أهلا عزيزي الطيب

كل مغربي بالطبع سيشاهد هوليود أو بوليود أو الأتراك أو الأوربيين وسيقارن، ولكن، رغم كل هذا البذخ المترامي الأطراف المتاح، يبقى الإنسان مرتبطا بالمحلي، بنوع من الاعتقال الفطري للانتماء حتى لا أقول الهوية، والصحيح بحسب المحسوس هو أنه كلما اتسعت العولمة كلما زادت قيمة المحلي وتقوت الروابط مع القريب، المغذي في نهاية المطاف، للتنوع الخلاق في هذا العالم الصغير.

نور الدين مفتاح [email protected]

لم يسبق أن سجل التلفزيون المغربي نسب مشاهدة كالتي تتحقق في يوميات رمضان الحالي. وقد اجتمعت كل العوامل لتنفجر هذه المتابعة التي وصلت في بعض أوقات الذروة إلى 8 ملايين مشاهد. أولها الكوفيد وثانيها حظر التجول الليلي الذي انتزع الناس انتزاعا من حلاوات السمر الليلي الرمضاني التي لا تضاهى ومن عذوبة صلاة التراويح وراء مقرئين رائعي الأداء، فلا يبقى للمواطنة والمواطن إلا التلفزيون كتقليد عائلي تجتمع حوله الأسرة للاستمتاع.

وإذا كانت اللازمة هي أن تشحذ الأقلام لسلخ الأعمال التلفزيونية الرمضانية، وكانت تستحق ذلك وربما ما تزال في شق منها، وإذا كان العبد الضعيف لله قد ساهم مرّات في هذا السلخ لدرجة أنني قلت في أحد الرمضانات إن هذه الأعمال لم تعد تحتاج إلى نقد فني ولكنها تحتاج إلى وكيل للملك، فإنني أشهد أنه في هذا الموسم كان هناك شيء مختلف، واسمحوا لي أن أقول إن هذا انطباع شخصي لمستهلك متواضع للدراما التلفزيونية والسينمائية.

لقد جرت العادة أن ترتبط الذروة في رمضان بالفكاهة والسيتكومات وغالبا ما عشنا مع عاهات لا تشبه المغاربة ولا تبعث إلا على الشفقة وأما الضحك فيها فهو على الذقون. إلا أننا ومنذ رمضان السابق بدأت الدراما تأخذ مكانها في الذروة، وبدأنا نرى مجهودا يستحق أن يناقش وسيناريوهات يمكن أن تحمل هذا الاسم ومخرجين جديرين بصفتهم ومشخصين هائلين مع اختلاف المستويات على سلم الأداء، خصوصا وأن الكثير من الشبان والشابات من خريجي المعاهد الفنية قد أعطوا قيمة مضافة لهذه الدراما المغربية غير المحظوظة لسنوات في أن تتصالح مع جمهورها المتعطش لفن القرب.

ولابد أن أشير إلى عنصر هام في حكم الجمهور اليوم على إنتاجاته المحلية، فالثورة التكنولوجية جعلت أضعف خلق الله يستطيع أن يَلج إلى أعظم إنتاجات البشر السينمائية، والعالم اليوم في جيب الإنسان عبارة عن هاتف محمول يتجول فيه عبر كل الروائع التي تنتجها طينة من الخوارق كتابة وتصويرا وتشخيصا وبعدا وقوة. إنها قطع تسحر الألباب وآخر ما شاهدت ويمكن أن أصنفه كمستهلك دائما ضمن هذا الذي أتحدث عنه هو فيلم «الأب» الذي أخرجه فلوريان زيلر وقام بدور البطولة فيه أنطوني هوبكينز، إنه الروعة الظالمة. إنه القدرة على حمل الإنسان إلى داخل رأس إنسان آخر وكأنه يعيشه! وببساطة يمكن من خلال هذا «الأب» أن يعيش المشاهد ساعة ونصف الساعة وهو مصاب بالزهايمر ليرى كيف هي تعقيدات الكائن البشري مع محيطه القريب عندما يفقد تدريجيا القدرة على التحكم في ذاكرته!

كل مغربي بالطبع سيشاهد هوليود أو بوليود أو الأتراك أو الأوربيين وسيقارن، ولكن، رغم كل هذا البذخ المترامي الأطراف المتاح، يبقى الإنسان مرتبطا بالمحلي، بنوع من الاعتقال الفطري للانتماء حتى لا أقول الهوية، والصحيح بحسب المحسوس هو أنه كلما اتسعت العولمة كلما زادت قيمة المحلي وتقوت الروابط مع القريب، المغذي في نهاية المطاف، للتنوع الخلاق في هذا العالم الصغير.

بعد آذان المغرب لن ننتظر هوبكينز، ولكن ننتظر شخصيات من عمق ثقافتنا لتعبر عبر أوتار الوجدان إلى القلب، ومن الصعب جدّا أن تجد أعمالا يمكن أن تجمع الناس من مستويات مختلفة أو على الأقل متقاربة، وربما هذا ما حصل مع مسلسل «بنات العساس» لمخرجه إدريس الروخ الذي أرفع له القبعة على هذه القطعة الجميلة ببساطتها، والتي استطاعت بدون تصنع أن تنفذ إلى القلوب وهي تحمل رسائل نلتقطها غالبا بدون وعظ ولا خطابة.

وحتى وإن كانت المعادلة تقليدية في مواجهة الخير والشر والفقراء المظلومين والأغنياء الظالمين، فإنها في هذه السلسلة، التي نسجتها بشرى مالك بمنساج دقيق، متحت من عمق الواقع المغربي لتستخرج قيمة أصيلة التف حولها المشاهدون وهي الطيبوبة في أبهى حللها، والتي جسدها باقتدار الفنان منصور بدري بحيث تقمص دور «الطيب» بشكل جعل وفاته المفاجئة منتصف المسلسل وكأنها حقيقية بحيث خلفت ما يشبه الجنازة الوطنية من خلال المتابعين وفي مواقع التواصل الاجتماعي.

وكانت هذه الشخصية وإشعاعها حول من يدور عليها بمثابة احتفاء جماعي بالقيم الفضلى التي تمثل جزءا من مكنونات المغربي كيفما كانت ظروفه. إن الأصل هو الفضيلة، وما هذا التراجع القيمي المهول إلا نتيجة قساوة الظروف التي يعيشها ملايين المغاربة وإن كان ذلك لا يبرر هذا، فإن الإتقان الذي قدم به هذا العمل بمعانيه الدالة جعل التجاوب الشعبي معه مثيراً للتمحيص والتأمل، وهذا لوحده يعتبر نتيجة مذهلة.

لقد تفوقت الممثلة منى فتو على نفسها وذابت فنيا في حوض طيبوبة الزوج وعوائق الأمية وثقل التاريخ الأسري كخادمة مطرودة، وقدمت المرأة المغربية البسيطة والشامخة في آن دون صراخ ولا تصنع. ولا حاجة للحديث عن الشباب الذين أبدعوا وعلى رأسهم ساندية تاج الدين عشيقة إدريس التي مرّت من العديد من الأدوار دون أن تكون نمطية، وهي مشخصة واعدة إذا استمر سهم الإتقان في السيناريو والإبداع في الإخراج في اتجاه متصاعد.

هذا غيض من فيض بعض الانطباعات الشخصية لإبداعات رمضانية لا يجب أن تحجب أعمالا أخرى أعطت وأجادت، وفنانين دخلوا مضمار المنافسة على الجودة. ولكن الأهم من الانطباعات هو الدروس التي يجب أن نستخلصها من هذا التحول الفني الذي نعيشه.

لقد كنا في دائرة اليأس المشروع من هذا التلفزيون الذي سمم حياة المغاربة وهم يؤدون عنه من جيوبهم وبشكل مباشر، والآفة أن هذه التلفزة وخصوصا القناة الثانية كانت خلال انطلاقتها أكثر إشراقا من اليوم مع العلم أن الطاقات داخلها إلى الآن هائلة، ولكن تأتينا المفاجئة هذه السنة من القناة الأولى التي راكمت المحاولات المتعثرة، وهذا درس للجميع، فالمكنونات الإبداعية حاضرة عند الفنانين المغاربة، وهناك جيل جديد من كتاب السيناريو والمخرجين ويجب أن نطوع قواعد التباري للولوج إلى التلفزيون حتى يلجها الأحسن والأبدع، ولم لا الأروع.

يضاف إلى هذا أننا لا يجب أن نبقى مرتبطين بنوع من التوأمة ما بين الأعمال الكوميدية أو الدرامية والحريرة الرمضانية، فلابد من الاستثمار في الثقافة، يا وزارة الثقافة، ويا قطاع الاتصال. وها نحن نرى ماذا فعل مسلسل تركي واحد بالسياحة في تركيا وبإشعاعها وهو «حريم السلطان» وما جاء بعده كثير، ومع وجود الفارق، فإن بإمكاننا استغلال تراثنا الزاخر وعمقنا المجتمعي الهائل وتاريخنا الغني بانتصاراته وإحباطاته لنستلهم من الأعمال ما يمكن أن يكون ملهما ويفجر طاقات الفنانين ويشحذ همم المواطنين ويقدم صورة عنا في المحيط تعرف بنا وبجذورنا وقيمنا وتناقضاتنا وإنجازاتنا في مغرب متعدد عريق.

إذا لم تدر عجلة الثقافة والفن فليس الفنان أو الفنانة هما من سنرثي لحالهما، ولكن البلد هو من سنبكي لأنه بلا إبداع يصير بلا روح ولا قوة دافعة، وفرجة ماتعة.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق