هل أمريكا مسؤولة عن جزء من معاناتنا؟

إن الزمن الأمريكي في هذه القضية الصحراوية ليس هو الزمن المغربي، فنحن نعيش في قلب نزاع هو أولويتنا، وأمريكا بالكاد تتذكر منطقة نائية في قارة بعيدة، وقد تلجأ إدارة بايدن إلى مبدأ كم حاجة قضيناها بتركها ولا تنسخ قرار الاعتراف بمغربية الصحراء حفاظا على مصالحها في شمال إفريقيا والشرق الأوسط ولكن لا تفعّله ولا تبني سفارة في الداخلة ولا تتصرف في مجلس الأمن إلا كما فعلت الأربعاء ما قبل الماضي، فهل سيظل المغرب ساكتا؟!

نور الدين مفتاح [email protected]

كان مثيرا حقا أن يخرج السيد محمد صالح التامك، المدير العام لإدارة السجون، بمقال لا علاقة له بحروبه المتعددة الجبهات حول المؤسسات التي يديرها، وآخرها تناقره مع الفريق البرلماني للعدالة والتنمية، ولكن له علاقة بموضوع أكبر وأخطر. إنه ملف وحدتنا الترابية التي عشنا خلال الشهور الأخيرة واحداً من أكبر منعرجاته المحفوفة بكل المشاعر المتناقضة، من فرح عارم إلى توجس ومن انتصارات إلى خيبات أمل ومن اندفاع المؤمنين بالقضية الوطنية إلى البلوكاج، فليس كل شيء بأيدينا باستثناء إيماننا بمغربية الصحراء.

وحتى وإن لبس السيد محمد صالح التامك جبّة شيخ القبيلة ذي الأصول الصحراوية المشارك في تحديد الهوية ليدلي بدلوه في هذه التطورات التي تجعل كل أطراف المملكة آذانا صاغية لما يجري في واشنطن، فإن اللبيب سيفهم أن الرجل لا ينطق عن الهوى، وأن ما جرى يوم الأربعاء 21 أبريل بمقر الأمم المتحدة كان مرًّا حتى وإن لم تعكس ذلك التصريحات الرسمية لدواعي حرب ضروس مع الجار المشاكس وهي الحرب الإعلامية.

ودون دوران، يذهب التامك مباشرة إلى الهدف ويقول إن: «موقف الولايات المتحدة الأمريكية خلال الاجتماع الأخير المغلق لمجلس الأمن لم يكن في مستوى تطلعات المملكة المغربية» ويشرح التامك هذه الخيبة بكون الولايات المتحدة لم تصدر أي موقف قوي ورادع إزاء الصحراء وأنها عملت على إبقاء الوضع على ما هو عليه مما لا ينسجم مع قرارها بالاعتراف بسيادة المملكة المغربية على الصحراء.

وبغض النظر عن التساؤلات الاستنكارية للمقال حول رصد الجيش الأمريكي لكل التحركات التي يقوم بها الانفصاليون في المنطقة واستمرار الإدارة في واشنطن في التعامل على قدم المساواة بين «حليف قديم كالمغرب» و«دولة مارقة كالجزائر» وأتباعها من مرتزقة البوليساريو، فإن بيت القصيد في هذا المقال الذي لم يأخذ حقه من التمحيص هو هذه الجملة الخفيفة على اللسان والثقيلة في الميزان: «حان الوقت لأن تعترف الولايات المتحدة الأمريكية ببعض مسؤولياتها في ما عاناه المغرب ولايزال من المشاكل الناجمة عن هذا الصراع».

لقد تركز الاهتمام بعد انتهاء اجتماع مجلس الأمن على البلاغات الغاضبة لخصوم وحدتنا الترابية والانفصاليين، وبالقياس اعتبرنا أن غضب الآخر هو ارتياح لنا، إلا أن الأمر لم يكن كذلك للأسف، وربما كان سيكون أسوأ لولا التحركات الاستباقية للديبلوماسية المغربية وخصوصا الرجل الكفء والنشيط السيد عمر هلال ممثل المملكة بالأمم المتحدة، بحيث جررنا الآخرين إلى ملعب عرقلة مسلسل التسوية بالرفض الممنهج لكل مقترحات المبعوثين الخاصين للأمين العام للصحراء.

والواقع أن هذا الاجتماع لمجلس الأمن كان امتحانا صعباً لنا ولأمريكا على السواء. لنا لأننا نعتبر أن اعتراف إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بمغربية الصحراء هو ربما ثالث أكبر حدث في تاريخ القضية بعد المسيرة الخضراء في 1975 واسترجاع وادي الذهب في 1979، وهو أكبر فرصة لإنهاء النزاع منذ نصف قرن تقريبا، وهو إنصاف لبلد تكالبت عليه المؤامرات حتى فقد جزءاً معتبرا من أراضيه وهو مضطر لخوض حرب وجود من أجل الحفاظ على أقاليمه الجنوبية.

وكان هذا امتحانا للإدارة الجديدة للولايات المتحدة الأمريكية لأنها منذ أن أمسكت بالملف وهي تدور في إطار غامض، وتقضي الأمور بتجنبها، ولا يصدر عن المسؤولين في البيت الأبيض إلا التصريحات الحمالة لأوجه والتي تتطلب شيفرات لفك رموزها، إضافة إلى ما يرتبط بهذا الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء من تطبيع مع دولة إسرائيل وهذا متضمن في اتفاق صريح، ولهذا كان حامل القلم في مجلس الأمن في قضية الصحراء الذي هو الولايات المتحدة الأمريكية أمام ساعة الحسم. فماذا فعل؟ جاء بمشروع سمي عدم التصعيد في المنطقة!! وقد رفضته الصين والهند وانتهى الأمر وكأن واشنطن لم تسمع يوما باعترافها بمغربية الصحراء.

إن الزمن الأمريكي في هذه القضية الصحراوية ليس هو الزمن المغربي، فنحن نعيش في قلب نزاع هو أولويتنا، وأمريكا بالكاد تتذكر منطقة نائية في قارة بعيدة، وقد تلجأ إدارة بايدن إلى مبدأ كم حاجة قضيناها بتركها ولا تنسخ قرار الاعتراف بمغربية الصحراء حفاظا على مصالحها في شمال إفريقيا والشرق الأوسط ولكن لا تفعّله ولا تبني سفارة في الداخلة ولا تتصرف في مجلس الأمن إلا كما فعلت الأربعاء ما قبل الماضي، فهل سيظل المغرب ساكتا؟!

ما أعتقد ذلك، ومن هنا يأخذ مقال محمد صالح التامك أهميته ككاشف عن مكنونات ما يخالج المغرب من خيبة أمل، ولاشك أن الدولة لها من المعطيات أكثر مما نراه على السطح، ولاشك أيضا أن ما يرشح عن مراكز التفكير الأمريكية التي بسطنا جزءا من دراساتها في عددنا الماضي دَالٌّ، خصوصا وأن هذه المراكز تطلب من المغرب مقابلا لاستمرار الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء يتعلق بالحريات وحقوق الإنسان، وبالتالي يعتبر الركون إلى الخطاب الاحتفالي في العلاقات المغربية الأمريكية اليوم نوعا من السذاجة.

إن الدول هي المصالح، وها نحن نرى كيف أننا نتواجه اليوم مع إسبانيا التي تسترت على دخول رئيس الجمهورية الصحراوية المعلنة من طرف واحد، إبراهيم غالي، على الرغم من أنه مطلوب للعدالة هناك. ونتواجه مع ألمانيا، ومع روسيا ومع القيدوم في المواجهة، الجزائر، وقد خذلنا أيضا الاتحاد الإفريقي بقراره السيء باعتبار نفسه طرفا في قضية الصحراء. ولكن من جهة أخرى ربحنا معركة الكركرات والاعتراف الأمريكي رغم كل ما يشوبه اليوم، واعترافات دول أخرى عبارة عن قنصليات ما بين العيون والداخلة، وكسبنا ودّ الهند التي كانت مع المغرب في الاجتماع المغلق الأخير لمجلس الأمن، إلا أن كل هذا هو بمثابة الرمال المتحركة فهل من ثابت في هذا الموضوع؟

الثابت الوحيد هو التعويل على الله وعلى الجبهة الداخلية. كل اعتراف بحقنا هو رائع ولكن الصحراء مغربية بحكم التاريخ والقناعة الوطنية، وهذا هو سلاح دمارنا الشامل في هذه المعركة التي لا يجب فيها أن نستهين ولا أن نستكين، لا أن نسكر بالاحتفال ولا أن نسخر من خصم، ولا أن ننتظر دروسا من أحد حتى نعزز المكاسب الحقوقية ونواصل البناء الديموقراطي ونعلي كلمة الحرية ونبادر إلى انفراج كريم في رمضان كريم.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق