تتخللها طقوس توارثها الملوك كما يتوارثون العرش..رحلة شهر رمضاني في حضرة الملك

  • رضوان مبشور

في جميع أرجاء العالم، نجد أن للملوك طقوسا خاصة. وبما أن الملكية في المغرب متجذرة في تاريخ دولة عمرها يتجاوز 12 قرنا، فالطقوس المخزنية في المملكة الشريفة التي يحكمها أمير المؤمنين لها مميزاته الحصرية التي تنفرد بها، والتي تأخذ طابعا خاصا في شهر رمضان، من خلال طقوس توارثها السلاطين كما توارثوا العرش العلوي.

وإذا كانت هذه التقاليد قد عرفت بعض المد والجزر، إلا أن الملك الراحل الحسن الثاني قام بترسيخها وأعطائها طابعا مؤسساتيا، وقد حافظ عليها الملك الحالي محمد السادس في جوهرها وأضاف إليها لمسته الخاصة.

«… ألفنا ونحن صغار أن نستيقظ في رمضان وغير رمضان، فنجد مرضعتنا أو خادمتنا تصلي، وألفنا في الليلة السابعة والعشرين من رمضان أن نسمعها كما يقول العامة وهي تناجي سيدنا قدر، بمعنى ليلة القدر، وتقول لنا ونحن صغار: اطلبوا ما شئتم.. سيدنا قدر سيعطيه لكم…».

ما قرأتموه الآن هو مقتطف من إحدى الدروس الحسنية التي ألقاها الملك الراحل الحسن الثاني بنفسه وهو يتحدث في حضرة مجموعة من العلماء والفقهاء ووزراء حكومته وأعضاء من السلك الدبلوماسي المعتمدين بالرباط، عن طفولته وعلاقته مع شهر رمضان الكريم.

بعدما كبر الحسن الثاني وتولى الملك، خلق ثورة كبيرة داخل الطقوس المخزنية الصارمة التي لها علاقة بالشهر الفضيل، ومن المؤكد أن ظهور الإذاعة والتلفزيون في عهده وانتشارهما في غالبية البيوت المغربية ساعدته، على عكس ممن سبقوه من السلاطين، في تكريس تلك الطقوس المخزنية الرمضانية التي أصبحت اليوم راسخة في الأذهان، والتي سار على نهجها ابنه الملك محمد السادس، الذي حافظ على جوهرها وأضاف إليها لمسحته الخاصة، المتسمة ببعض الحداثة والانفتاح وروح الشباب.

الطقس المتوارث عن السلطان الحسن الأول

يعرف المهتمون بتاريخ الطقوس المرعية في دار المخزن أن الدروس الحسنية لم تبدأ مع الملك الراحل الحسن الثاني، بل هي تقليد كان يدأب عليه جده السلطان المولى الحسن الأول، منذ نهاية القرن الـ 19، حيث كان بدوره يجالس العلماء ويستمع إليهم، لكن بعد الحسن الأول ظل هذا الطقس الرمضاني غير مؤطر وكانت المداومة على تنظيمه تعرف بعض المد والجزر.

غير أن الملك الراحل الحسن الثاني سيعيد إحياءه بشكل مختلف ومتطور وحديث، بداية من العام 1962، أي بعد أشهر فقط من توليه العرش، حيث سيعود هذا الطقس الرمضاني إلى الواجهة ويدأب على تنظيمه بداية من ضريح السلطان المولى الحسن الأول الموجود في مدخل القصر الملكي، في قاعة صغيرة، وفق تقاليد مخزنية صارمة، تفرض على الجميع بمن فيهم الملك نفسه الجلوس على الأرض، لكن سرعان ما تطور هذا الطقس الرمضاني، وتم نقله من ضريح المولى الحسن الأول إلى قاعة فسيحة برحاب القصر الملكي، حتى تتناسب مع الأعداد المتزايدة للضيوف من كل أرجاء العالم، بعدما اكتسبت الدروس الحسنية إشعاعا عربيا وإسلاميا ودوليا.

منذ العام 1962 أصبحت الدروس الحسنية سنة تنفرد بها المملكة المغربية في شهر رمضان، حيث أصبحت مختلف القصور الملكية جامعات رمضانية، يتم استقبال العلماء فيها لإلقاء الدروس والخطب الدينية. وقد حضرها كوكبة من العلماء والمشايخ والدعاة والقراء وأصحاب الفكر والثقافة من المغرب وخارجه، من أمثال الشيخ يوسف القرضاوي والإمام أبو الأعلى المودودي وشيوخ الأزهر كجاد الحق علي جاد الحق، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة، كما صعد منبر الخطابة أمام الملك الزعيم الشيعي الإمام موسى الصدر، والعلامة عبد الله بن عبد المحسن التركي أمين عام رابطة العالم الإسلامي، والشيخ أبي الحسن الندوي والشيخ متولي الشعراوي، والشيخ سعيد رمضان البوطي، والشيخ محمد الحبيب بلخوجة، والدكتور عصام أحمد البشير وزير الأوقاف الأسبق بالسودان، وصبحي الصالح، والدكتور عبد الصبور شاهين، والشيخ محمد سيد طنطاوي، والشيخ عبد الله بن بيه. إلى جانب علماء من المغرب من مثل المكي الناصري، وعلال الفاسي، والشيخ عبد الله كنون، والفقيه الرحالي الفاروقي، والدكتور أحمد التوفيق، والراحل عبد الكبير العلوي المدغري، والشيخ الغازي الحسيني، وأحمد عبادي، ومصطفى بنحمزة. وفي عهد الملك محمد السادس اعتلت منبر الخطابة لأول مرة امراة وهي الدكتورة رجاء الناجي المكاوي.

والملاحظ أن الدروس الحسنية سواء في عهد الملك الراحل الحسن الثاني أو الملك الحالي محمد السادس، أصبحت طقسا رمضانيا مألوفا، لم يتم قط إلغاؤه إلا خلال رمضان العام الماضي ورمضان لهذا العام بفعل تفشي فيروس «كورونا». وفي السنوات العادية عادة ما يتم استغلال الدروس الحسنية الرمضانية للترويج للإسلام المغربي والتصدي لبعض التيارات المتشددة، خاصة وأن الملك الراحل كان في بدايات تكريس طقوس الدروس الحسنية متخوفا من موجات الاستلاب الإيديولوجي الغربي التي زحفت على المجتمعات الإسلامية، وكذلك من المد الشيوعي والفكر الإلحادي.

وفي ظل هذا التفرد المغربي، سرعان ما حاولت مجموعة من الدول تقليد الدروس الحسنية المغربية، فقامت الجزائر في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة بتنظيم ما سمي بـ»الدروس المحمدية»، ولا يترأسها رئيس الدولة كما هو الحال عندنا في المغرب، بل وزير الأوقاف الجزائري، وتنظمها مشيخة الطريقة البلقايدية الهبرية، وهي فرع عن الطريقة الشاذلية الأم، لكنها لم تلق نفس الإشعاع الذي تتميز به الدروس الرمضانية التي تحتضنها رحاب القصر الملكي بالرباط.

زيارة ضريح الآباء والأجداد..طقس رمضاني لا يمكن التخلي عنه رغم الموانع

في الباحة الفسيحة لمسجد حسان، توقفت يوم 23 أبريل الجاري، مجموعة من السيارات سوداء اللون، ليخرج الملك محمد السادس وإلى جانبه ولي العهد الأمير مولاي الحسن وشقيقه الأمير مولاي رشيد، وكل منهم يرتدي طربوشا أحمر، بينما كانت الجلابيب تختلف عن الجلباب الذي يرتديه الملك من حيث اللون، ولكنها تنسجم كلها مع هيبة اللحظة.

مناسبة هذا التنقل الملكي كانت زيارة ضريح الملك الراحل محمد الخامس، الذي توفي يوم 26 فبراير 1961، الموافق ليوم 10 رمضان، وهو التاريخ الذي يوافق في تقويمه الميلادي هذا العام يوم الجمعة 23 أبريل.

ومنذ كان الملك محمد السادس صغيرا اعتاد أن يرافق هو وأخوه مولاي رشيد وابن عمه الأمير مولاي عبد الله، والده الراحل الحسن الثاني في اليوم العاشر من كل رمضان للترحم على روح جده الملك الراحل محمد الخامس.

هذا الطقس حافظ عليه الملك محمد السادس إلى اليوم، حيث لم يتخلف عن إحيائه ولو لمرة، حتى إن كانت هناك بعض الموانع، على غرار انتشار فيروس «كورونا» الذي كان مستفحلا بشكل كبير في شهر ماي من السنة الماضية، ففي الرابع من الشهر المذكور وفي عز الحجر الصحي تنقل الموكب الملكي السنة الماضية من قصره البحري بالصخيرات، حيث كان الملك يقيم للترحم على روح جده.

ولأن الترحم على روح محمد الخامس في العاشر من كل شهر رمضاني، طقس مخزني أصبح يدخل في إطار التقاليد المرعية، لم يتخلف الملك محمد السادس هذا العام عن زيارة قبر جده، رغم أنه ظل مقيما بقصره بمدينة فاس منذ نهاية شهر دجنبر من العام الماضي، لكن عندما حلت ذكرى وفاة جده تحرك موكبه الخاص من مدينة فاس إلى الرباط، فهذا طقس لا يمكن التفريط فيه أو تجاوزه مهما كانت الظروف.

10 ملايين للمتوج بعد صلاة التراويح

كل من يبحث في التفاصيل الصغيرة والكبيرة للطقوس الرمضانية في عهد الملك محمد السادس سيتأكد أن غالبيتها الساحقة طقوس تم توارثها عن الملك الراحل الحسن الثاني، غير أن محمد السادس أضاف لمسته الخاصة لهذه الطقوس المخزنية.

ففي العام 2002 وبعد 3 سنوات فقط من توليه العرش، أمر الملك محمد السادس بإحداث جائزة «الكتاتيب القرآنية»، فبدأ تنظيمها بعد صدور مرسوم ملكي مؤرخ بـ 23 يوليوز 2002، وبحسب ما جاء في المرسوم فإن هدف الجائزة هو: «دعم دور الكتاتيب القرآنية في تكوين الناشئة المسلمة، وتثبيت القيم الإسلامية لديها، وتربيتها التربية الإسلامية المتسمة بالاستقامة والصلاح والاعتدال والتسامح».

وفي 16 فبراير 2005 صدر مرسوم ملكي آخر بتنظيم جائزة «محمد السادس في حفظ القرآن وترتيله وتجويده وتفسيره»، ويهم هذا المرسوم أيضاً إحداث جائزة دولية وجائزة وطنية. وفي 30 نوفمبر 2007 صدر موسوم بإحداث جائزة لأهل القرآن، تُمنح للعاملين بخدمة القرآن وعلومه، وقيمتها 10 ملايين سنتيم.

هذه الجائزة الأخيرة يقوم الملك محمد السادس بمنحها للفائز الذي يتم اختياره إما مباشرة من قبل محمد السادس وإما بناء على اقتراح يرفعه وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى الملك. وتمنح من الميزانية الخاصة للأوقاف، حيث يقدمها الملك لمستحقها بعد صلاة العشاء والتراويح لليلة الـ 27 من شهر رمضان.

ومنذ العام 2007 إلى يومنا هذا دأب الملك على تسليم هذه الجائزة للمتوج بعد نهاية صلاة التراويح في ليلة القدر، ولم يتم تجاوز هذا التقليد الرمضاني الملكي سوى العام الماضي، بفعل تفشي وباء «كورونا»، كما سيتم التخلي عنه هذا العام، حيث أن الملك لن يسلمها لأي فائز، بعدما تم حجب تنظيمها، بسبب الأوضاع الصحية التي يجتازها العالم.

التسويق للتقاليد المغربية الرمضانية

شهر رمضان بالنسبة للملك لا يعني ترؤسه فقط لأنشطة دينية من قبيل إحياء ليلة القدر وحضور الدروس الحسنية، أو أنشطة اجتماعية على غرار إعطاء الانطلاقة للحملة الوطنية للدعم الغذائي، بل يتجلى أيضاً في استقبال رؤساء وملوك الدول بشكل عادي جدا، في استقبالات تكون بطعم رمضاني يضفي على زيارة الملك أو الرئيس رونقا خاصا يظل راسخا في أذهان ضيوف المملكة، ممن يتعرفون من خلال لقاءاتهم بالملك على عادات وتقاليد ومأكولات المغاربة في هذا الشهر الفضيل.

ففي يوم 16 يوليوز 2013 يتذكر المغاربة كيف أن الملك محمد السادس استقبل بالقصر الملكي بالرباط العاهل الإسباني السابق خوان كارلوس الثاني على مائدة الإفطار، وكان إفطارا بطعم مغربي خاص، تم تنظيمه بحديقة القصر الملكي بالرباط، وحضرته العائلة الصغيرة والكبيرة للملك ووزراء الحكومة.

نفس الأمر تكرر يوم 14 يوليوز 2014 عندما استقبل الملك محمد السادس العاهل الإسباني فيليبي السادس وزوجته الملكة صوفييا ليتيزيا، وكان حينها حديث العهد بالملك، بعد أشهر فقط من تنحي والده خوان كارلوس عن العرش، وشكل المغرب حينها أول محطة خارجية يزورها ساكن قصر «الشرق الملكي» بمدريد، وخصص له حينها الملك محمد السادس استقبال الكبار بمطار سلا، قبل أن يتنقل بموكبه الضخم إلى قصر الرباط، وفي مساء نفس اليوم نظم على شرفه حفل استقبال حار على مائدة إفطار رمضاني في أمسية من أمسيات شهر يوليوز الساخنة.

وفي نهاية شهر ماي من العام 2019 استقبل الملك محمد السادس كذلك جاريد كوشنير صهر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ومستشاره الخاص، الذي كان مصحوبا بالمبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط، جايسون غرينبلات، وعن الجانب المغربي حضر المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة، ووزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي ناصر بوريطة.

وشكلت جميع الاستقبالات الرمضانية التي ترأسها الملك مناسبة سانحة لضيوفه للتعرف على التقاليد المغربية الرمضانية، حيث لم تخل الموائد من وجبات رمضانية أساسية على غرار «الحريرة» و»الشباكية» و»التمور الفاخرة» والحلويات المغربية التقليدية.

إحياء ليلة القدر .. عندما تتعالى الأدعية الملحنة وسط عبق البخور

يحكي الملك الراحل الحسن الثاني في إحدى حواراته عن طفولته في رمضان، ويتذكر كيف كان يجد مربِّيته الخاصة وهي تصلي طيلة ليلة السابع والعشرين من رمضان وتدعو الله بما في نفسها من طلبات، ويروي أنها كانت تقول لهم: «اطلبوا ما شئتم.. فسيدنا قدر سيستجيب لكم في هذه الليلة الخاصة».

ويبدو أن هذه الذكرى بقيت راسخة في ذهن الأمير مولاي الحسن، حتى أصبح ملكا في مطلع ستينيات القرن الماضي، فحرص على إحياء هذه الليلة وجعل منها طقسا رمضانيا ملكيا بامتياز.

وبدوره، حافظ الملك محمد السادس على هذا التقليد الرمضاني منذ اعتلائه العرش إلى يومنا هذا، بنفس طقوسه الموروثة عن والده الحسن الثاني، فكان أول شهر رمضاني يحييه كملك في العام 2000، وكانت الغالبية الساحقة من ليالي القدر التي أحياها تتم عادة بمسجد حسان بالرباط أو بمسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء. مع استثناء وحيد، هو المتعلق بالسنة الماضية، حيث قام الملك محمد السادس بإحياء ليلة القدر بشكل مخفف في قصره بالدار البيضاء، بحضور 10 أشخاص فقط من عائلته إضافة إلى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، الذي قام بختم صحيح البخاري أمام الملك بعد الاكتفاء بأداء صلاة العشاء والتراويح في احترام صارم للتدابير الاحترازية الوقائية لمواجهة فيروس «كورونا»، وهو الأمر نفسه الذي يرجح القيام به هذه السنة، في ظل منع إقامة صلاة العشاء والتراويح في كافة مساجد المملكة.

ولم يكن إحياء ليلة القدر في السنوات العادية يخلو من طقوس، فبعد صلاة العشاء جماعة، يصلي الملك خلف الإمام، وعلى يمينه ولي العهد وشقيقه وابن عمه وأبناء عماته وأفراد من ذكور العائلة الملكية، وعلى يساره رئيس الحكومة ثم وزير الأوقاف، وغيرهم من مستشاري الملك والوزراء…

وبعد نهاية صلاة العشاء يصلي الملك رفقة الحاضرين 10 ركعات من صلاة التراويح، ثم يتقدم الطفل الفائز بالمرتبة الأولى لجائزة محمد السادس للقرآن الكريم لتلاوة آيات من الذكر الحكيم في حضرة الملك، وبعدها يتقدم العلماء الأجانب المشاركون في الدروس الحسنية بكلمة شكر وامتنان أمام الملك يلقيها نيابة عنهم واحد من العلماء الأجانب، ثم تنطلق حصص الذكر والمديح إلى منتصف الليل، ليتم ختم صحيح البخاري بعد سرد «حديث الختم» من طرف شخصيتين علميتين مرموقتين، ثم تتعالى الأدعية الملحنة على الطريقة المغربية، وسط عبق البخور، لتكون هذه الليلة بدورها طقسا رمضانيا راسخا، يتكرر كل سنة في عهد الملك محمد السادس، ألفه مع والده وهو ولي للعهد، ويحافظ عليه اليوم كملك مع ولي عهده.

البقاء في المغرب وعدم التنقل للخارج

طيلة العهد الجديد، اعتاد المغاربة سماع عبارة أن «عرش الملك يوجد على متن سيارته أو طائرته»، وهي عبارة تلخص كيف أن الملك محمد السادس ظل منذ توليه الحكم متنقلا بين هذه المدينة أو تلك، أو بين القارات في زيارات مكوكية تقوده إلى لقاء ملوك ورؤساء الدول، في زيارات خارجية فاقت مدتها في الكثير من الأحيان شهرا كاملا، كما حصل في العام 2017 عندما بقي لأزيد من 40 يوما خارج المغرب متنقلا بين أكثر من دولة في إفريقيا جنوب الصحراء.

وبعيدا عن الزيارات الرسمية، يفضل الملك محمد السادس كذلك أن يقضي عطلا خاصة في العديد من بلدان العالم، تبقى أبرزها فرنسا، حيث يتوفر على قصر فخم في منطقة «بيتز» ضواحي العاصمة باريس، وفي السنوات القليلة الماضية اعتاد على قضاء عطل خاصة في دول جنوب الصحراء على غرار السنغال والغابون والكوت ديفوار، حيث يتوفر على علاقات خاصة مع رؤساء هذه الدول، تتجاوز العلاقات الرسمية.

لكن في ظل هذه الحركية الكبيرة التي دأب عليها الملك محمد السادس في تنقلاته المكوكية بين مدن المملكة وعواصم الدول، لا نسجل كثيرا سفريات للملك خلال شهر رمضان خارج تراب المغرب، حيث اعتاد على قضاء شهر رمضان وسط عائلته الصغيرة. والملاحظ أنه كذلك لا يسافر كثيرا حتى داخل تراب المملكة، فغالبية أشهر رمضان يقضيها ما بين العاصمتين الإدارية والاقتصادية، وهذا ما يمكن أن نكتشفه عندما نقوم بجرد للمدن التي يعطي فيها الملك انطلاقة الحملة الوطنية للدعم الغذائي في الأسبوع الأول من شهر رمضان، حيث عادة ما تكون المدينة موجودة في محور سلا – الدار البيضاء، ونفس الأمر نسجله عندما نقوم بجرد للمساجد التي يحيي فيها ليلة القدر الموافقة ليوم الـ 27 من شهر رمضان، والتي لا تخرج عن إطار مسجدي حسان بالرباط أو مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء.

لكن مقابل ذلك، فالملك دائم التردد على باقي المدن المغربية في ما تبقى من أشهر السنة، فقضاؤه للعطلة الصيفية بمدن الشمال أصبح طقسا مألوفا، وترؤسه لحفل الولاء بقصر تطوان أو طنجة أصبح اعتياديا، وتردده على الأقل مرة واحدة في السنة على قصوره بكل من فاس ومراكش وأكادير لقضاء أسابيع بها أمر متعود عليه.

ترؤس الحملة الوطنية للدعم الغذائي الرمضاني

صحيح أن الملك محمد السادس لم يترأس هذا العام الحملة الوطنية للدعم الغذائي، التي تشرف على تنظيمها مؤسسة محمد الخامس للتضامن، على غرار السنة الماضية حين تم إطلاقها بأوامر من الملك دون أن يحضر شخصيا الحفل الرمزي لانطلاقتها، بسبب تفشي فيروس «كورونا». لكنه دأب منذ مطلع الألفية الجديدة، تاريخ بداية هذه الحملة الوطنية للتضامن مع الفقراء والمحتاجين، على ترؤس حفل انطلاقها.

والملاحظ أن الملك يعطي عادة انطلاقة هذه الحملة الوطنية الكبرى خلال الأيام الثلاثة الأولى من شهر رمضان، ويختار عادة أن تكون الانطلاقة من أحد الأحياء الفقيرة، حيث أعطى انطلاقتها في رمضان 2019 من حي يعقوب المنصوب بالرباط، الذي يوصف بكونه واحدا من أكبر الأحياء الفقيرة بالمدينة، وفي رمضان عام 2018 أعطى انطلاقتها من حي «الانبعاث» بمدينة سلا وهو كذلك حي هامشي، ونفس الأمر فعله في سنوات سابقة عندما أعطى انطلاقتها من بعض الأحياء البسيطة بمدينتي الدار البيضاء وفاس. وبالعودة إلى العديد من بلاغات الديوان الملكي التي تتحدث عن إطلاق الملك محمد السادس لحملة الدعم الغذائي في رمضان، نقرأ أن الهدف من هذه الحملة هو إبراز تشبث المغاربة بقيم التآزر والتعاون، والمساهمة في تقوية سلسلة التضامن الوطني وتعزيز أواصرها.

وبالعودة إلى تاريخ تنظيم الحملة الوطنية للتضامن، فقد أطلقت في العام 1998 من طرف الملك محمد السادس، وتشرف عليها مؤسسة محمد الخامس للتضامن، ومنذ ذلك التاريخ شكل شهر رمضان موعدا تضامنيا ذا أبعاد رمزية قوية عند الجالس على العرش.

جولات ليست ككل الجولات

يرتبط شهر رمضان بالنسبة للملك محمد السادس كذلك بطقوس من نوع خاص، من بينها تكثيف تحركاته التلقائية. ويعد رمضان من أكثر شهور السنة نشاطا بالنسبة للجالس على العرش، من خلال العديد من أنشطته الثابتة على غرار إعطاء الانطلاقة الرسمية للحملة الوطنية للدعم الغذائي والحضور المكثف في الدروس الحسنية وإحياء ليلة القدر مع الناس في المسجد، وينضاف إلى ذلك ترؤسه للعديد من الأنشطة المرتبطة بالتدشينات وزيارة العديد من الأوراش خلال الشهر الفضيل. غير أن هذه الأنشطة تم تخفيفها هذه السنة كما السنة الماضية بفعل الحالة الوبائية الصعبة التي تجتازها بلادنا والعالم بأسره.

لكن في السنوات العادية، عادة ما نرى كيف أن الملك محمد السادس يستغل هذا الشهر الفضيل ليقوم بجولات على متن سيارته الخاصة في شوارع المدن التي يفضل فيها قضاء شهر رمضان، والتي عادة ما تكون إما مدينة الرباط أو مدينة الدار البيضاء التي يتردد عليها بشكل كبير.

ولهذا فقد اعتاد عدد من سكان مدينة الدار البيضاء أن يتنقلوا مساء كل يوم رمضاني إلى منطقة عين الدياب، أملا في مرور الملك بسيارته الخاصة، لالتقاط صور معه تؤرخ للحظات لا تنسى لمن حصل على شرف إقناع الملك بالتوقف وإنزال زجاج السيارة وأخذ صورة تذكارية معه.

أما عندما يقضي شهر رمضان بمدينة الرباط، فغالبا ما يختار الملك أن يركب سيارته ليتجول على ضفاف نهر أبي رقراق ثم يسلك الطريق الساحلية التي تؤدي إلى مدينة الهرهورة الشاطئية ومعه بعض المقربين منه، خاصة مستشاره فؤاد عالي الهمة، أو حاجبه الخاص محمد العلوي، وهو واحد من أبناء عمومته، وقد تم تعيينه قبل سبع سنوات في منصب الحاجب الملكي بدلا من إبراهيم فرج.

ويشكل شهر رمضان كذلك بالنسبة للملك مناسبة للاستماع لشكاوى المواطنين، وتسلم رسائل منهم، يتحدثون فيها عن حاجاتهم ويشتكون من شطط الإدارة أو من قلة ذات اليد.

كما تعود الجالس على العرش في عدد من الأمسيات الرمضانية على زيارة بعض الأوراش والمشاريع التي سبق له تدشينها، بدون بروتوكول، فكثيراً ما توقف بنفسه ليسأل عن تأخر هذا الورش أو سبب تعثر ذاك، كما أنه حمل في أكثر من مرة سماعة الهاتف ليتصل بشكل مباشر بولاة وعمال ورؤساء بلديات لاستفسارهم عن بعض الأمور التي لم تعجبه، كما حدث أكثر من مرة مع والي مدينة الرباط أو الدار البيضاء. ويتذكر المغاربة كذلك عندما تواصل الملك مع مسؤول كبير في مدينة فاس لتنبيهه إلى أن المدينة أصبحت متسخة بالأزبال، مطالبا بالاعتناء بها من حيث النظافة حتى يعود لها بريقها ورونقها.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق