو المكر: الكشف عن الإرادات المعكوسة وعن الإرادات الأنيقة كما قلت، لعسكرة الإنسانية وتحويلها إلى مجتمعات خاضعة للحجر. ومع اكتشاف هذه القدرات الهائلة لتخزين المعلومات وعلى تكوين ملفات عن الأشخاص، هناك من يعتقد أنه عن طريق الهاتف الجوال يمكن أن يمارس حريته وتوسعه الكوني وانفتاحه على العالم ولكنه في نفس الوقت يدخل في شبكة المعلومات والمراقبة والنبش في الحميمية، ولنقل أن هذا فيه كشف، كشف خبايا ما يسمى بالحميمية البشرية أو باسم الحرية على كل حال أو بمقاومة الجائحة، فالكثير من الإرادات تنفلت من عقالها.

 

 

ـ ابتدأنا كورونا بالضحك والسخرية على ما أصاب العالم، فهل ننتهي إلى البكاء بشكل تراجيدي على مسار عالم ال نعرف إلى أين يسير؟

 

 

هذا الجانب حول السخرية اهتممت أنت به كثيرا وتفوقت فيه كثيرا في تحليلاتك التي أتابعها من خلال أسبوعية “الأيام”، فهذه الفترة التي تعيشها البشرية تختلط فيها التراجيديا والبؤس والجروح والألم بالضحكات الهستيرية التي تعبر عن عمق الآلام التي تشعر بها البشرية، فهو خليط من الألم والفرح، وهو اكتشاف لذخائر الحياة، ألن البشرية كما لو أنها تكتشف منجم تفوق الحياة على نفسها، يعني ما هو حي أو حيوي، هو تجدد مظاهر الحياة La vitalité de la vie ، الحياة وحيوية، أو مظاهر انتشار وتألق الحياة وارتباط بين “الإيروس والتاناتوس” بين المحبة والموت، وهو جانب من الجوانب الكثيرة التي نجد فيها التراجيديا، والاكتشاف، والجوانب المأساوية في الحياة من حيث أنها طاقة متجددة إلى حدود القتل.

 

 

ـ اليوم ونحن تحت وطأة الخوف والرعب من الملآلات الحزينة، كيف يرسم مفكر كبير من حجمكم ما حدث وما سيحدث؟ ما الثابت والمتحول في سياق التغيرات التي أحدثها الفيروس على فكرنا وسلوكاتنا…؟

 

 

سبق وقلت لك في مرة سابقة بأنني لست منجما )يضحك) وعلى كل حال هذا لا يمنع من بعض الاستشرافات أو التطلعات. تحدثنا في لحظة سابقة من هذا الحوار عن اختبار تاريخي علمي وفني وتقني وأدبي وحياتي على كل المستويات البشرية، وهناك بصيص أمل تجلى مثلا في اكتشاف اللقاح حيث أظهر العقل البشري قدرته على تخطي مختلف التحديات واكتشاف حوالي ثالثين لقاحا من مختلف الدول، وهذا كسب للرهان، وأكيد سيغير من طبيعة هذه المعركة أو هذا المخاض أو هذه الجائحة. هذا مثال شعاع نور ينبثق من قلب هذه الجائحة أو وجه آخر لمكر التاريخ، بمعنى أنه ليس كله سوءا وانحطاطا ورداءة وفناء، بل ربما هناك بعض مكامن الحياة، ودور الباحث والمثقف هو أن يلتقط هذه الإشارات الضوئية الخافتة. ففي مجال الفلسفة عيب على بعض الفلاسفة أنهم طوروا أشكال الآلام والحزن والبؤس والبكائيات على أشكال الفرح والأمل. تشخيص البؤس مشروع ومطلوب، ولكن لا بد أيضا من التمسك بأهداب الأمل والأشعة المنيرة التي يأمل كل فرد في أن تتطور مستقبلا.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق