دزينة خواطر على هامش نهاية سنة

لا تحتاجنا هذه السنة لنخلد بعض مآثرها. ستظل سنة القرن المطبوعة على الجبين بجبروتها الذي لم نهزمه لحد الآن. هي أقوى من عام البون مغربيا ومن الطاعون تاريخيا، هي بطلة للأحزان ورشاش من الأهوال، ولذلك لا يطاوعني القلم أن أربط 2020 بأي شيء إلا بالإسراع بدفنها وقراءة بعض الخواطر على قبرها غير آسف على رحيلها […]

نور الدين مفتاح [email protected]

لا تحتاجنا هذه السنة لنخلد بعض مآثرها. ستظل سنة القرن المطبوعة على الجبين بجبروتها الذي لم نهزمه لحد الآن. هي أقوى من عام البون مغربيا ومن الطاعون تاريخيا، هي بطلة للأحزان ورشاش من الأهوال، ولذلك لا يطاوعني القلم أن أربط 2020 بأي شيء إلا بالإسراع بدفنها وقراءة بعض الخواطر على قبرها غير آسف على رحيلها وهذه بعض الترنيمات:

1ـ حصدت كورونا إلى حدود كتابة هذه السطور ما يقارب المليوني قتيل عبر العالم، اضطروا أن يدفنوا بلا جنائز تليق بألم الفراق ولا قبضة يد في غرفة إنعاش تخفف الاحتضار، ولهؤلاء جميل العزاء.

2ـ حصد منجل الموت ببلادنا لحد الآن سبعة آلاف وثلاثمائة تقريبا من أخواتنا وإخواننا، منهم من ترك يتما في بيته ومنهم من ترك يتما في جميع البيوت، وقد شوت كورونا أكبادنا على كبار منهم نور الدين الصايل المعلم وصلاح الدين الغماري المحبوب وإدريس أوهاب الخلوق ومحمد الوفا الوازن، وغيرهم كثيرون ازدادت بهم فداحة الخسارة وهول المصاب.

3ـ بادر المغرب إلى حجر صحي مبكر تم التصفيق له، قبل أن يتحول الاستثناء المغربي إلى ارتباك في تدبير الخروج من هذا الإغلاق الشامل، لأن البلاد مهما أعطت الأسبقية للحياة على الاقتصاد فإن هذه الحياة بلا اقتصاد لا يمكن أن تكون حياة، إلا أن دروس الجائحة كانت مخيفة: ما يقارب الـ 25 مليون مغربي يعيشون تحت عتبة الفقر، وأكبر قطاع في المملكة هو القطاع غير المهيكل! هذا هو الواقع الذي لم تستطع لا مندوبية التخطيط ولا المراصد الرسمية والحكومية أن تشخصه إلى أن شخصه الڤيروس، وهذا مؤلم.

4ـ كل الإجراءات التي تم الإعلان عنها لمعالجة الأزمة الاجتماعية الهيكلية بضخ ما يناهز 120 مليار درهم في الاقتصاد وتعميم التغطية الصحية في 2022 مهمة، والأهم منها هو النجاح في تنفيذها واعتبارها بداية للاقتراب من العدالة الاجتماعية وليست نهاية للأحزان.

5ـ خلال الحجر، تم تكبير صورة الفوارق بين مغربين، مغرب أقلية تملك ما يمكنها من رغيد العيش ومغرب افتقاد الحد الأدنى للكرامة الإنسانية. ملايين اكتشفوا حقيقة أوضاعهم التي كانوا يهربون منها كل صباح إلى أرض الله الواسعة، واضطروا إلى الاختباء من الڤيروس وهم مكدسون في غرف ضيقة وبلا مصدر رزق، اللهم إلا المساعدات التي قدمها صندوق كورونا والتي لم تستطع أن تطفئ لهيب التوتر العائلي الطبيعي في ظروف الحشر وليس الحجر.

6ـ بدأت النخبة في بلادنا تطرح أسئلة باذخة حول عالم ما بعد الجائحة في إطار تفاؤل ساخن منتزع من جوف الظلام، وأجمعوا على أن المنعطف سيكون تاريخيا بين ما كناه وما سنصيره، إلا أنه مباشرة بعد الحجر ـ وليس بعد الجائحة- طال الصدأ الأسئلة، وترهلت الأجوبة وعاد الإنسان فينا إلى تدبر هذه السلط التي تقيد العالم، وكيف أنها عصية على الاستشراف.

7ـ الخوف الطبيعي من المغادرة وغريزة البقاء دفعتنا إلى التوحد في إطار عولمة جديدة هي الكمامات والتباعد الجسدي والحد من حريات التنقل والتجمع، والإمساك عن ضروريات الحياة العاطفية من حرارة السلام إلى دفء العناق إلى لهيب القبل. ولكن هذا الحرص على الحياة لم يترجم في ساحات معارك أخرى غير معركة الڤيروس، واستمرت الحروب والمؤامرات ولصوصية الأقوياء ضد الضعفاء في عالم تقوده بعد الله المصالح العليا للقوى العظمى.

8ـ اختلف العلماء حول الڤيروس التاجي، وتزعزعت آخر قلاع اليقين بعد وقوف العلم عاجزا عاريا، إلا أن الوصول إلى لقاح في ظرف قياسي لأول مرة في تاريخ البشرية استطاع ترميم شقوق جدار العلم، وتم التسطير على الدرس الذهبي بمداد الفخر: الإرادة السياسية وتسخير الإمكانيات الهائلة والتعبئة العالمية قادرة على تطويع المستحيل بالبحث العلمي.

9ـ بعيدون نحن عن البحث العلمي في بلاد مستسلمة بشكل غريب لواقع أنها لن تلحق الركب أبدا في هذا المجال، ولكن المفارقة التي لا يفهمها المغاربة هي كيف أن المغرب بلد شبه قاحل في هذا المجال فيما العلماء المغاربة يتألقون في الخارج، من منصف السلاوي إلى رشيد اليزمي إلى عدنان الرمال إلى سمير مشور إلى كوثر حفيظي إلى كوثر بوبكار، وغيرهم كثيرون في الأركان الأربعة للكرة الأرضية يقودون البحث في مجالات الفضاء والنووي والطب والنانوتكنولوجيا. أما آن لهذا البلد أن يهيئ بيئة لاستعادة علمائه كما فعلت دول أخرى أقلعت بأدمغتها؟

10ـ لن ينسى العالم أفضال الجيش الأبيض علينا ولا فضائل الاعتراف بهؤلاء الملائكة الذين كانوا يحاربون في جحيم الكوفيد 19 حيث كان الناس في أكثر من عاصمة يقفون في ساعة محددة للتصفيق للطبيب والطبيبة والممرض والممرضة تصفيقا مستحقا، وربما هو مستحق أكثر لمن هم هنا في بلاد محدودة الإمكانيات ومعطوبة التدبير لقطاع الصحة المنكوب.

11ـ غريب! نساء ورجال الصحة في القمة والقطاع في الحضيض؟! مفارقة لا يمكن أن نجيب عنها إلا بنتائجها الواضحة للعيان، وبسمعة هذا المرفق التي لا يتناطح عليها عنزان، ورغم هذا استمرت مع الجائحة المأساة والحروب الداخلية بين الوزير والمدير والمندوب والرئيس وهلم تفاهات في مواجهة تحدّ خطير، واسألوا أصحاب الوزرات البيضاء فكلامهم يدمي ونسب الإدمان والانتحار في صفوفهم ارتفعت وحتى من يريد أن يستقيل فكأنه يبحث عن المستحيل.

قلنا من قبل إن أسئلة الحجر ذابت بعد رفعه، فرجاء الحفاظ على سؤال واحد للغد على الأقل وهو هذه الصحة العمومية التي يجب أن تخرج من هذا الدهليز وأما الصحة في القطاع الخاص فعنوانها الجشع.

12ـ رغم هول ما عشناه، لم يحدث الانهيار. وحتى في بلد متواضع الإمكانات كبلدنا لم نصل إلى حدود طبع المزيد من الأوراق البنكية على الرغم من ارتهاننا للمزيد من الديون. ولكن الحفاظ على توازن هش في الاقتصاد محمود في مواجهة جائحة عاتية، إلا أن الانهيار الحقيقي هو الذي يتهدد الإنسان في قيمه وسموه ورقيه وتمتعه بالمواطنة والعدالة والحرية، وهذا ورش المملكة المفتوح على تدافع قوي نتمنى أن يحسم لما يستحقه المغاربة الأحرار.

سنة سعيدة لكل الأحباء، أو لنقل أقل سوءاً، فاللهم إنا لا نسألك رد القدر ولكن نسألك اللطف فيه.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق