ما الذي يجري في المملكة؟

باسم الله وأول كلمات هذا العام أن نطوي صفحة 2020 بأقل الأضرار، وأن ندعو العلي القدير للطف في ما سيأتي بعد هذه الجائحة الكاسحة، وأن يلهم المسؤولين الرشد وسداد الرأي وحسن الخاتمة. إن الذين يهدوننا هذا الجزء من وقتهم لقراءة هذه الكلمات يبحثون بالطبع عن أجوبة تشفي حرارة الأسئلة التي تغطي سماء المملكة كما تغطى […]

نور الدين مفتاح [email protected]

باسم الله وأول كلمات هذا العام أن نطوي صفحة 2020 بأقل الأضرار، وأن ندعو العلي القدير للطف في ما سيأتي بعد هذه الجائحة الكاسحة، وأن يلهم المسؤولين الرشد وسداد الرأي وحسن الخاتمة.

إن الذين يهدوننا هذا الجزء من وقتهم لقراءة هذه الكلمات يبحثون بالطبع عن أجوبة تشفي حرارة الأسئلة التي تغطي سماء المملكة كما تغطى السحب زرقة السماء، واسمحوا لي أن أصارحكم بحقيقة أمرنا في هذه الظروف المدلهمة، لقد تظافرت عوامل معقدة لتعطينا واقعا عصيا على التفكيك وأهم سؤال فيه هو: لماذا تلعب المملكة المغربية على المستوى الخارجي في البطولة العالمية وتلعب على المستوى الداخلي في البطولة المحلية؟ لماذا نسجل في الفعل الإقليمي والديبلوماسي بصمات الكبار ونسجل في الفعل الداخلي تردد المتواضعين؟

الكثير من الملفات الصغيرة يتم النفخ فيها في الشهور الأخيرة، والمغرب دبّر أكبر منها بكثير بضجيج أقل وأريحية أكبر. وإذا أطللنا على أنفسنا فقط دون حاجة إلى المقارنة بالآخرين، فسنجد أننا ننجح بشكل باهر في تدبير ملفاتنا الحساسة في الداخل بأقاليمنا الجنوبية على الرغم من وجود مجاهرين بالانفصال ومعتنقين لأطروحات البوليساريو وفاعلين عضويين في الجبهة، ورغم ذلك ظلت الدولة المغربية مترفعة بتمييزها بين حرية الرأي والمسؤولية على الفعل الجرمي، وهذا المستوى من الأداء يوجد في نفس مرتبة الأداء على مستوى تدبير قضية الوحدة الترابية التي لم يسبق أن حققنا فيها مثل هذا التقدم إلا في المسيرة الخضراء.

لهذا أعتقد أن هناك شيئا غامضا لا يسعفنا في تقديم أجوبة عما يجري في بعض الملفات، خصوصا وأن صلابة المؤسسات في المغرب لا يتنازع عليها عاقلان. والقضية في المغرب لم تعد خلال أكثر من عشرين سنة من حكم الملك محمد السادس هي المنازعة في النظام، ولكن أصبحت هي الرهان على تنزيل ما تم اعتناقه في بداية العهد الجديد من تصور للمغرب المتجدد من خلال توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة وتقرير الخمسينية ووصولا إلى دستور 2011 بما يمكن إجماله في جملة واحدة هي إنجاح الانتقال الديموقراطي.

إن القضية الديموقراطية في المملكة ليست شعاراً أجوف أو سلعة مستوردة أو مسألة طارئة على البلاد. هذه قضية مركزية قبل استقلالنا، ومن يقرأ وثيقة المطالبة بالاستقلال التي احتفلنا بذكرى توقيعها بداية هذا الأسبوع سيجد فيها هذه الديموقراطية كصنو للتحرير، وقد يندر أن تجد في ثلاثة أجيال من النخب التي ما تزال على قيد الحياة ومن مختلف المشارب اليوم من لم يؤد الثمن من أجل توسيع الهامش الديموقراطي، والمعركة ما تزال مستمرة وإن كانت تتغير كما يتغير النهر الذي لا يمكن أن نستحم فيه مرتين!

وعندما نتحدث عن المعركة فإنها ليست سياسية فقط، ولكنها ثقافية أيضا ومجتمعية إجمالا. إننا بالقليل كنا نتحدث عن الاستثناء المغربي، وكنا نتوق إلى خلق صورة النموذج المغربي في بلد يستطيع أن يزاوج بين الديموقراطية الغربيّة والتقاليد المرعية. إن مجرد التوليفة التي أوجدناها في الدستور تنبئ عن اجتهاد مغربي لمرحلة من التاريخ مبدعة وخلاقة، ولكن التطبيق محك لحسن النوايا، ونحن الآن نوجد في قلب تحول يبدو أنه يسير بدون تجاذب. هناك صمت عام ناجم عن عدم فهم ما يجري خصوصا في سياق جائحة تزامنت مع انقلابات في المعطيات الإقليمية والدولية، إلا أن الأمل قائم في أن ما يجري هو مجرد قوس فتح لأسباب طارئة وسيغلق ليعود طابع العهد الجديد إلى الطريق العادي الذي يجري فيه التدافع الراقي من أجل التهام المزيد من المسافات في اتجاه الحلم الديموقراطي بكل حمولاته السياسية والتنموية والاجتماعية.

لا يمكن أن ننكر أن هاجس الدولة خلال سنوات مضت كان هو خطر الإسلام السياسي، وإذا كانت المؤسسات الأمنية قد حققت نجاحات كبيرة في محاربة الإرهاب باسم الدين بعد الضربة الجبانة لـ 2003 فإن الدولة ظلت تتعامل بنفس طويل مع إسلاميي الرفض للمسلسل، ولكنها تعاملت بتوجس أكبر مع إسلاميي المؤسسات على الرغم من أن هؤلاء ظلوا يبذلون مجهودات خارقة من أجل بناء جسر الثقة مع الدولة وهذا ظل يصطدم بتهم خصومهم لهم بالتقية ومحاولة التغلغل في مفاصل الدولة من أجل الاستحواذ عليها يوما ما.

وعلى الرغم من هذا المعطى ـ الذي لم يتغير ـ في العجز الواضح في ميزان الثقة، فإن هؤلاء الإسلاميين حكموا إلى جانب الملك عشر سنوات كاملة لحد الآن على الرغم من أن أنهاراً جرت تحت الجسر، وتحولت أحلام الربيع العربي إلى كوابيس وأفل نجم الإخوان المسلمين والبقية معروفة. والسؤال المطروح اليوم على المتتبعين والمعنيين أنفسهم الذين صاروا بلا شك في عداد المتتبعين أيضا هو هل هناك إشارة سماح بأن يواصل إسلاميو المؤسسات قيادة الحكومة في حالة ما إذا فازوا بالانتخابات؟

تفصلنا عن الانتخابات القادمة أقل من سنة، والعدالة والتنمية عرف تصدعات داخلية أكبر وأعمق من بضع أعضاء وعضوات استقالوا هنا وهناك، وقد عاش هذا الحزب امتحان عمره السياسي عندما وقع أمينه العام كرئيس للحكومة على الإعلان الثلاثي لتجديد التطبيع مع إسرائيل في نفس الطاولة مع صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، جاريد كوشنير ورئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي مائير بن شبات، زد على ذلك أن السلطة كبيرة كانت أم صغيرة تأكل من صاحبها ومن همته ومن شعبيته، وهذا يزيد في بلد بإمكانيات محدودة واحتياجات اجتماعية لا محدودة، ولهذا لن يكون العدالة والتنمية الذي حصل على 107 مقعداً في 2011 و125 مقعدا في 2016 هو البيجيدي في 2021 إلا أن كل حظوظ أصحاب اللحى المشذبة يستمدونها من ضعف خصومهم السياسيين، وبالتالي يرجح كثيرا احتمال تصدرهم نتائج الانتخابات المقبلة بفارق بسيط عن منافسيهم، وآنئذ سيصبح الأمر بيد الحكم الأسمى من خلال تفعيل القراءة السياسية المناسبة للفصل 47 من الدستور.

هذا بالنسبة للانتخابات، أما الإرادة السياسية في الاستمرار بهذه التركيبة فإنها غير مستبعدة خصوصا إذا لاحظنا أن الشراسة التي كان يواجه بها البيجيدي في مثل هذا الوقت قبيل انتخابات 2016 ليست هي نفسها التي نقف عليها اليوم، إضافة إلى أن تجاوز امتحان التطبيع مع إسرائيل من طرف الإسلاميين الحكوميين كان ورقة وازنة في كفة احتمال التَّعايش معهم لولاية أخرى، وحتى المنافسين الشرسين الذين تم تهييئهم لمواجهتهم خفت صوتهم وعلى رأسهم التجمع الوطني للأحرار، وبالتالي فإن الجواب على السؤال الأول في هذه الورقة المتعلق بتفسير ما يجري في ملفات لا علاقة لها بالدينامية الخارجية للمملكة يستبعد جدّا أن تكون له علاقة بالتسخينات للانتخابات، وهذا الاستبعاد وللأسف لا يقربنا من فك لغز ما يجري بقدر ما يبعدنا عن إمكانية قراءة طلاسيمه.

لم تقفز المملكة المغربية إلى الأمام في تاريخها إلا في اللحظات التي تتخذ فيها القرارات الشجاعة باتجاه الديموقراطية والحقوق. ولكن لابد أن نسجل أن التاريخ ليس خطا مستقيما، فالصعود والنزول من طبيعة الأشياء. وبالتالي قد يسعف أن نستبدل البحث عن الجواب باستنهاض الرجاء في أن نكون مع الجائحة وبها قد فتحنا قوساً سيغلق قريباً وتتم الإفراجات والانفراجات ليتعبأ الجميع من أجل القضايا الحقيقية للمغاربة وهي العدالة الاجتماعية والكرامة والحرية.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق