•   تابعونا على :

التطرُّف المالي…!!

أبوزيديات
بقلم ادريس ابو زيد
في الجمعة 06 فبراير 2015

"Thomas Piketty"، هذا الاقتصادي الفرنسي الشاب، الذي أصبح مثار اهتمام كبير، وجرّ نقاشات قوية في منابر عديدة، ولعلها أول مرة يصبح فيها باحث في علم الاقتصاد مثار اهتمام جماهيري كبير، فكتابه "رأس المال في القرن الحادي والعشرين" حقق مبيعات خيالية رغم أنه كتاب أكاديمي متخصص، ويكفي أن نذكر أن طبعته الأولى المترجمة إلى الإنجليزية نفدت بعد أيام قليلة من إصداره، كما أن المجلة البريطانية الذائعة الصيت اعتبرته أهم كتاب في الاقتصاد في العشر سنوات الأخيرة، هذا الباحث الاقتصادي الذي سلخ من عمره عشر سنوات من البحث والتقصِّي العلمي حول هذا التفاوت الجنوني للثروات، وحول مصداقية النظريات الاقتصادية الليبرالية التي روجت لنظرية تقول إن تدفق الاستثمارات وتكديس  الثروات من شأنه أن يرفع كل الزوارق والقوارب، وهذا معناه أن السوق المفتوحة للمال والثروات سيستفيد منها الجميع، أو كما يقول كبار الليبراليين: إن رجال الأعمال أفيد للمجتمع بفضل ثروتهم من ملايين الفقراء الذين يتحولون بفعل كسلهم وجهلهم إلى عالة على الدولة في أكلهم وصحتهم وتعليم أبنائهم، كما أن فاحش الغنى والثراء والفقير المعوز كلاهما يستحق وضعه، ولا مجال للمقارنة بين مجتهد وكسول، ولا مكان لتعميم الإعالة باسم العدالة، بمعنى أن إعالة الفقراء من شأنها أن تعطي جيشا من الاتكاليين..!!

بحث هذا الاقتصادي المثير للاهتمام في هذا التطرف المالي الذي يعيشه العالم، فتقرير التنمية البشرية يقول إن أغنى 85 شخصا في العالم، وأغلبهم من أوربا الغربية وأمريكا، يستحوذون وحدهم على ثروة تعادل ما يملكه ثلاثة ملايير ونصف مليار شخص من الأشد فقرا في العالم، أين هذه القوارب التي ستحملها هذه الثروة المالية، ما دام نصف العالم غارق في فقره لينعم 85 شخصا بمال وثروة تفوق الخيال؟ أتصدقون أن قرابة نصف سكان الأرض كسالى وأغبياء ويستحقون الغرق؟ يقول هذا الباحث إن دخل مائة أغنى ملياردير في العالم سيكفي لإنهاء الفقر المطلق وإلى الأبد في العالم، كما يضيف أن الفوائد على رأس المال هي ما بين 4٪ و5٪ بينما النمو الاقتصادي في الدول الأوربية يتراوح بين واحد و2٪، معنى هذا أن الأثرياء يجنون من أموالهم فوائد أكثر من كل الطبقات الأخرى، وهكذا تصبح فئة أقلويّة من الأثرياء تزداد ثرواتهم في غياب أي جهد أو اجتهاد أو ذكاء كما يدعون، فالمتهم بالكسل هنا الأغنياء لا الفقراء الذين بلغ الاجتهاد ببعضهم أن يغضَّ الطرف عن عرضه وكرامته وما أفاد ولا استفاد ولا عاش بلقمة سهلة الهضم، وكما يقول هذا الباحث فهؤلاء الأثرياء يقرضون الدولة عبر سندات الخزينة، أي أنهم يقرضون شعوبهم ومجتمعاتهم، وهكذا يتم الاقتطاع من دخل المجتمع لتمويل هؤلاء الأثرياء..!! ونسأل: أليس "بوكو حرام" أن يكون هذا "البوكو مال" عند هذه القلة القليلة فقط..!!

يقول "طوماس بيكيتي"، إذا استمر هذا التطرف المالي على ما هو عليه فسيعيدنا إلى القرن التاسع عشر والقرن العشرين، حيث تركز المال عند فئة قليلة جدا، وكان الوصول إلى الثراء والغنى يتم فقط عبر الميراث أو المصاهرة والشراكات والعلاقات التي يمكن أن تدخلك إلى النادي المغلق للنخبة الرأسمالية، وهو ما عبّر عنه الروائي الفرنسي "بلزاك" في روايته "الأب غوريو"، حيث يقول بطل الرواية لآخر بأنه مهما برع في مجاله ونجح وترقّى في المؤسسات القانونية لن ينال في حياته دخلا يوازي ما يؤمنه ويضمنه الزواج من امرأة أرستقراطية صاحبة ميراث، هذا والباحث يتكلم عن نادي الأغنياء في أوربا المفتوح نسبيا لهكذا زواج، أما في حالة المغرب وما شابه فنادي الأغنياء مغلق في ماله وبورصته وزواجه..!! يقول الباحث إن أوربا بعد الحربين العالميتين والنمو الاستثنائي في عدد السكان والاقتصاد والذي استمر ثلاثين سنة والتي أطلق عليها الفرنسيون الثلاثين المجيدة والتي عملت على إنعاش طبقة العمال وساهمت في توسيع الطبقة الوسطى نتيجة مجهود الإعمار بعد الخراب الذي خلفته الحرب، عاد الرأسمال وعادت الثروة لتتركز في يد قلة قليلة، وبدأت الطبقة الوسطى في التلاشي، ومادام رأس المال المستثمر في الأسواق والبورصات والبنوك أعلى دائما من معدل النمو الاقتصادي للدول، ومن هنا فإن الأولوية لن تكون للرأسمال المنتج والذي يشكل العمل مصدره، ومن ثم فإن السوق الحر في دول الرفاه الأوربية لن يصل أبدا إلى تضييق الهوة الكبيرة التي تفصل بين الأغنياء والفقراء، ولن يحقق أبدا حلم الثراء لمليارات الفقراء..!!

كما يشير هذا العالم الاقتصادي إلى أن أوربا دخلت القرن العشرين وهي تسيطر على نسبة ضخمة من الإنتاج العالمي والأصول المالية والصناعية، وهي حالة لا يمكن أن تستمر إلا بالاستعمار المباشر، وهو وضع لا يمكن القيام به اليوم، بالإضافة إلى صعود دول أسيوية تنافس بندية وشراسة أغلب المنتجات التي كانت تحتكرها أوربا، بل إن أوربا لم تعد تحتكر سوى صناعة محركات الطائرات وبعض أجزاء صناعة الطاقة، ويخلص هذا الباحث بذكاء عقلاني لا نستغربه من حفدة "ديكارت" ليقول: لم يعد من مبرر أن يكون راتب المهندس الفرنسي ستة أضعاف راتس المهندس الصيني..!!

كتاب هذا الباحث من 600 صفحة، وهي في الواقع 600 صفعة لهذه الرأسمالية البشعة، ومن طرائف هذا الكاتب أنه قال في كتابه إن زيادة العمر المتوقعة للإنسان في أوربا ستؤدي إلى تركيز الثروة بين أيدي كبار السن من ملاكي رؤوس الأموال، في حين أن الشباب الذي لا يملك غير قوة العمل سيجد نفسه خارج العمل والثروة معا، وهكذا سيحل صراع الأجيال محل صراع الطبقات، مما سيؤزم الوضع أكثر، وطرفته الأغرب هي قوله إن الفرنسيين سيجدون أنفسهم بين عام 2025 و2050 وهم يدفعون إيجاراً للعقارات التي ستذهب نسبة كبيرة منها إلى أمير "قطر" الذي حول الريع النفطي إلى أصول رأسمالية في العقار في الدول الرأسمالية، وهذه الأموال لن تدخل في الدورة الاقتصادية الأوربية ما دامت قد أصبحت ريعا ماليا أجنبيا ما دام المحتكر لها قطريا..!! ونحن هنا نطمئن الباحث الاقتصادي الفرنسي ونقول له ما دامت دول عربية كبيرة كالعراق وسوريا تتفتت وتتشرذم فكيف نصدق أن دولا صغيرة جدا ستبقى إلى سنة 2050، كما أن الأصول التي لا تبحث عن أصول لا مستقبل لها..!!

هذا الاقتصادي الفرنسي النجيب اقترح حلولا لإنقاذ الرأسمالية، أهمها فرض ضرائب على أصحاب الثروات، والعمل على إقامة نظام اقتصادي رأسمالي مراقب من طرف الدولة. وأمام هذا الاكتساح الذي حققه هذا الباحث عند القارئ الأمريكي فقد اتهمه كثير من الكتاب والمتخصصين في كبريات الجرائد الأمريكية وقنوات التلفزة بأنه "ماركسي" التوجه وأن عنوان الكتاب استوحاه من كتاب "رأس المال" لماركس، بل نقبوا وفتشوا في تاريخ هذا الباحث فوجدوا أن أباه كان "تروتسكيا" وشارك في ثورة الشباب عام 1968 بفرنسا وأصيب بخيبة من عدم نجاح الثورة ورحل من باريس إلى جنوب فرنسا في مزرعة صغيرة يزرع فيها ويربي الأغنام، كما نحن نحمد الله أن ثوارنا القدامى لم يصابوا بخيبة ولا اعتزلوا ولا ربوا جيلا ولا أغناما، والمهم أن هذا الباحث الفرنسي أجاب منتقديه بأنه ليس ثوريا ولا ماركسيا، بل لم يقرأ أصلا كتاب "ماركس"، ويعتبر نفسه رأسماليا أصيلا يريد إصلاح الرأسمالية من داخلها ويريد إنقاذ الرأسمالية من نفسها..!! أما نحن الذين نملك أوضاعا اقتصادية يعتبر المطر هو المؤثر الأول فيها، لا أتصور أن هذا الكتاب الضجة يعنيها في شيء..!! اللهم اسق عبادك وبهيمتك..!!

يبقى فقط أن أقول: إن أجمل العزاء أمام هذا التطرف المالي هو ما قاله سيد الشعراء "طرفة بن العبد":

 

أرى قَبْر نحّام بخيل بمالِهِ

         كَقَبْر غوِيٍّ في البطالة مُفْسدِ

 

نعم يا طرفة لا فرق بين القبور حتى وإن كانت من ذوات الخمس نجوم…!!

وكل مال وأنتم………………!!

تعليقات الزوار ()