مسجد الحسن الثاني - ارشيف

رد على تهافت الكتاني ورجاء بطعم رمضاني

إننا صائمون في هذا الشهر الكريم وننتظر الأذان بلهفة للإفطار لأن الصيام في جزء منه مشقة، ومع هذه المشقة ينتصب أمام المرء حال زملاء لنا يدخلون منذ أيام في إضراب قاس عن الطعام يهدد حياتهم ويوجع أسرهم ويؤلم كل غيور على هذا البلد.

نور الدين مفتاح [email protected]

لنبدأ في هذا النداء بفاصل ونواصل! اقترف الشيخ المسمى الحسن بن علي الكتاني هداه الله تدوينة مرفقة بغلاف عددنا الماضي من «الأيام» الذي كان عنوانه: «لماذا تعتبر التراويح بدعة؟!» قال فيها: «تأملوا هذا العنوان الخطير ولاحظوا تغير لغة الخطاب. العلمانيون ضاقوا صدراً بتجمع المسلمين في المساجد وبصلوات التراويح منذ سنوات، والآن بدأوا يدندنون حول مذهب الشيعة الفاسد الذي يزعم أن التراويح بدعة اخترعها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه. احذروهم يا معشر المسلمين فالأمر جلل!».

المشكل مع السي الكتاني ليس في أن تكون له حرية التعليق على جريدة أوكسجينها هو حرية التعبير، ولكن مشكلة السي الكتاني الذي نعرفه ويعرفنا منذ عشرين سنة تقريبا، أنه اقترف جريمة التكفير التي بسببها سُجن لما كفر مؤسسات وأفرادا في 2004 وكدنا حينها بسبب عدم الحرص أن نسجن معه لولا ألطاف الله، بسبب فتح صفحاتنا له ولتيار كامل كنا نعتقد أنه من الأفضل أن يكشف بدل أن يبقى في الدهاليز كخطر كامن.

ورغم ما جرى ضللنا ندافع عن حلحلة ملفه وملف زملائه الشيوخ الذين تفرقت بهم السبل وراجع من راجع إلا هو بقيت ساعته مضبوطة على بداية العقد الماضي. فكيف تحذر منا معشر المسلمين وكأننا لسنا منهم؟ كيف تخرجنا من الإسلام بسبب عنوان يعكس حقيقة تاريخية اختلف في تأويلها المختلفون ولكن لا أحد أقر بأن رسول الله الحبيب صلى الله عليه وسلم صلى بالناس جماعة وراء إمام واحد لمدة ثلاثين يوما من رمضان التراويح بالشكل الذي نعرفه اليوم؟ وحتى وإن أخطأنا فهل يجوز لك من الطلقة الأولى أن تخرجنا من الجماعة وتعتبر أمرنا جللا وكأننا مسيلمة الكذاب؟! وإذا كان فقهاء السنة في غالبيتهم العظمى يعتبرون أن صلاة التراويح بدعة حسنة فما دخل الشيعة وفساد المذهب في هذا الشأن الذي لا يرقى إلى أركان الإسلام وإنما هو عمل للعبد للتقرب إلى الله في هذا الشهر الفضيل الذي تفيض فيه الروحانيات وتنكمش الماديات وتحلو المناجاة؟ ولماذا تشيطن، شيخنا المنغلق، العلمانية وكأنها كفر وكثير من بلدان المسلمين علمانية ومتقدمة وتقدم نموذجا يحتذى في النجاح الاقتصادي من أجل رفاهية عباد الله، ومنها تركيا للتمثيل لا الحصر. وأما المسلمون فهم في الدول العلمانية ـ التي هي علمانيات – أكثر منا عدداً وربما تعبدا وتدينا إذا كان الدين المعاملات. وسأكتفي بهذا القدر مؤكدا لك سيدي أنني أمارس إسلامي حسب قناعاتي في علاقة خاصة بيني وبين خالقي الذي خيرني ولم يجبرني لا على اعتقاد ولا على عبادة ولا على طاعة ولا على حب ووجدت نفسي في كل هذا بالفطرة والاقتناع والامتنان بأني مسلم لا أقدم الحساب لأي كان إلا لرب العالمين.

انتهى الكلام مع الحسن الكتاني، والمشكل أن الآلاف من المواطنين البسطاء يتم تهييجهم من طرف مثل هؤلاء الذين يفترض أنهم يملكون ناصية العلم، فيتهجمون على قامات علمية شيمتها الوسطية والاعتدال وتعدد التخصصات والتبحر في العلوم الإنسانية وليس الفقهية فقط، وقد تم التنكيل بالعلامة مصطفى بنحمزة فقط لأنه عبر عن رأي في نافلة هي التراويح وأرجع الأمر إلى أولوية حفظ النفس في الدين على ما عداها، وهيجوا الناس حتى أصبحت قرارات لجنة علمية تقديرية وكأنها هجوم على الدين من طرف الدولة، والحال أنه لكي يفطر المسلم في شهر الصيام بسبب المرض فلابد له من إذن طبيب وإذا حرم عليه الطبيب الصيام وصام كان كمن يرمي نفسه للتهلكة. وهل يمكن للفقيه أن يكتب للناس الوصفات الطبية؟ وهل يفتي شيوخ التزمت في احتياطات الجائحة؟ وحتى وإن أخطأت اللجنة العلمية في التقدير، فبرأي من نستبدلها؟ فالفقهاء والمتحدثون فرق وملل ونحل، وحتى ما كان يعرف بشيوخ السلفية الجهادية أصبح بينهم اليوم من الاختلاف ما بين النهار والليل. ولهذا، وبدون تخوين، أرى أن بيننا من الناس من يريد أن تصبح هناك رهبانية في الإسلام وأن يمشي هذا المجتمع المغربي المنبثق من آلاف السنين من التمازج الحضاري على هواهم وإلا كفروه، وهؤلاء هم الذين يجب أن نحذر منهم وأن نحاربهم بالقلم والكلمة في ميدانهم لأنهم يريدون أن يقرنوا الإسلام بالجهل المقدس، فيما الإسلام الحقيقي يحب أن يقترن بالتنوير.

هذا شهر التقرب إلى الله بالقلوب الخاشعة وبالطلب في الركوع مع السكينة والسجود مع الطمأنينة، أن اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، وأن نؤدي الفروض وبعدها النوافل ما استطاع الإنسان إليها سبيلا، وأما عمل ابن آدم لوجه الله فإنه أوسع وهو في عمل الخير ولو بالكلمة الطيبة والدعوة للتسامح واللين بين الناس والعمل ثم العمل والإتقان فيه وعدم الغش وصحوة الضمير والنظافة في المعاملات والمساهمة في الحياة العامة من أجل المجتمع والاجتهاد. وأما أن نلبس جلبابا ونطلق لحية ونعفو عن الشارب ونرسم ديناراً على الجبهة ونبدأ في الإفتاء فهذا ليس درجة من درجات الإيمان مقارنة مع مواطنين ينحتون في الصخر من أجل المساهمة في التنمية والتقدم والازدهار.

إننا صائمون في هذا الشهر الكريم وننتظر الأذان بلهفة للإفطار لأن الصيام في جزء منه مشقة، ومع هذه المشقة ينتصب أمام المرء حال زملاء لنا يدخلون منذ أيام في إضراب قاس عن الطعام يهدد حياتهم ويوجع أسرهم ويؤلم كل غيور على هذا البلد. إن سليمان الريسوني وعمر الراضي متابعين في ملفات هي أمام القضاء، وهذا سيفصل فيه القضاء، ولكن، مع احترامي لتقديرات من حكم، أعتقد أن للزميلين من الضمانات ما يمكنهما من إكمال المشوار القضائي بدون مواصلة هذا الاعتقال الذي يكاد يودي بحياتهما اليوم. فأتمنى من خالص القلب أن تتغلب الحكمة، ويتم احتواء هذا الوضع المؤلم، وبغض النظر عن فلسفة الاعتقال الاحتياطي الذي يعتبر استثناء وليس قاعدة، فالمنادي اليوم هو البعد الإنساني الذي نتمنى في هذا الشهر الفضيل أن يجد سميعا مجيبا وبعدها يمكن أن تتيسر الأمور.

إن الحكمة من جميع الأطراف لابد أن تصل إلى حلحلة الملفات العالقة من معتقلي الريف إلى باقي الملفات، وقد تم تجاوز ملفات سابقة كانت أكبر وأثقل، فالمغرب مقبل على تحول كبير في مجال تعميم الحماية الاجتماعية، وعلى تحولات هائلة في قضية الوحدة الترابية وعلى تحديات التنمية وإكمال الانتقال الديموقراطي وتجاوز الجائحة، ويستحق أن يواصل هذه المعارك بانفراج جميل يطوي هذه الصفحات لتترك المجال لكتابة أخرى يشتد فيها التدافع الديموقراطي دون أن يكون الثمن باهظا، وما هذا على المغرب بعزيز.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق