مصير العدالة والتنمية

..لا يمكن إلا أن نشفق على من يجتر إلى الآن أسطوانة الخطر الإسلامي ونوايا التغلغل في مفاصل الدولة ومنازعة الحكم في الشرعية الدينية وغير هذا من الفزاعات التي جربت في من سبقوا بعناوين أخرى كالتآمر، وهي تتكرر اليوم، بسذاجة أو بنزعة استئصالية عقيمة.

نور الدين مفتاح [email protected]

حتى خصوم حزب العدالة والتنمية حائرون اليوم من أمر هذا التنظيم الذي بصم العشرية الأخيرة في مغرب يغلي ببصمة عبارة عن «كوكتيل» عجيب يختلط فيه الصعود والنزول والقبول والرفض والتوجس والتعايش. وفي النهاية، وأمام هذه الأزمة غير المسبوقة التي يعيشها حزب عبد الكريم الخطيب تنتصب الأسئلة المؤرقة:

هل في مصلحة المغرب أن ينشق حزب العدالة والتنمية؟ هل المغرب بحاجة إلى أحزاب قوية أم أن المملكة لا تطيق حزبا مهيمنا؟ هل يجب أن تقتدي باقي الأحزاب بالتماسك التنظيمي الذي ميز البيجيدي حتى تصبح عندنا أقطاب صالحة للتناوب أم أن الهرم الخلدوني هو حتمية تاريخية بالنسبة للأحزاب المغربية؟ ماذا ربحنا من تقهقر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بعدما حمل آمال المغاربة لعقود؟ وهل سلم هذا الحزب الذي خرج من رحم الحركة الوطنية بدوره من الاتهامات الانقلابية ومحاولات التغلغل في مفاصل الدولة؟ وهل سلم أصلا حزب الاستقلال المحافظ والمهادن من الضربات، وآخرها المجزرة التي تعرض لها في انتخابات 1993؟ وهل ربح المغرب شيئا عندما أصبحت للأحزاب عناوين وأسماء وسير لا تليق في الغالب الأعم بالتاريخ المجيد للتعددية في بلادنا، ولما قدمه آلاف المناضلين من حيواتهم وحرياتهم من أجل مغرب التحرر والديموقراطية؟

أسئلة عديدة يمكن أن نطرحها لتبريد الرؤوس الساخنة والمندفعة في تقييم ما يمور داخل إسلاميي المؤسسات. وكما أسفلنا، فالاختلاف الإيديولوجي والفكري مع الإسلاميين لم يمنع من التحالف السياسي معهم من طرف كل المشاركين في الحكومات المتعاقبة، بل وقبلها. وقد كان الإسلاميون وهم في البرلمان إبّان حكومة التناوب قد انحازوا للمساندة النقدية، وقد تحالف معهم بقوة على عهد ابن كيران الحزب الشيوعي المنقح بالتقدم والاشتراكية، وشارك ويشارك معهم الاتحاديون والأحرار والحركة والحصان.

وأما الدولة فإنها تعايشت مع الإسلاميين وهم يترأسون الحكومة، بإرادة ملكية، لمدة عشر سنوات، وقد تم التهييء لإسقاطهم بالصناديق بعد الولاية الأولى لعبد الإله ابن كيران في إطار الحرب المشروعة، إلا أنهم ضاعفوا فوزهم واكتسحوا، وبالتالي، لا يمكن إلا أن نشفق على من يجتر إلى الآن أسطوانة الخطر الإسلامي ونوايا التغلغل في مفاصل الدولة ومنازعة الحكم في الشرعية الدينية وغير هذا من الفزاعات التي جربت في من سبقوا بعناوين أخرى كالتآمر، وهي تتكرر اليوم، بسذاجة أو بنزعة استئصالية عقيمة.

العدالة والتنمية حزب عادي له مرجعية دينية باجتهادات مغربيّة، وله تصور محافظ جدا لقضايا مجتمعية عديدة ولكنه تطور بفعل الواقع والاحتكاك بحقائق تدبير الشأن العام، وله تصور للهندسة المؤسساتية قد يكون متأخرا عن بعض الأحزاب اليسارية، وله ذراع دعوي يشتغل في مفاصل المجتمع وله خطاب سياسي ترتبط قوته بالشخص الذي يحمله وكان رأس الحربة فيه هو عبد الإله ابن كيران كطاقة تواصلية استثنائية، وله نساء ورجال عاشوا شظف العيش ثم صعدوا في سلم الترقي الاجتماعي وجربوا التدبير ووضعوا أفكارهم على محك الواقع وعاشوا خلال هذا العقد من الزمن انتقالات إنسانية واجتماعية وحميمية أثرت على مواقفهم السياسية وها هم اليوم كأي تنظيم حي في مفترق الطرق!

هؤلاء الملتحون وأخواتهم المتحجبات عاشوا امتحانا عسيرا منذ خمس سنوات عندما تم إعفاء عبد الإله ابن كيران لرفضه إشراك الاتحاد الاشتراكي ضمن أشياء أخرى في حكومته، وقد عوضه سعد الدين العثماني لتقلب القيادة الجديدة الاتجاه ويتم التنازل عما لم يقبل ابن كيران التنازل عنه ولينضم بعض حلفاء الرجل كمصطفى الرميد لجناح الوزراء، ولتتم القطائع الإنسانية والسياسية بين جناحين لم يعد يربط بينهما إلا الذكريات ومقر الليمون وبعض المجاملات العلنية. ولكن الأزمة كانت من الخطورة بحيث فشلت لقاءات المكاشفة والمصارحة الداخلية في طيها، وتم إقصاء جناح ابن كيران من الأمانة العامة وتعمقت الخلافات الجانبية وبدأت الأحقاد الصغيرة تتراكم على هوامش النميمة وتصفية الحسابات، كما بدأ الجسد ينزف من شدة الارتطامات بين الطموحات الشخصية، وكان كل هذا يتم وسط بيئة غير صديقة وشبه رفض من طرف طيف واسع من النخب وجزء من الإعلام ومن أصحاب النفوذ.

وهذه الوضعية المحتقنة هي التي كانت تستقبل القضايا الكبرى التي تطرح على العدالة والتنمية والتي تتطلب اجتهادات نظرية لإنضاج مواقف سياسية، إلا أن الجو المكهرب لم يكن ليسعف. وفي طنجرة هذا الضغط سقطت قوانين التراجع عن تدريس المواد العلمية بالعربية في المدرسة المغربية، وفيها سقطت قضية التطبيع وفيها تسقط اليوم قضية تقنين نبتة الكيف للاستعمالات الطبية، وهذه ثلاثة أشجار تخفي غابة من الاختلافات في تفاصيل التدبير السياسي لقضايا تنظيمية ومجتمعية بين الإخوة الألداء.

استقالة مصطفى الرميد الملتبسة من الوزارة قبل التراجع عنها، واستقالة إدريس الأزمي التي لن يتراجع عنها، ورسالة ابن كيران المهددة بتجميد العضوية أو الاستقالة في حالة تصويت العدالة والتنمية على قانون تقنين زراعة نبتة الكيف ليست قضية ثلاثة قياديين، بل إنها تعبير عن أزمة عميقة لم يستطع اجتماع الأمانة العامة الحاسم الاثنين الماضي أن يحسم فيها رغم أنه ظل منعقدا إلى غاية منتصف الليل ليرجئ النقاش إلى اجتماع لاحق.

المرجئة فرقة دينية اسمها يدل عليها بإرجاء الأمور إلى الله، ولكن، لا يستطيع العدالة والتنمية أن يكون من المرجئة لأن السياسة تتطلب الحسم، وبالتالي فالبيجيدي اليوم أمام تحدي وجودي، وفي جميع الأحوال، لن يكون العدالة والتنمية في الانتخابات المقبلة أبداً كما كان منذ نشأته أو خلال صولاته الانتخابية في السنوات العشر الماضية.

هل يجب أن يبتهج المتابع أم يحزن؟ الأمور أبعد من ردود الفعل العاطفية. فهذه تحولات حزب في بلد استطاع أن يحافظ على حد أدنى من شروط الممارسة الديموقراطية في بحر من الانهيارات بعد سقوط الجزء الأكبر مما سمي بالربيع العربي، ولكن الديموقراطية المرجوة في نهاية المطاف لا يمكن أن تقوم إلا بأحزاب سياسية قوية، ولذلك، فالسؤال اليوم ليس مطروحا على البيجيدي ولياقته التنظيمية لأن 10 سنوات في الحكومة تنهك، ولكنها مطروحة على البديل وقدرته على الإغراء ثم التعبئة من أجل المشاركة في مواصلة مسلسلي الإصلاح والانتقال الديموقراطي. هذا هو السؤال الذي يؤرق مملكة جزء كبير من نخبها الوازنة متوار إلى الخلف بسبب التمييع والتتفيه والجلبة، والجزء الذي يقاوم يحتاج إلى مجهود خرافي ليبني الثقة مع مجتمع عليه أن يقتنع بجدوى السياسة في تغيير واقعه اليومي.

مقالات مرتبطة :
تعليقات الزوار
  1. youssef

    bravo , bien dit

اترك تعليق