ملفات حارقة على مكتب الملك (3)..المعركة التي يجب أن نخوضها في الرباط من أجل الصحراء

طوينا واحدة من أسوأ السنوات في عمر ثلاثة أجيال على الأقل. وكل متمنياتنا ألا تتكرر مثل هذه الجائحة التي أصابت العالم في مقتل. وبما أن الأمور بيد الله، فإن الحياة تستمر بالكفاح من أجل الأحسن، وفي النكبات، من أجل الأقل سوءا.

نستشرف في هذه السنة الملفات الحارقة التي تنتظر مملكة محمد السادس، ومنها ملفات خرجت من رحم آثار الجائحة كالإقلاع الاقتصادي والقطاع غير المهيكل والعدالة الاجتماعية وتثوير قطاع الصحة، وملفات تزامنت مع هذه الجائحة كالأوضاع في الصحراء المغربية بعد تأمين معبر الكركرات والاعتراف الأمريكي بالسيادة على الصحراء، والدور المغربي الجديد في الشرق الأوسط بعد استئناف العلاقات مع إسرائيل، والتواصل الصعب في العلاقات مع الجزائر وإسبانيا، ورهانات الانتخابات المقبلة.

إنها قراءة ذاتية لاثني عشر ملفا من طرف اثني عشر خبيرا نتمنى أن تساعدكم على توقع أحداث المستقبل القريب، ننشر ثالث ملف منها والذي يتعلق باعتراف الولايات المتحدة بمغربية الصحراء والتحديات التي تنتظر الدبلوماسية المغربية، في حوار أستاذ تسوية الصراعات الدولية محمد الشرقاوي.

 

ماذا بعد الاعتراف الأمريكي بالصحراء، هل تتغيّر مواقف الأمم المتحدة من الملف وما مستقبل بعثة المينورسو بالمنطقة؟

أي تحوّل منشود في موقف مجلس الأمن، أكثر من الجمعية العامة، يستدعي إحداث زخم دبلوماسي وإعلامي، والتوصّل إلى توافقات جديدة بين الخمسة الكبار. ويبدو أن حكومة ترامب بعد تسليم نسختين إلى الأمين العام أنطونيو غوتيريش ورئيس مجلس الأمن، وهو مندوب جنوب إفريقيا خلال شهر دجنبر، لم تدفع في هذا الاتجاه. فقد عارضت روسيا الإعلان، ولم تسانده بريطانيا أو فرنسا وهما حليفتا واشنطن تقليديا. ولم تظهر مؤشرات جديدة على وجود انقسام داخل مجلس الأمن بعد الجلسة المغلقة يوم الحادي والعشرين من ديسمبر بدعوة من ألمانيا.

 

 

ثمة عبارة مهمة في البيان الصحفي الذي أصدره وزير الخارجية مايك بومبيو بشأن إقامة المركز الافتراضي عشية عيد الميلاد قائلا «سنواصل دعم المفاوضات السياسية لحل القضايا بين المغرب البوليساريو في إطار خطة الحكم الذاتي». هي عبارة تنمّ عن قناعة حكومة ترامب بأنها لم تتمكن من إقناع بقية الأربعة الكبار، وعادت بالتالي إلى مجاراة موقف الأمم المتحدة.

 

 

أما بخصوص بعثة المينورسو، تفصلنا أشهر عن الموعد السنوي لتحديد مصيرها. في العشرين من يناير، حلّت ليندا غرينفيلد في منصبها مندوبة للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، ولا يبدو أنها ولا وزير الخارجية الجديد أنثوني بلينكن أو الرئيس الجديد جوزيف بايدن سيكونون أكثر إخلاصا من بومبيو في الترويج للإعلان الرئاسي الذي أصدره ترامب في العاشر من ديسمبر. ستزداد أهمية المينورسو ودورها في مراقبة وقف إطلاق النار، وإن كان تأسيسها في سبتمبر 1991 يهدف إلى التحضير للاستفتاء الذي لم يعد محط اهتمام الأمم المتحدة. قد يقرّر مجلس الأمن رفع ميزانيتها إلى أكثر من 55 مليون دولار وفق تقديرات الموقف التصعيدي بين الأطراف. لكن ما يهم الآن هو أن يفكر أي مندوب جديد يعينه الأمين العام إلى صراع الصحراء في ابتكار نقاط دخول مغايرة إلى رعاية التفاوض بين المغرب والبوليساريو لا تكرر نفس ما اعتمده المبعوثون السابقون. هناك حالة ترقب وتصعيد محتمل بعد أن تحللت البوليساريو من اتفاق وقف إطلاق النار، وإعلان المغرب أن هناك وقتا للدبلوماسية ووقتا للعمل، فيما أصبحت الجزائر تلوح بوجود مؤامرات خارجية تحاك حول حدودها.

 

كيف يمكن أن يربح المغرب معركة الاعتراف الأمريكي بسيادته على الصحراء داخل مجلس الأمن؟

 

أولا، هل تتعامل الرباط مع وعود ترامب بشكل واقعي أم وجدت فيها نشوة دبلوماسية بعد الأمل القائم من عقود في استمالة موقف إحدى الدول الكبرى في مجلس الأمن؟ هناك من ترقّبوا حدوث مفعول قطع الدومينو بأن تعلن الدول الأخرى تباعا سيادة المغرب على الصحراء، بل وراهنوا حتى على تغير موقف بريطانيا. ثانيا، هو اعتراف أمريكي وفق سياسة حكومة ترامب، ولم يتأكد بعد مدى تأييده أو التراجع عنه من قبل حكومة بايدن . هذه معركة سياسية أولى تحتاج الرباط لكسبها، ثم إقناع الديمقراطيين وليس الجناح المعتدل الذي يمثله الرئيس بايدن فحسب، بل وأيضا الجناح اليساري الذي يمثله بيرني ساندرز وتتضامن معه نائبة الرئيس كامالا هاريس. المعركة الثانية هي المرور إلى نيويورك عبر باريس الحليف التقليدي للمغرب، أي هل يمكن تعزيز الاعتراف الأمريكي باعتراف فرنسي مواز؟ ويمكن التفكير أيضا في التوصل إلى توافقات الروس لكي يعدلوا عن استخدام الفيتو ضد مشاريع القرارات التي يمكن أن تكون في صالح المغرب.

 

المعركة الثالثة وهي في الرباط أكثر من نيويورك، وهي مدى التجديد في موقف المغرب بما يتجاوز مشروع الحكم الذاتي وبموازاة دعوة الأمم المتحدة الأطراف للتفاوض بحسن نية ودون شروط مسبقة. بعبارة أخرى، أن تستفيد الرباط من أهمية الاعتراف الأمريكي في هذه المرحلة، وتكون سبّاقة في صنع الفعل بتقديم عرض جديد إلى البوليساريو، ومن خلفها الجزائر، يضع المغرب في أعين العالم أنها الطرف «الجزء من الحل»، وليس الطرف «الجزء من المشكلة». في مرحلة أسميتها Acute diplomatic fatigue أو الإرهاق الدبلوماسي الحاد لدى الأمم المتحدة ليس بشأن صراع الصحراء فحسب، بل وأيضا الأزمات في سوريا واليمن وليبيا، أصبحت المنظمة العالمية تترقب أن تأتي الحلول القابلة للتنفيذ من أطراف الصراع أنفسهم، وليس بلورة صيغ وساطة في نيويورك.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق