هوامش على أحاديث الرئيس عبد المجيد تبون

لا يمكن أن تحتقر شعبا كاملا بقواته المسلحة وهو يدافع عن وحدته الترابية بهكذا ادعاءات. نحن لا نسعى للحرب لأنها دمار للجميع في غرب المتوسط الهادئ لحد الآن، فيكفينا شرق المتوسط المشتعل. ولكن، كل شيء ناطق في الميدان.

نور الدين مفتاح [email protected]

هوامش على أحاديث الرئيس عبد المجيد تبون

ليس فقط على المستوى العالي في طابق رموز سيادة الدول، ولكن، وفي كل طوابق العلاقات، أميل إلى الترفع، وعدم وضع الشراسة في موازين القوى، وإلى الاعتقاد في أن قوة الحق أكبر من الحق في القوة. ولهذا أعتبر أن الرد على خصوم المغرب، وعلى رأسهم الجزائر، لا يمكن أبدا أن يكون من مستوى ما يتفوهون به، أو من مستوى ما يقومون به. ولا أعتبر أن سبّ أو شتم رئيس دولة الجزائر عبد المجيد تبون، هو جواب من مستوى ما يمثله المغرب، بموقعه وبقضيته الأولى التي تدور حولها هذه المعركة بين جارين متباعدين.

رأيي أنه لا يليق بمن يحترم نفسه أن يعيّر رئيس دولة بأذنيه أو باسمه، وربطه تلميحا أو تصريحا بالأعضاء التناسلية بمفهومها القدحي في اللسان الدارج المغربي، أو بمرضه.

نحن نتواجه مع خصم عنيد سياسيا وحتى عسكريا، والمغرب بكل مؤسساته وقواه الحية قادر على المواجهة، وأما أن ننزلق إلى الشتم فهذا مجرد سقوط في الفخ.

الرئيس الجزائري السيد عبد المجيد تبون أعطى، خلال أسبوع واحد، حوارين مطولين لوسيلتين إعلاميتين دوليتين وازنتين وهما مجلة «لوبوان» الفرنسية وقناة «الجزيرة» القطرية. وقد كشف الرئيس لأول مرة عن عمق مواقفه اتجاه المغرب وقضية الصحراء، ويمكن أن نلخص ذلك في كون قضية الصحراء هي قضية نظام وليست قضية شعب مغربي! وأنه يميز بين الملكية والشعب، وأن الحل الوحيد للقضية هو الاستفتاء الذي يخاف منه النظام، لأن سكان الصحراء حتى من غير الصحراويين «لا يريدون أن يكونوا رعايا للملك»! وأن مشكل الصحراء هو محاولة إعطاء «أرض وشعب للملك»، وأن المغرب لا يمكن أن يقدم على الحرب مع الجزائر لأن «موازين القوى ليست في صالحه»، وأنه لا يمكن فتح الحدود البرية بين البلدين لأن الجزائر تتعرض لاعتداءات يومية من طرف المغرب.

هذا كلام قاس من طرف رئيس دولة كان عليه احترام النظام الذي اختاره شعب دولة جارة، إلا أن ما قام به يبقى هجوما سياسيا لابد له من رد سياسي. إن التجاهل الرسمي لهذه الحملة الجزائرية الإعلامية لن يكون في محله، فها نحن نكتب من محبرة قناعاتنا كما فعلنا منذ ثلاثة عقود، ولكن، نحن مجرد مواطنين في واجهة الإعلام، وعلى الرأي العام الذي استمع إلى الرئيس عبد المجيد تبون، أن يسمع من الدولة المغربية حقيقة الموضوع وتفاصيل القضية.

إن الغموض والالتباس وتداخل المواضيع يشوش على رأي عام دولي هو فاعل رئيسي في اتخاذ القرار، وإذا كنا قد فتحنا أكثر من جبهة مواجهة في وقت واحد، فهذا يتطلب مجهودا كبيرا لتجنب فخاخ الخصوم، ولا يحتاج الأمر إلى جهد كبير للربط بين خرجات الرئيس الجزائري، وبين ما جرى لنا مع إسبانيا بكل تداخلاته وتعقيداته. نحن نتصدى لحجرة واحدة رميت في المتوسط، ولكن ترددات الفعل ورد الفعل تتجاوز الجميع أحيانا، ولكن نحن لسنا هم الجميع. نحن أصحاب القضية التي تبحث عن حل نهائي، رغم أننا في صحرائنا كما نقول.

ومن الآثار الجانبية لأزمتنا مع إسبانيا، أنها تحولت من قضية زعيم انفصاليين دخل بهوية مزورة وهو مطلوب للعدالة، إلى قضية هجرة، ثم إلى قضية عودة جزائرية مكشوفة للهجوم الديبلوماسي والسياسي في ذات القضية. وكانت صورة هذه العودة الفاضحة هي زيارة الرئيس تبون ورئيس الأركان الجينرال شنقريحة لزعيم البوليساريو بالمستشفى عقب عودته من إسبانيا إلى الجزائر، والترويج للزيارة إعلاميا، وتوجيه رسائل لمن يهمه الأمر من خلالها.

السيد الرئيس يحاول أن يفصل بين الملك والشعب، وهذا جهل بالواقع والتاريخ، فالملكية الدستورية لها شرعيات وليست واحدة، وحتى عندما كانت هذه الملكية بين قوسي الاعتداء الاستعماري في المنفى، رفض الوطنيون مساومة الاستقلال بالتخلي عن النظام الملكي، ولا أحد اليوم ينازع في الملكية، وهذا شأن المغاربة وليس شأن الجزائر. وأما في علاقة الملكية أو الملك بالصحراء، فمشكلة الرئيس تبون أنه يقوم بإسقاط ما هو موجود في الجزائر على المغرب، فقضية الصحراء، بحق، ليست قضية للشعب الجزائري، بل قضية نظام هناك، ولكن في المغرب، هذه قضية تراب وطني تجمع الملك والشعب في الذود عن حوزة الوطن بكل أقاليمه من الشمال إلى أقصى الجنوب، وقد يقع هناك اختلاف حول التدبير، ولكن المبدأ لا خلاف فيه. ومن المفارقات أن نجد القوى الحية أحيانا أكثر تطرفا في تقدير الموقف من تدبير القضية، كما جرى مع الراحل عبد الرحيم بوعبيد وبعض إخوانه عندما عبروا عن رفض الاستفتاء الذي قبله الحسن الثاني في الثمانينيات فسجنوا.

وهذا الاستفتاء الذي يتحدث عنه السيد الرئيس كطريق سحري لحل قضية الصحراء، وينبئنا بنتيجته في حالة إجرائه، لابد أن نسأله عمن عرقله منذ أن قبل به الراحل الحسن الثاني؟ لقد كانت هناك لجان لتحديد الهوية، ولم تكن الجزائر لتسمح من خلال البوليساريو لكل الصحراويين بالمشاركة في تقرير المصير، وقد وقفت الأمم المتحدة على أن اللجان قبلت مثلا بالأب ورفضت الابن، وقبلت الأم ورفضت البنت، ووصل عدد الطعون إلى ما يفوق المائة ألف مما جعل عملية الاستفتاء مستحيلة.

فكيف يكذب الرئيس المحترم عبد المجيد تبون، ويقول إن الاستفتاء يمكن أن يشمل كل المقيمين بالصحراء من غير الصحراويين، وإذا شملهم سيصوتون ضد بلادهم لمعاقبة نظامهم؟!

وعندما يقول السيد الرئيس إن الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء لا قيمة له لأن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تكتب القرارات الأممية، فلنا أن نسأله بالمقابل ماذا لو اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية مثلا بالجمهورية العربية الصحراوية المعلنة من طرف واحد؟ نعم ستظل القضية في الأمم المتحدة، ولكن المنعطف من الناحية السياسية سيكون بالنسبة لهم تاريخيا. وإذا كان الاعتراف بالسيادة غير مهم، فلماذا تخوض حربه الجزائر والبوليساريو طيلة عقود؟ وأما أن الولايات المتحدة الأمريكية هي حاملة القلم في مجلس الأمن بخصوص قضية الصحراء، فهذه حجة لنا لأن هذا القلم هو الذي يكتب منذ 2007 بأن مخطط الحكم الذاتي ذو مصداقية وواقعي وقابل للتطبيق، وهو الذي يتحدث عن الحل السياسي المتوافق عليه بين الأطراف.

لقد قررت الأمم المتحدة من خلال مجلس الأمن، ومنذ ولاية الأمين العام كوفي أنان، أن ندخل إلى مرحلة «تقرير المصير التوافقي» لوقوف المنتظم الأممي على استحالة تطبيق الحل الاستفتائي. وقد اجتهد المغرب، ملكا وشعبا، في محاولة إيجاد حل «لا غالب ولا مغلوب»، وبتدخل من دول عظمى صديقة سعت إلى إنهاء هذا النزاع المؤلم والمنهك للجميع. ولكن لا أحد كان يتصور، السيد الرئيس المحترم، أن يكون رد فعل الجزائر هو هذا التعنت الذي يرهن المغرب الكبير ويرهن أحلام شعوبه في التقدم والازدهار.

لم تريدوا الحل الوسط الذي قدم من خلاله المغرب تنازلات حول أرضه، فما هو الحل الجزائري؟ إنه واضح في الأرض. إدامة النزاع، والاستفزاز الدائم، وجعل قضية معاكسة المغرب أولوية في السياسة الخارجية، والجنوح إلى التصعيد الذي وصل في نونبر 2020 إلى حدود تمزيق اتفاق وقف إطلاق النار، ونحن عمليا اليوم على الورق في حالة حرب مع جماعة تسلحها الجزائر وتأويها الجزائر، ويقول الرئيس إن ما بين بلدينا هو مجرد «تفاحة» خلافات وليس حالة حرب، وهذا غير صحيح، فنحن في حالة حرب موقوفة التنفيذ. ويقول الرئيس إن المغرب لن يتجرأ على إشعالها نظرا لموازين القوى، وهذا يشبه ما يجري في الندوة الصحافية التي تسبق مباراة للملاكمة، فكل ملاكم يثور أمام الكاميرات مستعرضا ممتلكاته العضلية، ولكن النتيجة لا تحتسب لمن يصرخ أكثر، أو ينفخ صدره أكثر، ولكن تكون في الحلبة وعبر الجولات.

لا يمكن أن تحتقر شعبا كاملا بقواته المسلحة وهو يدافع عن وحدته الترابية بهكذا ادعاءات. نحن لا نسعى للحرب لأنها دمار للجميع في غرب المتوسط الهادئ لحد الآن، فيكفينا شرق المتوسط المشتعل. ولكن، كل شيء ناطق في الميدان. والمغرب في الصحراء، معتقد في سيادته عليها، وممارس لها، وراغب في ترسيمها أمميا وإغلاق الملف، وعلى الذي يريد أن يأخذ مكانه في الأرض أن يفكر في الحرب، أما المغرب فلن يشعل حربا على أرض يحوزها اللهم إلا إن اضطر للدفاع، وآنئذ سيكون كلام السيد تبون في الميزان الحقيقي وهو ميزان الميدان.

عموما، كلام الرئيس رغم قساوته، لم يصل إلى وقاحة ما كان قد صدر عن الوزير الساهل على عهد الرئيس بوتفليقة عندما اتهمنا بنقل الحشيش رسميا عبر طائرات الخطوط الجوية الملكية إلى إفريقيا! أو بلاغ وزارة الدفاع التي وصمت النظام المغربي بالمخزن والصهيونية.

ورغم كل شيء، لابد وأن يأتي يوم، وتطوى صفحة هذا الخلاف الذي ترتفع نسبة السكر في دمه أحيانا لتصل إلى مستوى العداء، فلا مفر للمغرب الكبير المعافى من مصالحة مغربية جزائرية. قد نحتاج عقدا أو نصف قرن، ولكن، لابد من هذه القطيعة، لنعود إلى ما قبل ضغائن الستينيات المجترة إلى اليوم. وفي انتظار ذلك، لا داعي للانفعال لأنه مضر بالمؤشرات الحيوية للجسم السياسي، خصوصا وأننا في سباق للمسافات الطويلة. فهل هناك عدّاء مارطوني يخوض السباق بإيقاع متسابق 800 متر؟! لا يا عمي، ما هكذا تورد الإبل.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق