في الذكرى الأولى للحجر غير الصحي

وفي هذه الذكرى، يحز في النفس أن لا تحمل لنا الأخبار إلا الأسوأ ونحن نعيش هذا الأسبوع الشك في أمل اللقاحات مع التطورات الوبائية بأوربا. فهل فعلا ضاقت مستشفيات فرنسا مرّة أخرى بنزلاء الإنعاش حتى بدأت تنقلهم جوا إلى مدن ودول أخرى؟ هل وصل الأمر إلى حدود العودة إلى حجر صحي في أكثر من بلد وقد ظننا أننا لن نكرره أبدا؟ هل سنتخلص يوماً من هذه الكارثة أم أنها بداية عالم جديد موسوم بالرعب والموت؟

نور الدين مفتاح [email protected]

في مثل هذا الأسبوع من السنة الماضية، صدر قرار إعلان حالة الطوارئ بالبلاد بسبب الجائحة. وها هو عام مضى، والحجر الصحي قد رفع، لكن الطوارئ مستمرة والفيروس اللعين مازال يتجول، بل ويغير جيناته في إطار سباق التسلح مع العلماء والأطباء والدول والمجتمعات.

سنة متعبة، ركام من الخوف والتوجس والهواجس أثقل كواهلنا ونحن نؤجل الأنين، ونلعب مع الحياة. كم فقدنا من أعلام، وكم فقدنا من أصدقاء، وكم فقدنا من أقرباء. ومع كل مخاطر العدوى والمرض والإنعاش، لم نستطع أن نطبع مع هذا التباعد الجسدي والتكميم والتعقيم… فهذه المرارات التي أصبحت مرادفة للمسؤولية الجماعية من أجل الصحة العامة تقتل شيئا في الدواخل لا تستقيم بدونه الحياة.

مازلنا اليوم نستحضر بنوستالجيا التشابك والقهقهات العالية في الأماكن العامة والمهرجانات الصاخبة والرقص والقبل والعناق والاختلاط في الأسواق وأناشيد الجماهير الرياضية الغاضبة أحيانا والضاجة بفرح الانتصار أحايين كثيرة، وحرية التنقل التي تعتبر أوكسجيناً للمزاج العام، وحرية الحركة من مدينة لأخرى ومن بلد لآخر لعمل أو لمتعة أو لتبديل ساعة بأخرى. في زوايا الخصاص هاته، تقع اختناقات لا توجد لها أسرة إنعاش بالأوكسجين. فالمرضى شفاهم الله يرعاهم الأطباء، والمختبئون المختنقون ترعاهم العناية الربانية.

هناك بعد سنة من الحرب على هذا الكوفيد التاسع عشر خريطة جديدة سوسيولوجية وسيكولوجية لا تشبه ما عشناه قبل مارس 2020. هناك الذين عادوا من موت محقق بأعجوبة بعدما أخذهم الكوفيد إلى مجاهل العناية المركزة ثم نجوا، وهناك الذين لم يستطيعوا العودة ولكنهم تركوا علامة لن تنمحي داخل أسر وعائلات ستطبعها الجائحة إلى الأبد، وهناك من قتلتهم البارانويا وهناك من ينتظرون الأسوأ، وهناك الضحايا الذين لم يستطيعوا تحمل الطوارئ والإغلاقات وهم سجناء يعانون، وهناك ضرر عام هو المشترك بيننا في الشارع والبيت والعمل!

وفي هذه الذكرى، يحز في النفس أن لا تحمل لنا الأخبار إلا الأسوأ ونحن نعيش هذا الأسبوع الشك في أمل اللقاحات مع التطورات الوبائية بأوربا. فهل فعلا ضاقت مستشفيات فرنسا مرّة أخرى بنزلاء الإنعاش حتى بدأت تنقلهم جوا إلى مدن ودول أخرى؟ هل وصل الأمر إلى حدود العودة إلى حجر صحي في أكثر من بلد وقد ظننا أننا لن نكرره أبدا؟ هل سنتخلص يوماً من هذه الكارثة أم أنها بداية عالم جديد موسوم بالرعب والموت؟

لاحظوا كيف أننا ظللنا نتحايل على يأس الواقع بتفاؤل الأمل. نعمل على تكبير كل صغيرة فيها بشرى ونقزم كل كبيرة فيها تقهقر. حتى أسئلة اللقاح لم نعد نطرح منها إلا الكم: كم اقتنينا؟ وكم لقحنا؟ ونبتهج ـ عن حق ـ لأننا تجاوزنا في هذا الكم دولا عظمى. وأقنعنا أنفسنا أن اللقاح هو نهاية لهذا الموت الذي ينتقل مع رذاذ الكلام والسلام، وصرنا لا شعوريا نسقط الأسئلة المقلقة: هل يمنع اللقاح المرض أم يخفف منه؟ ما هي مدة حماية اللقاح؟ كم تدوم المناعة بعد الإصابة أو بعد التلقيح؟ أي شراسة محتملة للتحولات المتتالية في جينومات الفيروس وآخرها الجينوم الفرنسي؟ لماذا تغرق أوروبا وأمريكا في موجات متتالية من الجائحة كالتي تضرب الآن وتظل إفريقيا أقل تأثرا بكثير؟ هل هي دوائر تدور وقد تصل موجة ما إلى هذه القارة السمراء ذات البنيات والإمكانيات الضعيفة؟ هل فعلا بعد تعميم اللقاح عبر العالم سينتهي عهد كورونا كما انتهت الأوبئة القاتلة التاريخية كالطاعون والتيفوس والجدري؟

إن التفاؤل جزء من المقاومة، ولكن التفاؤل متعب أيضا إذا ظل معلقا على الأوهام. وبعد سنة، وفي أكبر مدينة بالمملكة لا يستطيع المواطن إلى الآن أن يذهب لتسخين عظامه في الحمام، ومعها مزاجه وتفاؤله. هذا التفاؤل بحاجة لمن يبعث فيه الحيوية. إننا بحاجة إلى الحياة كما كانت، أو إلى ما يؤشر على ذلك، فقد ضاقت بنا السبل.

أعترف أننا كنا جاحدين! ولكن لننتبه إلى الفرق الجوهري بين الجحود والاستسلام، الذي تجسدهُ المقولة الأثيرة: ليس بالإمكان أحسن مما كان. الجحود لا مكان له في التطلع إلى الأحسن والنقد لتدبير المشترك. ولكن كثيرا من الجمال في اليومي لم نكن نتمتع بروعته، وعلى رأسه الحميمية بمختلف أشكالها بين الناس والتي يقتلها التباعد الجسدي اليوم.

ربحنا في المملكة أشياء كثيرة. تطور في التواصل الرقمي الرسمي، وتدبير مركزي ناجح للعديد من المحطات في الحجر الأول وحملة التلقيح وفي الاقتراب من حصر الواقع الاجتماعي، وقد يكون السجل الاجتماعي شبه جاهز ومشروع التغطية الصحية لما يفوق العشرين مليون مغربي ستكون من أكبر ثمار مواجهة الجائحة نضجا. ولكن، بالإمكان دائما أن نربح أكثر!

إننا نعيش اليوم في عالم اللايقين، وما وقع في الأردن عندما انتفض الناس بسبب تعطل أجهزة للأوكسجين أودت بحياة مرضى يبين لنا الرابط الذي لا يجب أن نهمله بين الجائحة والاستقرار، وبين ضرورات التحكم في الظروف العصيبة ومراعا النفسية العامة لمجتمع متعب ومتوجس يستحق الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.

إننا نلعب مع الحياة لعبة الموت، ولكن، وكما عاشت البشرية أهوالا كبرى خرجت منها أكثر تقدما، فإننا يمكن أن نخرج من هذه الحرب ضد كورونا أحسن، ولكن لا شيء يضمن ذلك لأن التاريخ يمكن أن يرجع إلى الوراء، وهذا سيكون مأساويا.

وما نتمناه هو أن نستفيد من دروس الجائحة الفاقعة ونبني معا عالما أكثر تسامحا وتقاربا وتكاملا. وقد تكون هذه ضرورة غدا وليس خيارًا، فليعتبر من يجب أن يعتبر!

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق