السوسيولوجي شراك: مسار العدالة والتنمية من حزب يزأر إلى مشروع حزب مبلقن

حاوره: كريم بوخصاص 

 

  • يعيش العدالة والتنمية مخاضا غير مسبوق، فكيف ترى وضعية الحزب من منظور سوسيولوجي؟

 

في الواقع، سأبدي وجهة نظر سوسيولوجية حول هذا الحزب، لأنني لا أزعم معرفة تفصيلية وكثيفة ووافرة حول بنائه التنظيمي خاصة، وحول ما يختلج داخله من أفكار وأنظار وتصورات. وإن كان يبدو بأن الحزب قبل حكومة ابن كيران كان حزبا “سبوعيا” وملتفا حول ابن كيران، وكانت قيادته منسجمة في ما بينها، وتحمل طموحات كثيرة أو تقتات من متخيل سياسي سعيد وواعد، وكانت تظن أن أدبياتها وأفكارها وعقيدتها المذهبية قد تكتسح الناس كما تكتسح الدولة، ولربما كانت تحلم بتغيير ميزان القوى السياسي إلى غير ذلك، وهي طموحات ومتخيلات قد تنطلي أوهامها على كل حزب سياسي عندما يكون في المعارضة، وعندما يمارس النقد تجاه الحكومة وتجاه الدولة ويبني خطابا مدغدغا لعواطف الناس ومنتظراتهم، خاصة عندما يعزف على تحقيق الأحلام انطلاقا من النزاهة ونظافة اليد وخدمة الجماهير، وقبل ذلك خدمة الدين والقيم النبيلة والمشتهيات لدى فئات عريضة من اليائسين و”البطاليين” والفقراء والذين يشعرون بالمظلومية الاجتماعية والحيف الاقتصادي والإقصاء الاجتماعي.

 

لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، ذلك أن الحزب شهد مطبات في كثير من المحطات، خاصة على صعيد القيم والانتظارات، حيث تَلَبس كثير من أعضاء قيادته بممارسات سلوكية مناقضة لمنظومة الأفكار والقيم التي يحملونها، ومن ثم، لا شك أن معارضي الحزب، وخصومه قد استثمروا استثمارا جيدا هذه المفارقات، بل “المغربات” بالنسبة للجلباب الإيديولوجي والثقافي الذي يلبسه هذا الحزب ودعوا الناس إلى ارتدائه، باعتباره لباسا واعدا وخلاصيا بما سبق أن وعد به في الحملات الانتخابية، ومخالفا أيضا للخطاب السياسي والثقافي والديني.

 

صحيح، أن هذه المفارقات قد تكون عادية بالنسبة للبراليين واليساريين والديمقراطيين، لكنها غريبة ونشاز وتفقد جهاز الحزب مصداقية كثيرة، حيث تنكشف الحقيقة ويتوارى الوهم، مما أدى بالحزب إلى نوع من مشروع بلقنة وانشقاق بين الجهاز القيادي، خاصة التيار “العثماني” والتيار “الابنكيراني”، وهما تياران يتنافسان في ما بينهما ويقومان بحملة استجلاب واسعة، كل تيار يقوم بها في صف التيار الآخر، ولقد وصلت المنافسة إلى حد عتبة الصراع الذي مازال مضمرا ولربما سيتحول إلى العلن في الانتخابات القادمة.

 

  • المخاض الذي يعيشه الحزب لا يرتبط بما هو سياسي وفكري، بل يتجاوزه إلى حالة أشبه بـ”الفصام” مرتبطة بالسلوكيات التي بدأت تطفو على السطح من قبيل الاهتمام بالمظهر الخارجي كحلق اللحية بالنسبة للرجال وخلع الحجاب بالنسبة للنساء وغيرها. هل هذه التحولات تعبر عن مزاج متقلب لحزب الإسلاميين أم هي تطور طبيعي لأي تجمع بشري؟

 

ربما الشطر الأخير من سؤالك أقرب إلى الصواب، لأن العلاقات العشقية والغرامية والممارسات الجنسية التوافقية أو الرضائية، كما يقول البعض، لاشك أنها عادية بالنسبة للأحزاب الليبرالية أو اليسارية لكنها عكس ذلك بالنسبة للأحزاب الإسلامية، لأن عمق التميز بالنسبة إليهم قاطبة، ليس في المغرب وحده بل في العالم العربي، هو هذا التعارض بين الزعم الفكري والخطاب الوعظي وما بين الممارسة في الواقع، حيث أن الواقع أكثر من الفكر صلابة وأكثر انجذابا، خاصة للسلوكات الإنسانية القائمة على العاطفة وعلى العشق، فهذه قد تصعب مقاومتها أو يصعب تطبيقها. ولعل هكذا انزلاقات قد يؤدي عليها الحزب ثمنا تجاه خصومه وتجاه النخبة وتجاه عامة الناس أيضا، وهذا من شأنه أن يقلل من منسوب التعاطف مع الحزب، ويقلل من شعبيته ومن “سبوعيته”.

 

وتبقى الممارسة السياسية هي المختبر للخطاب والادعاء السياسيين من موقع المعارضة، وكلنا يتذكر تلك الخطب الرنانة التي كانت تنبعث من قبة البرلمان من أفواه قيادة هذا الحزب، لأن الكلام سهل ويدخل في بلاغة الخطابة، حيث لاشك أن رجل السياسة وتحديدا المناضل السياسي يصطدم بمتطلبات الدولة ورهاناتها وإكراهاتها، فيتحول المناضل إلى رجل دولة محنك، ومن ثم يفقد بريقه ويفقد تلك الكاريزما التي كان يتمتع بها أيام إلقاء الخطب المفوهة والمؤثرة للنخبة والمجتمع. ولعل هذا هو الوضع الحالي لحزب العدالة والتنمية، أقصد حالة التعارض بين الخطاب والممارسة وحالة التعارض بين الفكر والحقيقة، وهذه المسألة هي ضريبة أحزاب سياسية تلبس جلباب الدين والدعوة إلى التدين وتركب خطاب الوعظ والمثالية بعيدا عن تضاريس الواقع الحادة والقوية.

 

  • رغم كل التنازلات التي قدمها وابتعاده عن الصورة الوردية والمتعالية التي رسمها لنفسه، مازال حزب الإسلاميين لم يكسب رضا الجميع، لماذا؟

إن فقدانه لرضا الجميع أو ذلك الفقدان لشعبيته العارمة يعود إلى هذه الضربات، رغم أنه حاول أن يتكيف مع دواليب السياسة ومتطلبات الدولة ولمس بأن الأحلام كبيرة، ولكن الإنجازات صغيرة، وهو التحدي الأكبر في التدبير السياسي للدولة، فكثير من الأحلام تكون وردية وشامخة، ولكنها تصطدم مع صخرة الواقع العنيد بإمكانياته ومسوغاته ومقوماته…

 

إلا أن الحزب ـ في نظري ـ سيفقد من شعبيته دون أن ينتحر، لسبب أساسي يتعلق بدور اللاعبين المنافسين، فإلى أي حد طوروا من أدواتهم؟ وإلى أي حد انغرسوا في العمل السياسي التحتي مع الناس؟ وإلى أي حد خرجوا من موقع النخبة المتعالية أو ذات التركيبة العمودية إلى النخبة السياسية الأفقية التي تعيش مع الناس وتستجلبهم إلى الاتجاه السياسي اللبرالي أو اليساري أو النقدي بدون شعبوية أو نرجسية أو فوقية؟

 

إن النخبة السياسية في حاجة إلى أن تكون نخبة موازية لا متعالية. والتعالي هو من صميم قدراتها وتكوينها وثقافتها، لكن المشكل هو في الممارسة اليومية للمناضل السياسي الذي يجب أن ينخرط مع الناس، وأن يدخل إلى فضاءات المواطن ويعرف متطلباته ورغباته في حدود ما يمليه الواقع، وفي حدود تصحيح ما ينبغي تصحيحه وإصلاح ما ينبغي إصلاحه سواء على الصعيد الفكري أو الاجتماعي أو السياسي أو النقابي أو الجمعوي إلى غير ذلك من الواجهات. إن الشعب في حاجة إلى نخبة مناضلة تتنازل عن أنانيتها وعن “مثقفيتها” في التعامل مع الشأن العام، من أجل سرقة المشعل السياسي بعيدا عن الشعارات المروعة وبعيدا عن استثمار الدين في الشأن العام في مجتمع ليس في حاجة إلى ذلك، لأن إمارة المؤمنين كافية لتدبير الشأن الديني بعيدا عن الطوباوية الدينية أو المزايدة على حقيقة الدين وحقيقة التدين.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق