تسبيق العرس بليلة

ندخل أسابيع مليئة بالمطبات والتساؤلات والانتظارات القاسية ونحن معلقون على عمودين، الأول يتعلق بالصحة العامة التي ترهن الاقتصاد والمجتمع وتضع الحياة بين قوسين، والثاني يتعلق بوضعنا الجيوسياسي مع التحول الذي ترسم في البيت الأبيض بعد ساعات من كتابة هذه السطور، ومع تغيير ملاءات السرير الرئاسي تبدأ اتجاهات العديد من الملفات الدولية في التغيير وعيننا على […]

نور الدين مفتاح [email protected]

ندخل أسابيع مليئة بالمطبات والتساؤلات والانتظارات القاسية ونحن معلقون على عمودين، الأول يتعلق بالصحة العامة التي ترهن الاقتصاد والمجتمع وتضع الحياة بين قوسين، والثاني يتعلق بوضعنا الجيوسياسي مع التحول الذي ترسم في البيت الأبيض بعد ساعات من كتابة هذه السطور، ومع تغيير ملاءات السرير الرئاسي تبدأ اتجاهات العديد من الملفات الدولية في التغيير وعيننا على مصير قضيتنا الوطنية التي لا تعلو عليها قضية غيرها.

ومع تسجيل أول حالة في المغرب حاملة لفيروس كورونا المتحول بطفرته البريطانية، يزداد قلق المغاربة، ليس على صحتهم فقط، ولكن على هذا الأمل المتقد في أن يروا يوما قريبا ترفع فيه حالة الطوارئ ليعودوا إلى الأصل في حرية الاسترزاق والتنقل والتجول والاختلاط والحميمية والتخلص من الخوف المنهك.. وكيف لا وقد عاش المغاربة في هذا الجحيم لمدة سنة تقريبا انقلبت فيها الحياة رأسا على عقب، والقادم لا يبشر بالخير.

والداعم لهذه النظرة التشاؤمية، هو أننا كنا ننتظر اللقاح فإذا بنا نتوصل بأول حالة من الكوفيد 20 !ومع ما نتابعه في شمال المتوسط من حملة أخرى من الحجر الصحي في العديد من البلدان الأوربية رداً على الموجة الثالثة من الفيروس، فإن الإنهاك العام من حالة الطوارئ التي نعيشها في المغرب تكاد تقضي على طاقة التحمل بالنسبة للمواطنين وتدفع للرهبة من مدى قدرة البلاد على المزيد من تحمل الآثار الاقتصادية لأي انتشار وبائي جديد قد يفرض حجرا صحيا محتملا في أي وقت.

وبغض النظر عن المشاكل الموضوعية التي تفرضها الجائحة على العالم، فإن الذي نتابعه في بلادنا يدفع إلى ضرورة المساءلة حول تدبير محاربة الوباء بصفة عامة، وضرورة التسطير في هذه المساءلة على قصة اللقاح الذي يعتبر عنوانا لاستثناء مغربي بطعم المرارة. فبعد أن فرضنا حجرا مبكرا يتساءل الخبراء اليوم حول ضرورته في الثلاثة أشهر الأولى لدخول كورونا، ثم التدبير السيء للخروج من الحجر الذي لا يتنازع عليه أحد، وصلنا إلى فيلم اللقاح السوريالي. فقد تم تنسيق حملة تواصلية معتبرة مفادها أن بلادنا ستكون من أوائل الذين سيتوصلون باللقاح، وكان هناك اجتماع على مستوى السلطة العليا بالبلاد، وربما سيكون هذا هو الاجتماع المعمم الأول في العالم بخصوص بداية الاستعدادات اللوجستيكية لحملة تلقيح وشيكة، وسارت الأصوات ترتفع للتهليل لهذا الإنجاز إلى الحد الذي جعل جزءا من الرأي العام يتشكك في موضوع اللقاحات تشكيكا مختلفا عما جرى في دول كثيرة في العالم وعلى رأسها فرنسا، فالتشكيك المغربي كان له سبب عجيب متمثل في سؤال مشروع: كيف لبلدنا المتواضع الإمكانيات أن يكون أول بلد في العالم سيلقح مواطنيه؟ وحتى إن لم تكن هذه هي الرسالة التي أراد توجيهها التواصل الرسمي، إلا أن الحماسة والزيادة في العلم جعلها تصل هكذا، وفي رمشة عين أصبحنا الحليف الاستثنائي للجمهورية الصينية الشعبية التي قيل إنها ستميزنا عن العالمين، وارتفعنا ثم ارتفعنا إلى أن سقط كل شيء من عالٍ، واكتشفنا أننا كنا في خدعة كبرى. يبقى فقط أن نتساءل من خدع من؟ وهو تساؤل مشروع إلا أنه لا يعفينا من تسجيل هذا الجنوح الأثير لـ«تسبيق العرس بليلة» قبل أن يتحول إلى مأتم للتباكي حول الحظ العاثر.

لابد في مثل هذه النوازل أن يؤدي المسؤولون الثمن، لا أن يضيفوا إلى ما جرى أطنانا من الكلام الذي لا يوقف فيروسا ولا يطمئن خائفا ولا يحضر لقاحاً، وكأن تدبير الجائحة قدر وليس فعل بشر.

العمود الثاني الذي تعلق عليه آمال المغاربة مربوط ما بين مدينة الداخلة المغربية والعاصمة واشنطن، وفي هذه يعتبر تسبيق العرس بليلة محموداً، لأننا في معركة جزء منها تواصلي، وهي معركة كسبنا فيها أشياء وازنة ملموسة، فهناك إعلان رئاسي أمريكي يعترف بالسيادة المغربية على أقاليمنا الجنوبية، وهناك زيارة لأول مرّة وبشكل رسمي لنائب كاتب الدولة في الخارجية والسفير الأمريكيين إلى العيون والداخلة، وهناك قنصلية افتتحت بشكل افتراضي وأخرى تقرر في الداخلة أنها ستخرج للوجود قريباً، وهذا كلّه يعتبر بدون تضخيم منعطف القرن في قضية الصحراء المغربية.

ولأن كل هذا التحول جاء في نهاية ولاية رئيس مثير للجدل، فإن وضعية هذه المكتسبات المغربية تبقى في حاجة إلى تثبيت من طرف الإدارة الجديدة التي يقودها جو بايدن، وهناك رأي راجح يقول إن الإدارة التي ستمسك بزمام الأمور اليوم، لا مصلحة لها في تغيير الوضع مع شريك تاريخي وحليف استراتيجي كالمغرب، وأن تطبيع المغرب مع إسرائيل ضمانة لعدم نكث العهد، إلا أن هناك رأيا آخر يدعو إلى التريث و الحذر، ويستحضر كون ما قام به دونالد ترامب في أيامه الأخيرة بالبيت الأبيض من رعونة قد يرخي بظلاله على كل القرارات التي اتخذها بما فيها المتعلقة بصحرائنا.

والمشكل في هذه القضية التي تشغل الرأي العام، أن المغاربة الذين استطاعوا من خلال مسؤوليهم أن ينتزعوا هذا المكسب المعتبر، يستكثر عليهم البعض حقهم في التوجس والسؤال والحذر، بل يريد البعض أن يتعامل معهم بنوع من الحجر وهم راشدون قادرون على التمييز، أحرار في آرائهم وتقديراتهم ومن حقهم على وطنهم أن يضمن لهم احترام ذكائهم. والخطير في هذا المنحى هو بروز نوع من التكفير السياسي الذي يصنف الناس في النقاش حول قضية الصحراء بالخصوص إلى وطنيين وغير وطنيين، في حين أن الوطن للجميع والتكفير مدان سواء أكان دينيا أو سياسيا.

يجب أن نستمر في العمل وكأن الاعتراف الأمريكي سيبقى أبداً ونستمر في العمل أكثر وكأن هذا الاعتراف سيرفع غداً، لأننا في كلتا الحالتين محكوم علينا بمواصلة المعركة على كل الجبهات الأممية والإفريقية والأوربية والداخلية. وكيفما كانت المكتسبات أو النكسات فإن الصحراء ستظل مغربية بقوة واحدة تعلو على كل القوى، وهي الجبهة الداخلية المتراصة. وهذه القوة تصبح نووية إذا كانت مبنية على الحقيقة والحرية والحق في المساءلة حول التدبير الذي لا يفسد للثوابت تجذرها في الوجدان الشعبي.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق