هل يمكن أن ينجح المغرب بدون أدمغته التي تنتشر في العالم؟

  • رضوان مبشور

في التقرير الذي قدمه، قبل أيام ، السيد شكيب بنموسى أمام الملك، والمتعلق بالنموذج التنموي الجديد الذي يعتبر خارطة طريق الحكومات المقبلة لرسم معالم المستقبل، طفت الكثير من الأسئلة على السطح: هل يمكن أن ننجح في تنزيل هذا المخطط الجديد بنفس النخب والكفاءات التي دبرت المرحلة السابقة؟ أم أننا في حاجة إلى عقليات جديدة لتحقيق نتائج مختلفة بعيدا عن عثرات الماضي وكبواته؟

في هذا الصدد، نستحضر ما نشرناه في غلاف العدد 947 لأسبوعية “الأيام” لوكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA)، من تقرير تستشرف فيه معالم عالم 2035، ويمكن أن نقرأ في أحد أقوى فقراته ما يلي: “…الأزمات سوف تكون مسبوقة بمرحلة نمو وازدهار، وسوف يكون هناك أمل في إنقاذ ما يمكن إنقاذه في مختلف المناطق. وبعد انهيار سوق الشغل، ستمثل الاختراعات التكنولوجية ورقة رابحة لإعادة إنعاش الاقتصاد العالمي. وسنشهد ولادة عالم جديد، يتحد فيه الإنسان مع الآلة. وفي المقابل، لن تنجح كل الدول في تخطي هذه المرحلة، وحدها الدول التي راهنت على التطور التكنولوجي وحافظت على بقاء أدمغتها داخل أراضيها، ستنجح في ذلك”.

مربط الفرس في ما استنبطناه من التقرير الاستشرافي لـ CIA، هو المتعلق بأن “الدول التي راهنت على التطور التكنولوجي وحافظت على بقاء أدمغتها داخل أراضيها هي التي ستنجح”.

ولذلك قررنا أن نستمع لعدد من الأدمغة المغربية التي هاجرت إلى الخارج حيث تصنع التألق في كبريات الجامعات والمختبرات العالمية، وهم يتحدثون لـ”الأيام” عن شروط الرجوع إلى وطنهم، حيث أن القاسم المشترك بينهم جميعا هو رغبتهم الأكيدة في العودة إلى الوطن، لكن في أي بيئة؟ وبأية أهداف؟ وبأي طموح؟ وفي أي سياق؟

هجرة الأدمغة المغربية.. أرقام ناطقة

الآلاف من الكفاءات المغربية هاجرت إلى الخارج، وكثير ممن بقي منها في بلاده يبحث عن الفرصة للرحيل. من المؤكد أن الوضع يستفحل بشكل أكبر مع توالي السنوات، وهذا ما يمكن أن نتأكد منه عندما نرجع إلى تصريح سابق لوزير التربية الوطنية والتعليم العالي سعيد أمزازي، الذي اعترف قبل أشهر، أن أكثر من 600 مهندس مغربي، يغادرون بلدهم كل عام، وهو ما يعادل بحسبه، رقم جميع خريجي 4 مدارس عليا للهندسة في المغرب في عام واحد!

هذا بخصوص المهندسين، لكن ماذا عن الأطباء، فهم بدورهم يهاجرون سنويا بالآلاف، ولندقق الأرقام، تعالوا نلقي نظرة على دراسة فرنسية، بينت أن عدد الأطباء ممن يشتغلون في فرنسا والمولودين في المغرب، يصل عددهم إلى 6150 طبيبا.

الطامة الكبرى ليست الأرقام التي كشفنا عنها، بل ما نشرته قبل أشهر دراسة حديثه نشرها موقع «rekrute» الشهير، المتخصص في مجال التشغيل، حول المغاربة أصحاب الشهادات العليا، والذي كشف أن 91 في المائة من الحاصلين على شهادات عليا في المغرب، يرغبون في الهجرة للعمل إلى الخارج، 37 في المائة منهم يفضلون كندا، و25 في المائة يفضلون فرنسا، و12 في المائة يرغبون في الهجرة إلى ألمانيا، رغم أن غالبيتهم الساحقة يشتغلون في المغرب، ومنهم من يتلقون أجورا محترمة.

الدراسة ذاتها كشفت أيضا أن 74 في المائة من الكفاءات المهاجرة ترغب في يوم من الأيام في العودة إلى المغرب، بينما قال 44 في المائة من غير المهاجرين إنهم يفضلون البقاء في بلدان الهجرة مدى الحياة.

من هم أشهر أدمغة المغرب ؟

من الصعب جدا أن نقوم بحصر الأدمغة المغربية بالخارج، فعددهم يقدر بالمئات، في الوقت الذي يصل فيه عدد الكفاءات المنتشرة في مختلف القارات إلى عشرات الآلاف.

على رأس هؤلاء العلماء المغاربة، نجد العالمة لطيفة الودغيري، التي تعد من أبرز علماء الفيزياء النووية في الولايات المتحدة الأمريكية، التي درست الفيزياء النظرية في المغرب في جامعة محمد الخامس، ثم توجهت بعد ذلك إلى فرنسا، حيث نالت الدكتوراه في الفيزياء عام 1991 من جامعة بليز باسكال، ثم حطت الرحال بالولايات المتحدة لتدشن مسارها البحثي في جامعة شيكاغو.

ومن بين الأدمغة كذلك إلهام القادري، ابنة مدينة الدار البيضاء، التي نشأت في المغرب، وهاجرت إلى فرنسا لمتابعة دراساتها العليا، وهناك نالت الدكتوراه في الكيمياء الفيزيائية، لتطير بعد ذلك صوب الولايات المتحدة الأمريكية لتشتغل في العديد من الشركات الأمريكية، بمناصب متعددة، آخرها رئاستها لمجموعة «ديفرسي» للتكنولوجيات.

وفي علم الحفريات، نجد نزار إبراهيم، وهو حفيد عبد الله ابراهيم، أول رئيس حكومة مغربية بعد الاستقلال، الذي ولد في ألمانيا سنة 1982، والحاصل على دكتوراه في علم المتحجرات من كلية «دبلن» بإيرلندا، وخاض بعد ذلك تجربة ما بعد الدكتوراه في علم التشريح والمعلوماتية الحيوية بجامعة شيكاغو الأمريكية. ومن أبرز العلماء المغاربة بأمريكا نجد كذلك كمال الودغيري، ابن مدينة فاس، الذي يشتغل حاليا بوكالة الفضاء الدولية «ناسا»، والذي لعب دورا رئيسا في العديد من المهمات الفضائية إلى كواكب المريخ وزحل والمشتري. كما نجد عبد الجبار المنيرة، ابن مدينة الرباط الذي درس بجامعة محمد الخامس، قبل أن يهاجر لفرنسا ليحصل على دكتوراه في علم الأعصاب، وهو اليوم يدير مختبر بيولوجيا الأعصاب بالسويد، علما أنه كان عضوا في اللجنة العلمية المانحة لجوائز نوبل منذ عام 2015.

وفي وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» نجد العديد من الأدمغة المغربية على غرار سلوى رشدان، وأسماء بوجيبار. وآخرون في مختلف المجالات، على غرار منصف السلاوي الذي اختاره قبل سنة من الآن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ليقود فريقا كبيرا لاكتشاف لقاح لفيروس «كورونا»، وعلماء آخرون من قبل المتخصصة في «النانوتكنلوجي» كوثر بوبكار، التي حاورناها في العدد السابق من الجريدة. وعلماء مرموقون سنستمع إليهم في هذا الملف، وهم يحكون لنا مسيراتهم ويتحدثون لنا عن الأسباب التي جعلتهم يهاجرون من بلدهم، وعن شروطهم للعودة، وعلى رأسهم العالم رشيد اليزمي مخترع بطاريات الليثيوم القابلة لإعادة الشحن، والعالم المغربي المتخصص في «النانوتكنولوجي» سعيد حمديوي المقيم في هولندا، وعالمة الفيزياء النووية كوثر حفيظي التي ترأس أكبر مختبر أمريكي في الفيزياء النووية، وعبد الواحد الصمدي مطور دواء الباركينسون والزهايمر، وسمير ماشور نائب رئيس مجموعة «سامسونغ بايولوجيك»، والدكتور محسن بلحوز طبيب المنتخب الإماراتي المتخصص في إصابات الملاعب.

  • بروفايلات أدمغة مغربية وآراؤها ننشرها في سلسلة حلقات لاحقا..
مقالات مرتبطة :

اترك تعليق