عندما قال الوزير للملك لا

هذه العودة إلى التاريخ كانت ضرورية لسببين: الأول هو صراحتها القاسية والثاني هو مضمونها النادر الذي يعطي أدوات حاسمة لتفسير ما جرى في الحدود الشرقية للمغرب، ويجعل فهم تداعياته الحاصلة اليوم أيسر على الاستيعاب. ومنها ما تابعناه في منطقة العرجة بإقليم فكيكـ الأسبوع الماضي، حيث طردت القوات الجزائرية فلاحين مغاربة من أراضيهم التي ظلوا يستغلونها لعقود، بدعوى أنها أراض جزائرية.

نور الدين مفتاح [email protected]

نحن في 7 مايو 1970 الحسن الثاني يتوجه من وجدة إلى تلمسان في أمر لم تكن لوزير الخارجية المغربي آنذاك أي فكرة عنه. اجتمع الملك على انفراد مع الهواري بومدين مطولاً، وبعدها نادى الرئيس على وزير خارجيته ونادى الملك على مدير الديوان والوزير الأول، فاستشاط وزير الخارجية غضبا وحين تم تدارك الأمر، دخل الوزير حاملا «سيكارا» ليدخن لأول مرة أمام ملكه.

نفس الوزير سيرفض أن يسمع أو يساهم في تحرير بيان سيخبره بعناصره السلاوي وأحمد العراقي. عندما فطن الملك لغضب وزيره استدعاه لتطييب خاطره، إلا أن الوزير ظل مشتعلا، وحتى عندما أرغم على الحضور لتحرير بيان ختامي لاتفاق لا يعرف تفاصيله مع وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، فإنه قام بشيء نادر في محيط دار المخزن.

لنستمع للراحل عبد الهادي بوطالب في حوارات «نصف قرن من السياسة» التي أنجزها الزميل حاتم البطيوي: «كنت مندهشاً عندما أخرج نظيري في الخارجية الجزائرية عبد العزيز بوتفليقة من جيبه مشروع البيان الذي كان يدين بكيفية مغلفة ولكن واضحة موقف المغرب من مشكلة الحدود»، و(نهنئ المغرب والجزائر بدخولهما في مرحلة النضج الذي مكنهما من تجاوز مرحلة الجمود إلى حل المشكلة المغربية – الجزائرية بالعقلانية المترشدة والتفاهم المثمر) أي أننا – نحن المغاربة – اجتزنا مرحلة اللاعقلانية المتمثلة في التشبث بترابنا الوطني إلى أن وصلنا إلى مرحلة التفتح مع تناسي الماضي!.»

سينسحب بوطالب من الاجتماع، وسيستدعيه الحسن الثاني ليلاً ليشرح له أن أمر الاتفاق كان، كما سيقول من بعد في خطاب العرش الموالي «من ميدان السياسة العائلية وليس من ميدان السياسة الخارجية».

إلا أن بوطالب سيقدم استقالته التي رفضها الملك، وسيكلفه بحمل خبر الاتفاق للرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، وسيرفض ذلك أمام الجينرال أوفقير، ولما خرجا من عند الملك: «ضغط أوفقير على يدي -يقول بوطالب- وقال لي: «برافو عليك، أنت شجاع، أنت بطل». وهذه بداية قصة طويلة كما يقول الراحل سنعرف نهايتها. فما هو مضمون هذا الاتفاق العجيب الذي لا يذكره التاريخ؟

«الاتفاق مع الجزائر تضمن شقين – يقول بوطالب – هما تسليم المغرب للجزائر التراب المختلف عليه، وقيام الطرفين بوضع معالم حجرية على الحدود القائمة بما يجعل من التراب المغربي ترابا جزائريا، ومن جهة أخرى تم الاتفاق على إقامة شراكة ثنائية في منجم غارة الجبيلات بعدما يصبح جزائريا ويتم تقاسم إنتاجه مناصفة».

هذه العودة إلى التاريخ كانت ضرورية لسببين: الأول هو صراحتها القاسية والثاني هو مضمونها النادر الذي يعطي أدوات حاسمة لتفسير ما جرى في الحدود الشرقية للمغرب، ويجعل فهم تداعياته الحاصلة اليوم أيسر على الاستيعاب. ومنها ما تابعناه في منطقة العرجة بإقليم فكيكـ الأسبوع الماضي، حيث طردت القوات الجزائرية فلاحين مغاربة من أراضيهم التي ظلوا يستغلونها لعقود، بدعوى أنها أراض جزائرية.

وهذا هو موضوع غلافنا الذي سيقدم للمتعطشين لمعرفة تفاصيل هذه المأساة التاريخية في شرق البلاد ما يروي عطشهم دون أن يبرد حرقة هذا التحايل التاريخي على تراب المملكة.

إن مسار الوحدة الترابية المغربية مؤلم، فأصل المشكل هو اندفاع الإيالة الشريفة إلى مساعدة الجزائريين ضد الاستيطان الفرنسي، فلم تبدأ كل مشاكل تقزيم الإمبراطورية المغربية إلا بعد الهزيمة في معركة إيسلي سنة 1844 أمام فرنسا ومن أجل الجزائر، وهنا بدأت فرنسا تقضم من المغرب وتضم للجزائر، وسنسمع من المؤرخين العجائب قبل توقيع عقد الحماية المشؤوم في 1912.

اتفاقية الإذعان 1845 واتفاقية 1901 و1902 وصولا إلى حرب الرمال 1963 وحروب الصحراء، لنجد أن هذه الجزائر التي رفض محمد الخامس أن يساوم بها من أجل الحفاظ على الصحراء الشرقية هي التي أصبحت أكبر خصم للمملكة، أخذت الأرض وآوت جماعة مسلحة وأسست لها جمهورية بتندوف المغربية ما تزال وراءها إلى اليوم زارعة شوكة دامية في خصر هذا المغرب الكبير المأسوف عليه.

لقد تم توقيع اتفاقية سنة 1972 والتي ترسّم الحدود مع الجزائر بأسماء الجبال والأودية، بما فيها الوادي «غير المسمى» والكثبان الرملية المتحركة! ولم يصادق البرلمان المغربي على هذه الاتفاقية إلا في 1989 لأنها كانت أمرُّ من العلقم، وسنفهم ذلك في ما جاء في مذكرات الراحل عبد الهادي بوطالب. وعلى الرغم من كل هذه الرزايا الترابية، تظل الجزائر تنكأ الجراح. ووسط كل ما يمور في الجمهورية بصراعات أجنحتها وحراكها والظروف العالمية الحزينة بسبب الجائحة، يتذكر النظام قطعة أرضية في منطقة نائية بها بضع عائلات مغربية تستغلها في فلاحة بسيطة، لتأتي بجينرال ليطرد الناس!

هذه سوريالية لا يمكن أبداً أن يكون سببها هو «العرجة» كأرض، وإنما الاستفزاز واللعب بالنار. فالمغرب انتهى من هذه الحكاية شرق مملكته بالرغم من الظلم الذي طوي مع الصفحة، لأن الاتفاقية التزام، وقد تكون هناك بعض التفاصيل التي يمكن أن تعالج بسلاسة إذا كانت هناك حسن نية. ولكن، عندما تكون هناك نية عدائية، فإن الذي قضم الأرض يصبح هو المستغيث، وهذا في محاولة لجر المغرب إلى معركة بمثابة متنفس للنظام الجزائري، ولهذا، ورغم الغضب الشعبي في فكيكـ، فإن الرباط تظل ضابطة لأعصابها، كما ضبطتها في قضية قناة الشروق وقضية بلاغ وزارة الدفاع الذي يصف المغرب بالصهيونية، وفي المناورات الكبرى على حدودنا بالذخيرة الحية وفي دعم المناوشات على طول الجدار في الجنوب.

مهما كانت الأسباب التي سيتولاها التاريخ، فإن المملكة عاشت وتعيش ظلما ترابيا قل نظيره، فها نحن لمدة نصف قرن نتواجه مع جارنا الذي ضحينا من أجله للحفاظ على صحرائنا وقد استنزفت ما استنزفت، وها نحن نواجه بتهم التوسع في حين أن ترابنا في الشرق أصبح تحت سيادة أخرى. وحتى إن رضينا بالهم فالهم لم يرض، ويواصل الاستفزاز. وإذا أضفنا إلى هذا المدينتين السليبتين سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، فإن الله وحده يستطيع أن يخفف هذا الحمل الثقيل.

أختم ببلاغة أستاذ التاريخ الذي يقول في ملفنا: «لقد بقي للمغرب في الشرق التاريخ وللجزائر الجغرافيا»! وعلى الرغم من كل ما أخذوا، مازالوا ينثرون الملح على الجرح. واليوم لهم الاستفزاز ولنا برودة الأعصاب لأن حتمية التاريخ هي أن حلم المغرب الكبير سينتصر لا محالة على حلم الجزائر الكبرى، وتحية تضامن مع إخواننا في «العرجة» بفكيكـ الأبيّة.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق