اللهم كسِّر شوكتهم

قال السيد رئيس الحكومة الدكتور سعد الدين العثماني إن ما وقع في مصنع طنجة، حيث أزهقت أرواح مغاربة لا يمكن أن يمر مرور الكرام، ونحن نقول إنه لا يمكن أن نمر أيضاً على ما جرى مرور اللئام. وكم فاجعة وقعت، وكم فاجعة واقفة أمامنا وقد تقع في أي لحظة، وقد مررنا عليها هكذا بالنحيب والدموع […]

نور الدين مفتاح [email protected]

قال السيد رئيس الحكومة الدكتور سعد الدين العثماني إن ما وقع في مصنع طنجة، حيث أزهقت أرواح مغاربة لا يمكن أن يمر مرور الكرام، ونحن نقول إنه لا يمكن أن نمر أيضاً على ما جرى مرور اللئام. وكم فاجعة وقعت، وكم فاجعة واقفة أمامنا وقد تقع في أي لحظة، وقد مررنا عليها هكذا بالنحيب والدموع وطوينا الصفحة دون قراءتها، ودون أن تلهمنا أرواح شهداء القهر الحكمة لنقطع مع التطبيع مع اللامعقول.

معمل في مرآب فيلا مخصصة للسكن، يَلجه عمال الخبز الحافي كل صباح للحصول على أقل من «السميك» وأقل من الحياة، بلا ساعات قانونية ولا ضمان اجتماعي ولا سلامة ولا كرامة.

كانوا رحمهم الله أرقاما بدون أسماء ووجوها بدون ملامح، وكان يجب أن يصل الأمر إلى حدود هذا الموت الرهيب بالصعق حتى تعود للشهداء كرامتهم بالدفن. كانوا مدفونين بلا روح في قبو واليوم هم مدفونون مغدورون في قبور قبل الأوان.

ثمانية وعشرون اسما ستكتب على شواهد ليست كالشواهد، ولكن ـ بعد حين ـ لن تجد علامة تذكر الناس المفجوعين اليوم بأن الشهداء كانوا ضحايا هذا المجتمع الذي لم يتخلص بعد من جزء من قروسطيته. الناس في القرن الحادي والعشرين ببلدي مازالوا يموتون غرقا وهم يحلمون بالحريك إلى ضفة المتوسط الشمالية، ومازالوا يموتون تحت الأنقاض في الدور الآيلة للسقوط، ومازالوا يموتون تحت أنقاض العمارات المغشوشة، ومازالوا يموتون حرقا كخرافٍ مشوية في معامل الذل والعار كما حدث في روزامور حيث قضى 55 عاملا حرقاً قبل سنوات.

من المسؤول؟ هل يكفي تحقيق إداري وقضائي في هذا الموت الذي يخيم على المملكة وما أن نعود من المقابر حتى ننشغل بالحياة الضاجة بالتناقض إلى أن تفاجئنا فاجعة أكبر، بنفس السيناريو ونفس الإخراج مع رتوشات بسيطة وتغيير في أماكن التصوير!؟

صاحب المعمل مسؤول، وشركاؤه مسؤولون والسلطة مسؤولة والوزارة والجماعة والمقاطعة والعمالة والولاية والمفتشية وهلم حرّاسا لا أحد منهم يتحرك ليوقف هذا الموت المؤجل في آلاف الأقبية وتحت آلاف الدور، وفي جيوب الموظفين وفي خاتم عون السلطة وفي عين الرقيب التي تصبح «عين ميكة» بسبب الفساد. كم نحتاج من خراطيم لنطفئ هذا التسيب الذي نعرفه ولا نفهم كيف يستطيع هزم كل أحلامنا وكل كلماتنا المنمقة وكل المساجد التي ترفع فيها صلوات الاستقامة في الدروب الضيقة؟

هل تمغربيت التي أصبحت عملة في سوق السياسة المتحذلقة هي مجرد روافد وعلامات انتماء نحاول أن نحلب منها افتخارا أم أنها قيم الاستقامة واعتبار المس بالآخرين جريمة لا يغفرها الضمير الحي؟ كيف يستقيم الحال وتمغربيت اليوم مخضبة بثقافة «الهمزة» و«الكاميلة» و«الماكلة» و«دهن السير» مما يشكل قواعد متكاملة لقانون سير خاص هو قانون الوصولية و«اللهطة» والتآمر والإفساد.

كم قبضوا مقابل هذه الفاجعة؟ كم وضعوا في حساباتهم مقابل كل روح من أرواح ثمانية وعشرين فقيدا قتلوا وبأي ذنب قتلوا؟ الفقر في بلادي يقتل، والفساد في بلادي يقتل ولقمة العيش المنتزعة من الدموع والألم تقتل!

فأن تكون فقيراً هنا يعني أن تكون في حي الإعدام، قد لا تطبق العقوبة، وقد تخرج من الحي، ولكن، في أية لحظة، وفي أي ركن من الأركان الأربعة للبلاد، يمكن أن يكتب بعضهم الفاجعة بحبر من دواة الشيطان. بعض هؤلاء المنتشرون عبر التراب الوطني، وتجمعنا معهم الجنسية والبطاقة الوطنية لا يستحقون شرف الانتماء لأن الشياطين ليست لها أوطان، لقد فاقوا في ما يفعلون الحمولات القاموسية لكل الكلمات القدحية، هم أكبر من الجشع ومن البشاعة ومن الوضاعة، هم، بكل بساطة دامية، قتلة.

لقد فتحتم تحقيقا! فهل من ستستمعون لهم هم المسؤولون فقط؟ وما مصير التحقيقات التي فتحت في مئات الملفات السابقة؟ هل ردعت؟ وهل علا القانون على ما سواه؟ وكيف بالمنطق نقبل في بلاد يقارب عدد سكانها الأربعين مليون نسمة ألا يكون مسجلا في الضمان الاجتماعي – والضامن الله – إلا 3 مليون مواطنة ومواطن ونيف؟ من أين تأكل الملايين المتبقية من المغاربة؟ نعم، مظلة القانون غائبة عن الملايين، فكيف نريد أن تزهر القيم؟ كيف نريد أن تكون طموحاتنا من عيار ثقيل، وواقعنا بوزن بئيس.

هذا الفساد أصبح منظومة متكاملة في غاية أناقتها. هذا الفساد يأكل لحوم الناس، وأحيانا يقتل لينبهنا إلى جزء من خطورة وضعيتنا، خطورة حقيقتنا، هذا الفساد بنى سلم الفوارق الصارخة بيننا درجا درجاً ولا أحد مثله ولا أحد أقوى منه.

في هذه الأجواء الجنائزية، والدموع تبلل عيون المكلومين، لا يسعنا إلا أن ندعو الله بالرحمة والمغفرة لأخواتنا الشهيدات، وأن ندعو على حزب الفساد والإفساد من طنجة إلى الكويرة بأن يشتت الله شملهم ويكسر شوكتهم ويجعل كيدهم في نحورهم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق