السلطان مولاي عبد الرحمان في شوارع وهران

واليوم، يبدو أن الجزاير هبلت حقيقة! هل يصل الأمر، السيد شنقريحة، إلى حدود أن تمنّ دولة جارة على جارتها بأنها أحجمت عن التدخل العسكري فيها خلال محاولتين لانقلاب الجيش على الشرعية؟ وما دخلكم؟ وما علاقة ما جرى في مغرب السبعينيات وما يجري اليوم في ليبيا؟

نور الدين مفتاح [email protected]

المؤشرات التصعيدية من الجارة الجزائر لا تخطئها العين. فمجرد تعيين رمطان العمامرة كوزير جديد للخارجية يؤشر على ذلك، مادام الرجل من المعروفين بحماسهم المميز في المواجهة مع المغرب. زد على ذلك كل الخرجات التي قام بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، والتي تعيد نفس الأسطوانة: المغرب دولة احتلال تحالفت مع الصهيونية وتستهدف الجزائر!!!

لقد شكلت هذه التطورات خيبة أمل كبيرة للمغاربة الذين أراد عبد المجيد تبون أن يميز بينهم وبين العرش، حين اعتبر أن قضية الصحراء قضية ملك وليست قضية شعب! وهذا هو خطأ هذه الطبقة السياسية التي تربت في أحضان الحرب الباردة وظلت بنفس النظارات التي تحجب عنها ملامسة الحقيقة، وبدون الحقيقة، لا يمكن أن نصل إلى نتيجة أو حل للأشواك التي تدمي هذا المغرب الكبير الحزين.

خيبة أملنا مصدرها نتائج الحراك الجزائري الذي تم الالتفاف عليه، وتم تقديم قرابين من داخل نفس النظام وصباغتهم بوصمة «العصابة» من طرف رئيس الأركان السابق قايد صالح رحمه الله، واستطاع الجيش مرة أخرى أن يضمن استمرار نفس النظام. ونفس النظام يعني تماماً وضع العداء للمغرب في قلب السياسة الخارجية لبلاد الأمير عبد القادر، بل وضع المغرب في قلب معادلة السياسة الداخلية الجزائرية، لأن من يتجرأ على الإعلان عن موقف متوازن من الرباط أو الحدود أو الصحراء ينتهي مشواره السياسي عملياً هناك، وهذه غريبة من غرائب الجوار.

خيبة أمل المغاربة ليست جديدة، فمع كل بارقة أمل في عودة دفء مفقود إلى العلاقات مع الجار الشرقي تأتي العواصف. في نهاية السبعينيات تحللت الجزائر من اتفاق الحدود الذي كان مجحفاً بالنسبة للمغرب وجعل وزيرا مخلصا كعبد الهادي بوطالب يتجرأ على الحسن الثاني ويستشيط غضبا لتنازلاتنا، وفي 1989 تشابكت أيادي الأمل مع الشاذلي بنجديد وتم توقيع معاهدة اتحاد المغرب العربي، ولكن الغريب أن الذي يبقى لامعا في هذا التاريخ المأساوي بيننا هو الكبوات والمؤاخذات والتي تتحول في الجزائر إلى أحقاد، للأسف.

إن هذا بالضبط هو ما كشف عنه العدد الجديد من مجلة الجيش الجزائري الذي قدم للمغاربة شهادة مجانية عن القناعات الدفينة التي تحرك القوات المسلحة للجارة ومعها سياستهم الوطنية اتجاه الرباط. وقد يحتاج الأمر، مع هذه المقالات التي كتبت بلغة متشنجة، إلى أكثر من التحليل السيكولوجي السياسي، ولكن إلى نوع جديد من التاريخ الذي يستطيع أن يمزج بين المأساة والملهاة، ليكبل الحاضر بجنون العظمة.

ما المعنى أن يعود الجيش الجزائري إلى خيانة البطل النوميدي «يوغرطة» سنة 104 قبل ميلاد المسيح ليقول إن المغاربة خونة!!؟ هل يبقى للعقل مكان لقبول ما سيأتي عندما يقدم قائد الأركان شنقريحة روايته للتاريخ بخصوص حرب الرمال لسنة 1963 أو قبلها لما يدعيه من وشاية ولي العهد المغربي بقادة جبهة التحرير سنة 1956 أو قبلها بالرجوع إلى القرن 19 واعتبار أن المولى عبد الرحمان قد خان الأمير عبد القادر سنة 1847؟

هل تستحق مثل هذه القراءة لثلاثة آلاف سنة من تاريخ المغرب أن تكون محددا للسياسات اتجاه جار في سنة 2021؟ ماذا لو طبقنا نفس المنهج – على اعتبار أن ما تدعيه مجلة الجيش صحيح – على عالم اليوم؟ هل نعود بالإسكندر المقدوني وهولاكو وكسرى والسلطان الفاتح لنلعب بهم في رقعة الشطرنج العالمية؟ وألا يدعو مثل هذا الهذيان التاريخي بلداً كالمغرب إلى الخوف من الصحة العقلية لمن يملك واحدة من أكبر الترسانات العسكرية في المنطقة؟

والأخطر من هذا أنه عندما يتلحف المغرب بالتاريخ القريب المعزز بالوثائق الدامغة بخصوص وحدته الترابية وبيعة رؤساء القبائل، وبالظهائر السلطانية لعمالة تندوف، تنتصب الجزائر كخصم لاستعمال التاريخ في المطالبة بالحقوق الترابية، ولا تنتصر إلا لمبدأ هو كالسيف بالنسبة لها، وهو احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار!! حرام علينا حلال عليكم؟! هل العودة إلى قرن قبل ميلاد المسيح يا شنقريحة منتج الآن في قضية يوجد فيها أكثر من ستين ألف مغربي رهائن لضغائن الماضي في مخيمات بئيسة ترفع علم جمهورية بنتها الجزائر حجرة حجرة ورعتها وما تزال، وهي مجرد جمهورية ذريعة لاستمرار استعمال المملكة الشريفة كورقة في السياسة الداخلية لبلادكم؟ أما زال السلطان مولاي عبد الرحمان يمشي في شوارع وهران وبجاية وبشار؟

معذرة على كثرة الأسئلة الاستفهامية أو الاستنكارية، ولكنها خيبة الأمل في كل مرّة، لأن هذا الأمل شبه المستحيل والضروري في آن، لابد له من طرفين. واليوم، يبدو أن الجزاير هبلت حقيقة! هل يصل الأمر، السيد شنقريحة، إلى حدود أن تمنّ دولة جارة على جارتها بأنها أحجمت عن التدخل العسكري فيها خلال محاولتين لانقلاب الجيش على الشرعية؟ وما دخلكم؟ وما علاقة ما جرى في مغرب السبعينيات وما يجري اليوم في ليبيا؟

إن كلام العقلاء منزه عن العبث، ووالله ما كتب في هذا العدد من هذه المجلة لهو العبث بعينه، ويؤلمنا أن تصدر هذه الشهادة لتؤكد أن علينا أن ننتظر طويلا قبل أن نجد لغة مشتركة للحوار.

يؤلمنا هذا، لأن الجزائر كما المغرب وموريطانيا وتونس وليبيا بلدان ضرورية لهذا المغرب الكبير. ولأن الحل لهذه القضية الصحراوية التي تسمم الأجواء الإقليمية لابد أن يتم مع الجزائر، والجزائر عندما تكون في مثل هذه الحالة السيكولوجية الصعبة، تعتبرنا دولة احتلال ضدا على كل قرارات الأمم المتحدة، في نفس الوقت الذي تدعو إلى احترام قرارات الأمم المتحدة؟! وتعتبر نفسها غير معنية بالنزاع في الصحراء وتكتب في نفس العدد من مجلة الجيش أنها رسمت الحدود مع الجمهورية العربية الصحراوية، ولا تخبرنا هل اعتبرت تندوف جزائرية أم صحراوية؟!! مؤلم هذا الذي وقع وهذا الذي يقع.

في فرنسا، عندما وقع بعض الجينرالات مقالا في جريدة ينبهون فيه للخطر المحدق ببلادهم، قامت القيامة واستنكر الجميع تدخل أفراد من الجيش في السياسة. والجيش في بلاد الدنيا اليوم يعتبر مؤسسة بكماء، إلا أن الأقدار جاءت بنا إلى جوار بلد للمؤسسة العسكرية فيه لسان طويل رنان، فهل الحسرة تكفي يا ترى؟ مؤلم حقيقة ما يقع.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق