شكرا.. وإلى اللقاح

جميل أن نعتني بالتواصل حول المواضيع الساخنة التي تشغل الرأي العام، ولكن الأجمل أن نحترم ذكاء المغاربة، وأن نتعامل معهم كراشدين، وأن نواصل على درب التجديد الذي يفترض بعض القطائع مع ما مضى. ومن ذلك كل ما يدخل في باب »العام زين« ونشرات »الخير والنماء« و»الكاميرا شاعلة« وغيرها من التحف التي اعتقدنا أن مكانها هو […]

نور الدين مفتاح [email protected]

جميل أن نعتني بالتواصل حول المواضيع الساخنة التي تشغل الرأي العام، ولكن الأجمل أن نحترم ذكاء المغاربة، وأن نتعامل معهم كراشدين، وأن نواصل على درب التجديد الذي يفترض بعض القطائع مع ما مضى. ومن ذلك كل ما يدخل في باب »العام زين« ونشرات »الخير والنماء« و»الكاميرا شاعلة« وغيرها من التحف التي اعتقدنا أن مكانها هو متحف التاريخ، فقد ملأت هذه البروباغندا حيزا متساوقا مع ظروفها ولا يمكن أن نحيي العظام وهي رميم!

كانت الصور التي نقلت عن تلقيح جلالة الملك رائعة، الفيديو متقن يصور لحظة تحرك ملك البلاد بلباس مدروس وفضاء جميل إلى مكتب عمل حيث سيأخذ جرعة اللقاح، ووصلت الرسالة بكل وضوح في جميع الاتجاهات لتقرأها مختلف الشرائح بسلاسة، ويتبدد تخوف المتخوفين وتوجس المتوجسين ويقبل الناس على العملية الضرورية للمناعة الجماعية بحماس واطمئنان.

إن ما جرى فيما بعد كان سورياليا، بحيث بدأت حملة من التهليل والتطبيل في موضوع مازال يبعث على الحزن، وهو الوباء وشبح الموت والإفلاس.

لقد وصل الأمر إلى حد بث بروفات أغنية عن هذه المناسبة، وهي ما أسماه بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي تندراً بـ «ذكرى تلقيح ملك وشعب». وهذه الأغنية سار على حواشيها جيش من الفنانين والمطربين الذين تم تمريرهم في ربورطاجات طويلة وهم يقدمون التهاني ويحتفلون ببداية التلقيح، وتحول جزء من الإعلام إلى عرس وطني واختفت النبرة التخويفية الضرورية من عدد الإصابات بالكوفيد 19 وعدد الوفيات، وهذا أمام ذهول كل عاقل كان لابد أن يستعرض المفارقات التالية:

1 ـ إذا كانت الأمور في المغرب قد تحولت إلى احتفالات بخصوص الجائحة فلماذا نستمر في حالة الطوارئ يا كرام؟

2 ـ لماذا ستطلبون من المغاربة البسطاء بعدما يشاهدون المشاهير يُهللون أن يستمروا في الالتزام بالإجراءات الاحترازية؟

3 ـ إذا استمرت هذه الموجة من التواصل حول اللقاح وكأننا نحن الذين اخترعناه فالمنتظر أن نسمع في سهرة السبت أغنية لحجيب حول «اللقاح تم» مما يعني أن زمن الكمامة قد ولَّى.

4 ـ كيف نحتفل ولم تمر إلا أيام عن بكائنا الجماعي على خيانة الصين وتلكؤ بريطانيا ودوخة رئيس الحكومة الذي قال في البرلمان صباحاً إنه لا يعرف شيئا عن تاريخ وصول التلقيح، فإذا بشحنة منه تصل مساء؟!

5 ـ كيف لا يطير رشد المواطن المتوسط والمواطنة المتوسطة وهما يريان أن الدول العظمى حارت في كيفية الحصول على اللقاح، وأنها في حيص بيص اتجاه المختبرات المصنعة المغلوبة على أمرها، في تلفزيونات العالم وفرنسا على الخصوص التي تتابعها النخبة، وفي نفس الوقت يريان الابتهاج الراقص في بلادنا حول بداية حملة تلقيح لا يمكن أبداً أن يكون لها معنى إذا لم تكن لها نهاية.

6 ـ لماذا لا نسمع أبداً في هذا التواصل العمومي الاحتفالي أسئلة العقل، ومنها أننا لم نتوصل وبصعوبة خيالية إلا بمليوني جرعة من لقاح «أسترازينيكا أوكسفورد» البريطاني الذي يتم تصنيعه بالهند ونصف مليون من لقاح «سينوفار» الصيني في حين أننا بحاجة لـ 65 مليون جرعة لنحقق المناعة الجماعية؟

7 ـ أليس من حق المغاربة سماع الرأي والرأي الآخر بخصوص هذه اللقاحات وتدبيرها من طرف الحكومة وتحديد المسؤوليات ومعرفة ما يجري ومن يفاوض وما هي التقديرات في المستقبل القريب لحصتنا من هذه السوق العالمية المجنونة بالتسابق نحو اللقاح؟

8 ـ هل هذا وقت الاحتفال أم وقت اليقظة والتعبئة للأسوأ، ما دمنا نعيش السيء بسبب الجائحة، حتى إذا نجحنا تكون فرحة الشعب صاخبة وإذا أخفقنا نكون مهيئين نفسيا لهذه الأوضاع الصحية العالمية التي لا تبعث عند العقلاء إلا على اللايقين؟

9 ـ هل تليق هذه السياسة التواصلية العرسيّة وشبح الموجة الثالثة من الفيروس دقت أبواب عشرات الدول بجوارنا في أوربا وعاد الإغلاق والحجر الصحي الكامل هنا وهناك، وكأن لسان حالنا يقول إن هذا لا يحصل إلا هناك أما هنا فالبركة تحمينا؟

10 ـ من سيفيدنا بجواب مطمئن حول التاريخ المرتقب لوصول اللقاح الكافي لبلادنا من أي «جائحة» كان صينيا أو بريطانيا أو أمريكيا أو روسيا أو هنديا؟ متى؟ وهل سيصل؟ هل أنتم متأكدون أننا عقلناها جيِّدا قبل أن نتوكل على الله؟

لو كان هذا الحيز أكبر لما انتهى سيل الأسئلة، ولا التساؤلات الحارقة التي ننوب فيها هنا بتواضع عن آلاف المغاربة الذين يحسون بالاستبلاد والاستصغار وهم يقفون على الطريقة التي يتم بها التواصل معهم كمواطنين بخصوص أخطر امتحان تعيشه البلاد في إطار هذه الجائحة التي تضرب العالم. هؤلاء الذين يتابعون كل يوم الإعلام الفرنسي والإعلام الإسباني والإعلام الأمريكي ويقارنون، وهي مقارنة مؤلمة كان من الممكن أن نخفف من وطأتها لو تحلينا بالقليل من المنطق، لنتفادى ـ على الأقل ـ المغرّبات العشر الواردة أعلاه للتمثيل لا للحصر، فهل ترعوون يا سادة لأن الناس لا تطلب المعجزات وتعرف محدودية الإمكانيات، ولكن الصدق واحترام الذكاء لا يتطلب ميزانيات بل مجرد إرادات.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق