مرافعة مع الإغلاق الليلي

ولا تغرنك إشادة في بلاطو فرنسي هنا وتنويه بإنجاز مغربي هناك من حيث الكمامات أو التحكم في التلقيح. هذه حقائق لا ينكرها إلا جاحد، ولكن هذا لا يجب أن يعطينا وهما بأننا في سنة الجائحة أصبحنا دولة متقدمة!

نور الدين مفتاح [email protected]

أتفهم الغضب العارم الذي يجتاح صدور الملايين من قرارات الإغلاق الليلي للحياة الخارجية في رمضان الكريم. فهذا الشهر الفضيل ليس عبادة فقط، ولكنه طقس اجتماعي أصبح جزءا من التركيبة البيولوجية للإنسان المسلم، بحيث يعيش حياة أخرى بعد الإفطار لا يمكن حصرها فقط في صلاة التراويح، ولكن تتعدى ذلك لنوع من الاحتفالية اليومية، حيث يحلو السهر ويتجدد السمر وينقلب اليومي إلى ليالٍ لا تنتهي عادة إلا في الفجر.

وفي المغرب تبرز هذه الازدواجية التي تطبع السلوك الجماعي بشكل صارخ بحيث ترتفع نسبة العبادة مع ارتفاع نسبة الترفيه، وتتدفق الأفواج على مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء مثلا من كل فج عميق كما تتدفق الأفواج على الملاهي بنفس الكورنيش من كل حدب وصوب.

لنسميه ما نشاء، إسلام وسطي أو إسلام أندلسي أو إسلام منفتح، فإنه يبقى إسلاما لا تحس فيه المرأة الأنيقة في الشارع بشعرها المسدول أنها مذنبة، بل إنها تدخل إلى البيت وتنزع سروال الجينز وتلتحف الجلابة وغطاء الرأس وتصلي واجباتها، ونفس الشيء بالنسبة للأسر التي لا تجد أي تعارض ما بين حياتها على الطريقة الغربية وإيمانها العميق الذي يدفعها لأداء واجباتها الدينية، ومنها الصيام والقيام.

أتفهم الغاضبات والغاضبين مع الاختلافات في أسباب الغضب، وإن كان محركه واحدا وهو الإغلاق في ليالي رمضان، فهناك المولعون بالتراويح كأجر وطقس، حيث إنهم يقضون شهرا في ما يشبه المصحة النفسية يستمعون للآيات البينات بأصوات رائعة إما لعمر القزابري أو العيون الكوشي أو عبد العزيز القرعاني أو عبد السلام النابلسي أو غيرهم، وربما يتزودون روحيّا بما يعينهم على تحمل أعباء سنة كاملة من الضغوطات والاختناقات والتيه وصعوبات الحياة.

وهناك المتيمون بمذاق آخر للحياة في المقاهي والمطاعم وفي اللقاءات العائلية والاحتفالات الزاهية، وهناك طبعا أولئك الذين ييسرون سبل الإمتاع للمواطنين المقبلين على ليالي رمضان، وهؤلاء هم المتضررون الحقيقيون لأنهم سيفقدون مصدر رزقهم، وضمنهم أرباب المحلات المهددون بالإفلاس ومنهم السواد الأعظم من العمال البسطاء الذين سيكون هذا ثاني رمضان يقضونه وسط أسرهم بلا طعم ولا ابتسامة إلا رحمة رحمان رحيم.

أتفهم كل هذا، ولكنني مع مثل هذه القرارات الصارمة، التي لا يمكن أن ننسبها للحكومة وحدها ولا للعثماني ولا للجنة أدبية أو علمية. هذا قرار دولة لأنه مرتبط أولا بالصحة العامة، وهي فوق كل اعتبار، ومرتبط ثانيا بالوضعية التي توجد عليها البنية الصحية العمومية بحيث إنها لو تعرضت لما تعرض له بلد أوربي واحد كفرنسا لانهارت مرتين. وبالتالي تعتبر المبالغة في الإجراءات الاحترازية خيراً من المقامرة بالمرونة التي يمكن أن يكتسح من خلالها الڤيروس القاتل.

ولا تغرنك إشادة في بلاطو فرنسي هنا وتنويه بإنجاز مغربي هناك من حيث الكمامات أو التحكم في التلقيح. هذه حقائق لا ينكرها إلا جاحد، ولكن هذا لا يجب أن يعطينا وهما بأننا في سنة الجائحة أصبحنا دولة متقدمة!

إننا دولة كبيرة بتاريخها وفي محيطها وبنخوتها، ولكننا في سلم الوزن الاقتصادي نبقى دولة جد متواضعة بإمكانيات جد محدودة، وميزانية سنوية بالكاد تطل على الخمسين مليار دولار، وللمقارنة فقد خصصت إدارة بايدن في المخطط الاستعجالي لمساعدات كوفيد 1000 مليار دولار، أي ميزانية المغرب لمدة عشرين سنة!

إن الذي جرى في عيد الأضحى الماضي كان كارثة بكل المقاييس، فرغم أن التقدير الرسمي كان هو التضامن مع الفلاح المغربي الذي يمكن أن يفقد ثلث مدخوله السنوي من تربية الماشية لو ألغي هذا العيد، إلا أن ما تبعه كان صادما، حيث ارتفعت الإصابات بشكل صاروخي وبدأنا نحصي الوفيات وندم الجميع.

اليوم، قرار حظر التجول من الفطور إلى السحور قاس جدا، إلا أنه أهون من احتمال موجة ثالثة في البلاد ليست لنا إمكانيات لمواجهتها، ففي زمن اللايقين الاستشرافي والعلمي، لا يمكن لصاحب القرار مهما كانت حصافته أن يزاوج بشكل خلاق بين المكاسب والمخاطر.

هذه معادلة خارج السيطرة، وبالنظر لحالنا، فإن الاحتماء بالمثل الشعبي الأثير «اللي خاف نجا» يبقى شجاعة ما بعدها شجاعة، وأما البطولة في المجهول فإنها انتحار.

إن الإنسان بطبعه يتأقلم مع أشياء لا يتصور أبداً أنه قادر على تحملها، وها نحن قد تأقلمنا لمدة سنة مع أكبر إزعاج في حياتنا، تأقلمنا مع حظر التجول، تأقلمنا مع المرض نفسه ومع مخاطره حيث لا يوجد بيت لم يطرقه الڤيروس سيء الذكر إما بشكل خفيف أو بشكل عنيف، وتأقلمنا مع الكمامة وهي مهما اختلفت ألوانها الزاهية تبقى سيئة خانقة، وتأقلمنا مع هذا السلام البئيس بالمرافق أو قبضات اليد، وتأقلمنا مع الحذر والتباعد..

وبالتالي، سنتأقلم مع الحسرة في هذه الليالي الرمضانية المباركة، وسنجد البديل في كتاب رائع للقراءة أو في فيلم هائل للمشاهدة أو في إبحار مفيد في الشبكة العنكبوتية أو في نقاشات أسرية تغيب في الليالي العادية، أو في التأمل ولا شيء غير التأمل يصحح الرؤية ويوقظ الضمير ويقرب من السكينة ويحفز السؤال وييسر الجواب ويسقي التواضع ويعطي للعزلة طعما خاصا.

رمضان كريم، والكرم فيه أنه هدية وصلناها ورمضان مبارك والبركة فيه من رب العالمين.

تقبل الله صيامكم وقيامكم وكل عام وأنتم بألف خير.

 

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق