رسائل زيارة حماس إلى المغرب

هؤلاء المتيمون بإسرائيل لم نسمع لهم صوتا في هذا الأسبوع، لأنهم وقفوا على حقيقة أن التطبيع المغربي لا يمكن أن يشبه لا تطبيع الإمارات ولا البحرين ولا غيرهما. وهذا تطبيع المضطر، لأن لنا مصالح وطنية حساسة ندافع عنها، ولكن دون التفريط في مبدأ الدفاع عن القضية الفلسطينية.

نور الدين مفتاح [email protected]

لم نتواصل منذ مدة طويلة. رن الهاتف، وبرز اسمه على الشاشة، فصرت أقلب التخمينات التي قطعتها بسحب الزر الأخضر: «زارتنا البركة!». تبادلنا المجاملات وبعض التأملات في فتنة الحياة التي تمنع انسياب التواصل مع الزملاء الأصدقاء، وبعدها رمى أمامي الخبر الساخن: سيكون إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحماس الفلسطينية بمعية وفد وازن من الحركة بعد غد بالمغرب، بدعوة من حزب العدالة والتنمية، ونريد دعوتك لحفل عشاء سيقام على شرف هذا الوفد خلال مقامه ببلادنا!

كل ما يمكن أن نتصوره من أفكار وهواجس دارت بي لتضعني في دائرة ذهول لا أعرف إن خففه أو زاده تأكيد مضيفي على أن حفل العشاء هذا سيكون برعاية من جلالة الملك بقصر الضيافة! بعد الضغط على الزر الأحمر، ثارت الأسئلة: حماس حماس؟ حركة حماس التي تصنف من طرف إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية على أنها حركة إرهابية تحل ضيفا على المغرب؟ حماس التي خاضت قبل أسابيع حربا بالصواريخ ضد المحتل الإسرائيلي تأتي إلى بلادنا في نفس اليوم الذي يعود فيه المكلف بمكتب الاتصال الإسرائيلي إلى الرباط في إطار اتفاق التطبيع الثلاثي؟ حماس رمز الإسلام السياسي الذي يجد الكثير من التبرم والتوجس في أوساط من الدولة تصل إلى الرباط؟ هل يمكن اعتبار هذه الزيارة حزبية أم رسمية ما دام مخاطبي كلمني عن الرعاية الملكية؟ وهل يملك أي حزب من الحرية ما يمكنه من أن يستضيف حركة تشغل العالم دون إذن أو مباركة؟

لم ينته شريط التساؤلات هنا، خصوصا مع استحضار ما سبق أن اقترفه القائم بأعمال إسرائيل بالرباط ديفيد غوفرين في 25 ماي المنصرم، عندما كتب تدوينة يعلق فيها على تهنئة سعد الدين العثماني كأمين عام لحزب العدالة والتنمية لإسماعيل هنية بـ«الانتصار الذي حققه الشعب الفلسطيني» مع تجديد الموقف المبدئي الراسخ والثابت في دعم القضية الفلسطينية. قال غوفرين: «أثارني تصريح رئيس الحكومة سعد الدين العثماني الذي أيّد وهنأ تنظيمي حماس والجهاد الإسلامي الإرهابيين المدعومين من إيران». وزاد: «من يدعم حلفاء إيران يقوي نفوذها الإقليمي. أليس دعم إيران التي تزرع الدمار في دول عربية، وتؤيد جبهة البوليساريو، مناقض لمصلحة المغرب وللدول العربية المعتدلة؟».

مرت 24 ساعة على هذه المكالمة قبل أن يعلن العثماني باقتضاب عن الزيارة الحماسية في تغريدة لم تثر إلا صمت الذهول بدل سجال حول موضوع جلل. حتى من لم تكن عندهم معطيات حول طبيعة هذه الزيارة وعلاقتها بالدولة ظلوا متريثين، والسبب وجيه، فلا يمكن لقيادة حركة لها جناح عسكري خرج للتو من حرب مع دولة مرعية من طرف الولايات المتحدة الأمريكية أن تتحرك، وخصوصا أمنيا، إلا بإمكانيات حماية لا تتوفر إلا للدول، أما من الناحية السياسية فقد يكون أمر رعاية الدولة للزيارة تحصيل حاصل.

نزل هنية ومن معه بالرباط في إطار استقبال حزبي محض، ولكن الوفد انتقل من المطار إلى مقر رئاسة الحكومة، وكانت هذه هي الإشارة الأولى في هذا المسلسل الذي بدأ مثيرا للتساؤلات، ورويداً رويداً أصبح مثيرا للإعجاب بمهارة الإخراج ودقة الترتيب السياسي.

في كلمة هنية بحضور قيادات من حزب العدالة والتنمية وبضعة صحافيين، تحدث الضيف عن الرعاية الملكية للزيارة، فترسمت هذه المعادلة المغربيّة العجيبة في التعامل مع القضية الفلسطينية، وما عدا هذا أصبح على هامش الهامش.

صباح يوم الخميس، في حدود منتصف النهار، سيعاود صديقي الاتصال ليخبرني أن حضور العشاء لابد له من تحليلة خاصة بالكوفيد 19 وأن هذه التحليلة لا تقبل من المختبرات العادية، ولابد من إجرائها لدى جهة رسمية وسيتصل بي من يرتب معي الأمر من الدار البيضاء. بعد فترة، اتصل ضابط من الدرك الملكي ليخبرني بأن هذه التحليلة تجرى في الرباط فقط، وللأسف كانت المدة المتبقية لا تسعف، وتواصلنا للاعتذار. وهذه تفصيلة لا تهم شخصي، ولكنها هي التفسير التطبيقي للرعاية الملكية التي تحدث عنها هنية. لم تصور التلفزة المغربية أيا من نشاطات وفد حماس إلا هذا العشاء، ومرت الرسالة، وأصبحت الأجوبة تسعف.

لا أستغرب حقيقة إلا من أولئك الذين يؤولون إعادة العلاقات المغربية الإسرائيلية في إطار الاتفاق الثلاثي على أنها احتفاء بدولة الاحتلال ونوع من التكريم لليهود الإسرائيليين من أصل مغربي وكفر بهؤلاء العرب المشرقيين المتلونين والفلسطينيين المنقسمين والمنهزمين. هؤلاء المتيمون بإسرائيل لم نسمع لهم صوتا في هذا الأسبوع، لأنهم وقفوا على حقيقة أن التطبيع المغربي لا يمكن أن يشبه لا تطبيع الإمارات ولا البحرين ولا غيرهما. وهذا تطبيع المضطر، لأن لنا مصالح وطنية حساسة ندافع عنها، ولكن دون التفريط في مبدأ الدفاع عن القضية الفلسطينية. فما الذي جرى حتى استقبلت مملكة محمد السادس حركة حماس؟

لقد قال المغرب إنه سيكون أصلح للسلام والفلسطينيين والقضية إذا كان في وضع المتصل مع دولة الاحتلال. نفتح مكتب الاتصال ونفك طوق العزلة عربيا على إسرائيل مقابل تقدمها خطوات معتبرة نحو حل الدولتين والقدس الشرقية للفلسطينيين. إلا أن ما أقدمت عليه حكومة نتنياهو باقتحامها للمسجد الأقصى ومحاولتها إخراج سكان حي الشيخ جراح من بيوتهم لإعطائها للمستوطنين في أفق الاستحواذ على المنافذ الاستراتيجية للأماكن المقدسة كان طعنة للمغرب، وخيبة أمل للمملكة التي يترأس عاهلها لجنة القدس.

هذه المملكة التي خرجت فيها أضخم المسيرات من أجل فلسطين، والتي أغلق فيها الملك مكتب الاتصال الإسرائيلي في سنة 2000 بسبب قمع الانتفاضة الثانية، كيف يمكن أن تكون أفيد للقضية الفلسطينية وحكومة الاحتلال الصهيوني تعود إلى غطرستها وتواصل مخطط تهويد القدس؟ من هذا المنطلق كتبنا حينها في غلافنا أن الجريمة الصهيونية تجعل التطبيع المغربي قاب قوسين أو أدنى. إلا أن تعقيدات الاتفاقية الثلاثية، وقصر مدة الحرب في غزة، والانتصار الفلسطيني فيها جعل التقديرات تختلف، دون أن تنسى الدولة المغربية هذه الإهانة التي تعرضت لها من طرف سيء الذكر غير المأسوف عليه بنيامين نتنياهو.

من هنا، أعتقد أن الرد المغربي السيادي الواضح والصارم واللبق في آن كان هو الاحتفاء بإسماعيل هنية وأعضاء مكتبه السياسي بعاصمة المملكة الشريفة. هي رسالة جوابية صريحة لمن تكلم باسمهم المدعو ديفيد غوفرين وهو يعطينا الدروس في الجيوبوليتيك ومع من يجب أن نتعامل وكيف نقيم علاقاتنا مع إيران وغيرها. هذه الوقاحة وما وراءها هي ما ردت عليه المملكة بضربة معلم، في إطار توازن خلاق أفحم كذلك محبي إسرائيل هنا الذين تبعثرت أوراقهم وابتلعوا ألسنتهم، وهذه الرسالة في تقدير العبد الضعيف لله ليست لتصفية حساب ما مضى ومن مضى، ولكنها رسالة أيضا لمن جاء ولما سيأتي ما دامت هذه الحكومات الإسرائيلية لا تتنافس إلا على من يكون أكثر تطرفا وأكثر دموية. وهي رسالة أيضا لهذه الولايات المتحدة الأمريكية التي تتعبنا بالتسويف والغموض في التزامها بالاتفاق الثلاثي، وفي تلكؤ الإدارة الجديدة لتنزيل الاعتراف بمغربية الصحراء على أرض الواقع.

وعموما، وحسب فهمي المتواضع، فإن المغرب إذا لم يكن بالتطبيع سيغدو أفيد للقضيتين الوطنية والفلسطينية، فإن تمزيق هذا الاتفاق سيكون خيار الشجعان، ولا شيء أثقل في الميزان من الجبهة الداخلية وهي مع القضية الوطنية والقضية الفلسطينية.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق