فلسطين قضيتنا وإسرائيل عار محبيها

غزة النازفة والضفة الجريحة والقدس المنتهك تسائل أحرار العالم وليس العرب وحدهم أو الأكراد أو البشتون أو السلاف أو الجرمان… اغتصاب فلسطين قضية إنسانية وليست حتى قضيّة دينية، هذه ليست قضية إسلام في مواجهة اليهودية، هذه قضيّة مظلمة تاريخية كبرى يجب أن تعالج على هذا الأساس.

نور الدين مفتاح [email protected]

أكثر من سبعين عاماً من القتل والتشريد ولم تكفِ! فكم يحتاج الضمير العالمي من الشهداء ومن دماء الأطفال كي يستيقظ؟ أم تراه يتغذى بالدمار والأشلاء وصراخات الأبرياء كي يتباكى على خدش أصاب إسرائيل المسكينة، وإسرائيل الممسوسة في كبريائها!

أنتم تعطوننا الدروس في حقوق الإنسان، أنتم رعاة الإعلان العالمي لهذه الحقوق، أنتم تريدوننا كونيين، غربيين، متحضرين، حليقي اللحى، نابذين للقتل، وعندما يتعلق الأمر بإسرائيل، يوضع كل شيء بين قوسين: تنتحر العلمانية على عتبة الدولة الدينية الوحيدة في العالم، وتهوي حقوق الإنسان، وتتضامن أمريكا مع القاتل وتدين المقتول، وترفع النمسا العلم الإسرائيلي فوق بناياتها الرسمية ولا يرى فيها أي إنسان حر إلا صورة من صور المستعمر القديم عندما كان يرفع رأس ضحيته على رمح ويأخذ معه صورة تفاخر بالبشاعة!

أحس في هذه الأيام العشرة التي مرّت على مجزرة غزة المتواصلة باختناق لا يطاق. اختناق في الصدر من صور القصف والدمار وآلاف ضحايا العدوان. اختناق في مجاري بعض عباد الهزيمة الذين يجدون التبرير للبطش الصهيوني حتى في عز حفلات الذبح الجماعي. اختناق بهذا البعد الفلسطيني في هويتنا الذي أسقطه البعض بالأمس القريب، وعندما قرع نتنياهو شرارة الهبة المقاوماتية الأخيرة، وأمام الإحراج، عادوا إلى البحث عن التوازن المستحيل بين القاتل والمقتول، بين المحتل والمشرد، بين الغاصب والمغتصب. اختناق ببعض من يستطيعون إيجاد الكلمات لسب المقاومة ونصرة إسرائيل في تواطئ مع الإجرام الصهيوني لا يعفيهم من المساءلة أمام محكمة التاريخ.

نحن مختنقون بهذا التاريخ المليء بهزائمنا، سبعون عاما خسرنا فيها فلسطين 1948، ويقول المتشفون من بيننا إن العرب يستحقون ما جرى لهم لأنهم رفضوا التقسيم، إذن هم المذنبون! وبعد هزيمة 1967، أصبح العرب مرة أخرى هم المذنبون، وقصفنا الناصرية والبعثية والماركسية اللينينية والقومية، وسار العرب إلى الواقعية، وبدأنا ننسى أن هناك مؤامرة صهيونية بدأت مع هرتزل إبان نهاية الإمبراطورية العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد. ونسينا تواطؤ بريطانيا مع وعد بلفور المشؤوم الذي أعطى فيه من لا يملك فلسطين لمن لا يستحق. وبدأنا رويداً رويداً نسقط في الفخ، ونعتبر أن الفلسطينيين مسؤولون عن مصيرهم لأنهم لم يكونوا واقعيين عندما كانت الواقعية منتجة، وأن العرب وقعوا في المحظور عندما رفعوا لاءات الخرطوم الثلاث سنة 1967: لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف.

وللتذكير، لعل الذكرى تنفع الغافلين، كل الذين كانوا في الواجهة في هذه المرحلة إلى حدود النكسة كانوا أعداء ألداء للإسلام السياسي، وكانت سجونهم ملأى بالإخوان المسلمين. وجاءت مرحلة التنازلات، وأصبح الحديث عن رمي إسرائيل في البحر جهالة وجريمة ومعاداة للسامية وخصومة لا غبار عليها مع الغرب. ووصلت الأمور بعد كامب ديفيد إلى ما مرت عليه اليوم ثلاثون عاماً وهو فقط، ثم فقط، مطلب دولة فلسطينية على قطعتين متباعدتين هما قطاع غزّة التي كانت أصلا تابعة لمصر والضفة الغربية التي كانت أصلا تابعة للأردن.

هنا في المغرب، قدم العرب كل التنازلات من أجل السلام بأقصى وأقسى درجات الواقعية، ووضعت منظمة التحرير الفلسطينية السلاح ووقعت أوسلو ودخلت كسلطة إلى الرقعتين المحتلتين بعد 1967 وليس إلى فلسطين! ورغم ذلك لم تتحقق الدولة الفلسطينية. فهل يمكن لمحبي إسرائيل بيننا أن يجيبونا على سؤال «لماذا»؟. هل يمكنهم وكل أعمامهم الفكريين وأخوالهم الإيديولوجيين أن يقدموا لنا خارطة التنازلات التي على الفلسطينيين أن يقدموها كي يتحقق سلام الشجعان الجديد بعد أن تبيّن أن السلام الذي وقع بين ياسر عرفات ورابين لم يكن إلا سلام الخديعة؟

لم يعد العرب هم الذين يريدون رمي إسرائيل في البحر ولكن أصبحت إسرائيل هي التي تريد أن ترمي الفلسطينيين في البحر، والمخطط جار كما نرى في غزة وفي القدس وفي حي الشيخ الجرّاح وفي التمدد الاستيطاني في كل مكان، فمنذ 2010 فقط تضاعف الاستيطان بالقدس وحدها 222 مرة! واسمحوا لي إن كنت أتحدث عن العرب فأنا أستعمل مرجعيات السياق الذي جاءت فيه الشعارات، أما اليوم فهذا البعد القومي بدوره لم يسلم حيث أصبح يتخذ كذريعة عنصرية. وبعض الأمازيغاويين الشوفينيين هم من يدفعون بأن القضية الفلسطينية ليست قضيتهم لأنهم ليسوا عرباً، بل إن العرب بالنسبة لهم محتلون لشمال إفريقيا وعليهم الرحيل! وكيف أيها الأمازيغاوي تريد الخلاص من احتلال متوهم هنا وتنزعه عن محتل حقيقي هناك، انتزع شعبا كاملا من أرضه وزرع فيها شعباً لا رابط بينه إلا الديانة اليهودية!

غزة النازفة والضفة الجريحة والقدس المنتهك تسائل أحرار العالم وليس العرب وحدهم أو الأكراد أو البشتون أو السلاف أو الجرمان… اغتصاب فلسطين قضية إنسانية وليست حتى قضيّة دينية، هذه ليست قضية إسلام في مواجهة اليهودية، هذه قضيّة مظلمة تاريخية كبرى يجب أن تعالج على هذا الأساس. أن تعالج بالواقعية المرّة ولكن أن يكون هناك حل اليوم قبل الغد، أي بكل بساطة ووضوح أن تتشكل الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس والشرقية فقط، وأن يعود إليها كل فلسطينيي الشتات وتكون ذات سيادة بشرطتها وجيشها ومواردها. فهل حماس أو الجهاد الإسلامي هما من يمنع هذا أم تل أبيب؟ من يضعف فتح والسلطة الفلسطينية ويقوي المقاومة؟ هل إيران أم إسرائيل بجرائمها والولايات المتحدة الأمريكية بمساندتها اللامشروطة للاحتلال والتي وصلت إلى أوجها مع غير المأسوف على رحيله دونالد ترامب الذي تجرأ لأول مرة على نقل سفارة بلاده في إسرائيل إلى القدس واعترف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية وابتداع صفقة القرن لبيع القضية في سوق الإذلال وتركيع السلطة الفلسطينية عن طريق قطع المساعدات عنها، فهل قتل هذه المقاومة؟ بالطبع لا.

إن هبّة القدس اليوم أعطت للجميع دروساً جديدة للاعتبار، وبغض النظر عن سخافة المقارنة بين موازين القوى وضرورة أخذها بعين الاعتبار في أي مقاومة مشروعة، فإن توحد فصائل المقاومة في غزة وفلسطينيي الخط الأخطر والمقدسيين وجماهير الضفة الغربية في جبهة واحدة من أجل القدس وضد الاقتلاع والاستيطان لهو ختم نهائي على أن هذه القضية دائمة ولن تنطفئ جذوتها أبدا، مهما توالت الكبوات في الميدان، فالحق يعلو في الوجدان وسيتحقق عندما يحين الأوان، ولن يحول دون هذا لا تلاعب بنظريات مؤامرات ولا بالإسلام السياسي ولا بالهلال الشيعي ولا بالتطبيع ولا باجتماع جبابرة العالم مع الظالم. لا حل مهما طال الزمن إلا بقيام الدولة الفلسطينية والطريق إليها يمر عبر المقاومة من أجل سلام عادل ودائم، قولاً وفعلاً.

وفي انتظار هذه الحتمية التي تعتبر الخيانة أقسى عليها من العدوان الغاشم، تبقى فلسطين قضيتي كما هي قضية وحدتي الترابية. وتبقى إسرائيل عار من يستكثر على شعب محتل الدفاع عن شرفه وأرضه وأهله. ورحم الله الشاعر محمود درويش الذي ترن أبياته في مثل هذه اللحظات كصافرات الإنذار لمن هم كـدكات غسل الموتى:

حاصر حصارك لا مفر..

اضرب عدوك لا مفر..

سقطت ذراعك فالتقطها

وسقطت قربك فالتقطني

واضرب عدوك بي

فأنت الآن حرّ حرّ حرّ.

مقالات مرتبطة :
تعليقات الزوار
  1. محمد الناصري

    الذي تقول عنه غير الماسوف عليه هو الذي اعترف بوحدتنا الترابية. حرر وطنك اولا

اترك تعليق