في أي اتجاه يسير السهم القاتل بين مملكتين؟

  • زينب مركز

 

لا أحد يمكن أن يتكهن بالمدى الذي ستصل إليه ارتدادات الأزمة بين مدريد والرباط، توالي التصريحات والمواقف الرسمية لا تبشر بخير، لكن كل شيء يسير حتى اليوم وفق إيقاع دبلوماسي له إسقاطاته الداخلية في كلا البلدين، وبرغم اشتعال حرب الكلام والمواقف العدائية فإن كل شيء يدور تحت سقف يظل حتى اليوم أقل مما حدث في عام 2002 مع أزمة تورة أو جزيرة المعدنوس.

 

لم يكن أبريل شهر سمكة الكذب بين ضفتي غرب المتوسط، كان الأمر جديا جدا، تسللت معلومة من الدهاليز السرية الإسبانية والجزائرية إلى المغرب حول إدخال زعيم الانفصاليين إلى إسبانيا تحت هوية مزورة يوم 21 أبريل الماضي، استفسرت الخارجية المغربية نظيرتها الإسبانية في الموضوع، فكان الجواب الإسباني أن «الأمر يتعلق بأسباب إنسانية». يومان بعد استقبال إبراهيم غالي، تقدم محامون بشكوى أمام المحاكم الإسبانية من أجل تفعيل مذكرة التوقيف الأوروبية الصادرة بحق زعيم بوليساريو المتهم بارتكاب جرائم حرب وضد الإنسانية. وفي 25 من الشهر ذاته، استدعت الرباط السفير الإسباني ريكاردو دييز رودريغيز، لتقدم بلاده تفسيرا حول الموضوع، وتداعت حبات السبحة بين التصريحات والانتقادات بين مسؤولي الدولتين، وأصبح للأزمة صدى داخلي، حيث تجندت الأحزاب المغربية والإعلام وغرفتي البرلمان ومنظمات المجتمع المدني، للتنديد بالموقف الإسباني بإيواء زعيم جبهة بوليساريو، بل كثفت المعارضة الإسبانية انتقاداتها للحكومة في مدريد، ففي 11 مايو، دعا الحزب الشعبي الإسباني المعارض حكومة بلاده إلى تقديم توضيحات بشأن الدخول غير القانوني وبهوية مزورة لغالي إلى إسبانيا.

 

تصاعد خط الأزمة بين مدريد والرباط ليصبح أزمة دبلوماسية عميقة، تتجاوز حرب التصريحات إلى حرب دبلوماسية شرسة، استدعت الرباط سفيرتها بمدريد في 18 ماي الماضي للتشاور، ووصل الآلاف من المهاجرين إلى سبتة مما وسع من بقعة الزيت الطافية على سطح علاقات متسمة بالتوتر بين البلدين الجارين.

 

سعت إسبانيا لتوظيف أوراق عديدة في حقيبتها الدبلوماسية، فيما يسمى في الصراع الدبلوماسي بلعبة الأدراج tiroirs، تفتح درجا وتترك مهمة إغلاقه للخصم، ثم تفتح درجا آخر لإنهاكه: من ورقة الهجرة، إلى محاولة استعداء الاتحاد الأوربي فعدم المشاركة في تدريبات الأسد الإفريقي، والتلويح بورقة الاستفتاء وتقرير المصير في الصحراء، اليد الموجعة للمغرب..

 

لكن في المقابل، اعتبر المغرب نفسه قد حقق أكثر من نصف انتصار حين حوّل الأزمة بينه وبين إسبانيا إلى أوراق رابحة بيد المعارضة متمثلة في الحزب الشعبي، الذي انتقد بشدة حكومة سانشيز، وكما اتهم رئيس الحزب الشعبي الإسباني بابلو كاسادو، الحكومة المركزية في مدريد، بالتضحية بالعلاقات مع شريك اقتصادي وتجاري مهم لإسبانيا، وعدم قدرتها على إدارة الحوار مع بلد جار، وقال كاسادو في تصريح صحافي الثلاثاء الماضي، تعليقاً على تفاقم الأزمة بين البلدين، إن «العلاقات الاقتصادية مع المغرب ليست فقط على المحك، بل إن التعاون بين إسبانيا والمغرب ضد الإرهاب ومكافحة تهريب المخدرات في خطر». الأكثر من هذا أن وزير الداخلية الإسباني لم يخف خلافه مع الخارجية الإسبانية في إدارة ملف الأزمة مع الرباط، وحاول الوزير فرناندو غرانديمارلاسكا، أن يخفف من حدة الأزمة ويوجه خراطيم مياه الإطفاء نحو المناطق المشتعلة بحرائق الأزمة وهو يقول: «إن مدريد والرباط شريكان مهمان وتربطهما علاقات أخوية».

 

من جهة أخرى، أحرج المغرب القضاء الإسباني في مسألة محاكمة إبراهيم غالي، اللغم الذي ابتلعته إسبانيا، وهكذا انتقلت الحكومة الإسبانية من حالة العناد كما عبرت عنها في 27 ماي، وزيرة الخارجية الإسبانية أرانشاغونزاليسلايا، حين صرحت بأن «زعيم جبهة بوليساريو، سيغادر إسبانيا، عقب خروجه من دائرة الخطر جراء كورونا»، إلى قولها إذا ارتأى القضاء استدعاء غالي فإن القضاء الإسباني مستقل. وبمجرد مثوله أمام العدالة، يكون المغرب قد سجل الهدف وضرب ثلاثة عصافير بحجرة واحدة، بوليساريو والجزائر وإسبانيا.

 

في هذا السياق يجب قراءة بلاغ وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج الذي أوضح أن هذه الأزمة «غير مرتبطة باعتقال شخص أو عدم اعتقاله»، وأشار إلى أنها «لم تبدأ مع تهريب المتهم إلى الأراضي الإسبانية ولن تنتهي برحيله عنها، فالأمر يتعلق بثقة واحترام متبادل جرى العبث بهما وتحطيمهما، إنه اختبار لمصداقية الشراكة بين المغرب وإسبانيا». إن المغرب كان على علم بإجلاء غالي نحو إسبانيا ليتم علاجه، لذلك رفع السقف، المشكل ليس غالي ولا الهجرة وإنما «انهيار الثقة بين مدريد والرباط» كما جاء في تصريح ناصر بوريطة. لكن ماذا بعد الاستماع لزعيم الانفصاليين وإجلائه عن الديار الإسبانية؟ قد تدور الدائرة نحو مهاوي سحيقة وهو أمر وإن كان ليس مستحيلا فهو غير مستبعد، وقد تعود المياه إلى مجاريها حيث لا إعصار في الطريق مع حلول الصيف.

 

لقد كانت هجرة القاصرين إلى سبتة بتلك الطريقة في لحظة هروب جماعي غير سديدة، ولعل قرار الملك باستعادة المغرب لكل قاصريه من بلدان الاتحاد الأوربي يعيد القوة والتوازن للموقف المغربي، ومع خروج بعض الأصوات الحكيمة إلى دائرة الضوء، وانتصارها لصوت العقل، يأمل المراقبون أن لا تزيد حرارة الصيف القادم من حدة الخلاف بين إسبانيا والمغرب.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق