•   تابعونا على :

‎عنفٌ وشعبيّاتٌ!!

أبوزيديات
بقلم ادريس ابو زيد
في الجمعة 30 يناير 2015

‎قياس شعبيات رؤساء الغرب، والنسب المئوية لصعود شعبيتهم أو هبوطها، وبأرقام لا تبتعد كثيرا عن الدقة، قياس الشعبيات هذا الذي أصبح ضمن طقوس اللعبة الديموقراطية هناك في أوربا بعيدا عنا بكل القرب الذي تدعيه الجغرافية، والخرائط التي تقول إن الضفة الجنوبية لشمال إفريقيا لا يفصلها عن الضفة الشمالية لأوربا، سوى كيلومترات معدودات، لكن الفرق الفاضح والفاحش بين الزمنين الديموقراطيين في الضفة الجنوبية إذا ما قورنت وبتساهل وتفهم كبيرين مع الضفة الشمالية يجعل هذا التقارب الجغرافي غلطة قارية، أي غلطة بين القارة الإفريقية والقارة الأوربية، والذي يقوله الجغرافيون إن هاتين القارتين كانتا ملتصقتين في سالف الأزمنة، وانفصلتا منذ زمن بعيد، والذي يبدو أن هذا الطلاق بين الضفتين أو القارتين أصبح قدرا واقعيا، يؤكده التاريخ كما الحاضر ويعني الضفتين ولا تفضيل بينهما كما قد يتبادر، فالضفة الجنوبية من مراكش إلى الشرق والتي كانت مشتعلة حضارة وتألقا واقتصادا وتمدنا، وثقافة وفلسفة وفكرا، في الوقت الذي كانت فيه الضفة الشمالية الأوربية في سبات بشري مريع وبيات إنساني وفكري مهول، وبكل السنوات الكثر التي دام فيها تألق الضفة الجنوبية لشمال إفريقيا، لم تستطع أن تعدي الضفة الشمالية لتنطلقا معا، وحكاية الأندلس زكام حضاري عابر، شبيه بما نراه اليوم من مظاهر أوربية جامدة في المباني واللباس والمقاهي وباقي المناحي من سياسة وفكر اجتماعي مازال يعيش صومه الحضاري الطويل، والآن لك أن تعكس الحكاية، ففترة التألق الحاضرة اليوم من نصيب الضفة الشمالية، وكأن الضفتين في حالة خصام حضاري مزمن لا مفر منه، وكأن الأقدار شاءت أن تكون الضفة الشمالية مسيحية الدين والجنوبية مسلمته، ولعل غياب هذه العدوى الجغرافية، أو لنقل هذا الخصام القاري، هو الذي أدى إلى هذا التجانس الديني في الضفة الجنوبية كما هي الضفة الشمالية، ولو كانت العدوى بين الضفتين لتعدد المعتقد في هذه الضفة أو تلك، وحتى قوارب الهجرة التي تحمل شباب الجنوب إلى الضفة الشمالية سموها قوارب الموت ولم يسموها قوارب النجاة، والمعلوم أن عدد الذين وصلوا إلى الضفة الشمالية لا يقاس أبدا بعدد الذين غرقوا..!! لكن هذا الخصام الحضاري المعتق بين الضفتين لا يمكن أن ينتج إلا عبارات الخصام ومن الجانبين، والفرح الأوربي المسكوت عنه اليوم هو عدم مشاركة أي أوربي قح في تفجيرات فرنسا الأخيرة، رغم وجود عدد لا بأس به من المسلمين من أصول أوربية، فهذا التخصص، وأعني به تخصص الانفجارات، يجب أن يبقى إفريقيا أو شرق أوسطيا، بل حتى "قوقازيا" وشيشانيا"..!!

‎لذلك فرؤساء دول الضفة الجنوبية الإفريقية للمتوسط لا يعرفون ولا يعترفون بشيء اسمه قياس الشعبية، وخصوصا شعبيتهم، فهم وحدهم الذين يقيسون شعبية شعبهم عندهم وليس العكس، فزعماء الجنوب الأماجد لا يجب أن يكونوا محط تقييم شعبي، بل هم الذين يجب أن يقيموا شعوبهم، وكم هي نسبة الشعب الصالح للحاكم، وللباقي أن يموت علنا أو خفاء أو حتف فقره، ومازلت أذكر أن القذافي قال مرة: "الشعب الليبي لا يستحقني"، وعلى كل حال يحسب للقذافي أنه قال علنا ما يقوله باقي الحكام سرا، وما يروّجه خدامهم بتورية بليدة فاضحة. في إحدى دول الجنوب، قام أحد الوزراء يخطب أمام جمهور معطل السمع فقال: "آه لو تعرفون الخير الذي ينويه رئيس بلادنا لهذا الوطن"، أحد العارفين بأن رئيس الدولة اقتسم كل ثروة الوطن مع دائرته الضيقة قال: أي خير بقي أو تركوه كي ينويه رئيس البلاد لنا..!! لهذا ولغيره لا تقاس شعبية حكام الضفة الجنوبية، هذه الأخيرة التي سنتركها في سباتها الحضاري وبياتها الديموقراطي، لنذهب عند من يقيس شعبية حاكميه، فاليوم وصلت شعبية الرئيس الفرنسي "هولاند" إلى 40٪، وهو الذي اعتبروه من أفشل الرؤساء الفرنسيين وهو الذي لم يتجاوز بعد انتخابه عتبة 20٪، هذا الرئيس الذي أضاف إلى فشله السياسي فشله الغرامي، فعشيقته التي ساكنته في قصر الإليزي دون زواج ودون مصاحبته إلى السعودية برغم كونها السيدة الأولى والمعترف بها، وفلاسفة الأنوار كرسوا عند هذه الشعوب أن الحرية الفردية مقدسة عند أول القوم كما عند آخرهم، لكن يبدو أن أنوار المال أطفأت أنوار الفكر، لذلك كنت خفيف التصديق لـ "هولاند" وهو يرافع حول العلمانية بعد أحداث باريس"، كما أن هذه العشيقة تعرضت لانفجار عاطفي، لما تركها الرئيس وذهب علمانيا إلى عشيقة أخرى، وألفت كتابا ضخما تعدد فيه أسرار الرئيس وأكاذيبه، هذا الكتاب الذي نال من الشعبية ما لا يملك أن يحلم به الرئيس ولو بعد هذه القفزة الشعبية، هذا الرئيس الفاشل سياسيا وغراميا تقفز شعبيته هذه القفزة الصاروخية، والتي أهدتها له أحداث باريس الأخيرة، فالأحداث الدرامية التي تقع في بلد ما تزيد كثيرا من شعبية الحاكم كما يقول عالم السياسة الأمريكي " Jhon Mueller‎، فأحداث 11 شتنبر بأمريكا أوصلت شعبية "بوش الابن" إلى 90٪ بعدما كانت لا تتجاوز 51٪، كما أن حرب "هولاند" في دولة مالي على الجماعات الإسلامية أضافت لشعبيته أكثر من 6 نقط، كما أن شعبية الرئيس الروسي "بوتين" زادت بأكثر من 20٪ لما بدأت الحرب الأوكرانية وضم جزيرة القرم، وزادت شعبية أوباما كثيرا لما تم قتل "بن لادن"، وهكذا أصبح في كل هذه الدول الحديث عن الأمة والوطن المستهدف، ونبذ الانقسام، وصدح نواب الأمة الفرنسية بالبرلمان بنشيد "المارسييز" الحماسي، كما أصبح بوتين موحد الأمة الروسية والضامن لعودة مجدها كما عبر عن ذلك الشعب الروسي، وأقرت واعترفت به كل المخابرات الغربية وقالت إن العقوبات الاقتصادية ضد روسيا لن تأتي بنتيجة ما دامت شعبية "بوتين" مرتفعة..!! الجميع اليوم يتكلم في فرنسا عن وحدتها التي عادت وعن أمة صحت، كما هو الشأن في روسيا، وأصبحت شعبيات رؤساء هذه الدول تقترب من نسبة نجاح الرؤساء في الجنوب، ونعني بها تسعين فما فوق..!!

‎بالأمس كان يقال لأهالي الجنوب بأن وحدة الأمة والأناشيد الحماسية ومقولة الوطن المستهدف، كل هذا من الخرافات السياسية القديمة وهي من أكبر أسباب تخلفكم..!! قتل أبرياء معدودين بفرنسا كان كفيلا بتوحيد الأمة الفرنسية وعودة أناشيد حماستها، وقتل مئات الآلاف من أبرياء سوريا والعراق وليبيا وفلسطين لا يوحد أمة ولا يثير أناشيد، ونحن هنا لا نقارن بين الجرائم ولا نملك الوقاحة كي نتنزّه فيها، فالجرائم صغيرها وكبيرها لا مكان له في عالم يدعي أنه متحضر..!! وكل سؤالنا ألا يحق لنا أن نصدح نحن كذلك بوحدة أمتنا ونغنِّي بلا خجل أناشيد عزتنا خارج البرلمانات طبعا..!!

‎وكم هو مثير أن العنف والعنف المضاد هو المحرك الصاروخي لشعبية هؤلاء الرؤساء، ولولا العنف لقبعوا في نسبهم الديموقراطية المعقولة..!! شيء يبدو معه أن الإنسان لم يغادر مناطقه الأولى، رغم أنوار "باريس" و"الساحة الحمراء" و"تمثال الحرية"..!!

‎يبقى فقط أن أقول: إن أبيات الشاعر الموريتاني ولد عبد القادر والتي قيلت في السبعينيات مازالت تملك راهنيتها:

‎حكّم العنف أيّها الإنْسان

‎إنّما السِّلم خُدْعة وهَوانُ

‎مجْلس الأمْن خدعَة والأمانِي               

‎حول جدوَاه هدَّها الخُسْران

‎أرْضُه غابة النُّمور وليس

‎العدْلُ في مسرح السِّباع يُهان

‎نعم يا ولد عبد القادر، العدل في مسرح الثعالب لا يُصان…!!

‎وكل شعبيات وأنتم……………!!

تعليقات الزوار ()