شهادة وزير تونسي أسبق..يوم حزن محمد الخامس بعد اختطاف زعماء الثورة الجزائرية

– حاوره: رضوان مبشور

أحمد ونيس هو واحد من أشهر الدبلوماسيين و السياسيين في تونس المعاصرة، علما أنه من مواليد أواخر شهر يناير من العام 1936، يبلغ اليوم من العمر 84 سنة، مما يعني أنه كان شاهدا على أحداث مفصلية من تاريخ دول المغرب العربي التي يعرفها جيدا.

شغل أحمد ونيس عددا من المناصب الحساسة، على غرار سفير تونس في العاصمة الروسية موسكو و سفيرا لبلاده في عاصمة الهند نيودلهي، و بعد تقاعده من السلك الدبلوماسي أعلن معارضته لنظام زين العابدين بن علي، و بعد الثورة شغل مجموعة من المناصب الوزارية الحساسة، بداية بتعيينه كاتب دولة للشؤون الخارجية في الحكومة التي شكلها محمد الغنوشي ثم وزيرا للشؤون الخارجية.

في الجزء الرابع لهذا الحوار الذي قبل أحمد ونيس إجراءه معنا بدون تردد، يحلل ضيفنا بعمق كبير و جرأة أكبر أسباب اختيار المغرب الانفتاح إلى إسرائيل، و يقول إن ما دفع المغرب لذلك هي الجزائر التي تريد تفتيته، كما يقلب معنا بعض صفحات التاريخ ليروي مجموعة من الأحداث المفصلية التي طبعت منطقة شمال أفريقيا بعد استقلالها من الاستعمار الفرنسي، حيث سعت الجزائر لفرض الخارطة الاستعمارية التي سطرتها فرنسا، و قامت بإسقاط نظام المختار ولد دادة في موريتانيا و نفذت عملية قفصة في تونس و أخذت منها صحراءها الغربية، و حاولت كذلك السيطرة على الصحراء المغربية.

+ ما دمت تتحدث اليوم لجريدة مغربية، أنا أعرف أن لك ذكريات كثيرة مع المغرب و طرائف و لقاءات. هل تتذكر بعضا منها ؟

يا أخي، أنا أقدر الملك الراحل محمد الخامس، لما زار تونس في أكتوبر من العام 1956 لملاقاة القيادة الجزائرية المقاومة آنذاك ضد الاستعمار الفرنسي و مقابلة الحبيب بورقيبة، غير أن الاستعمار الفرنسي اختطف الطائرة التي كانت تحمل ضيوف الملك و جعل منهم أسرى، فكان حزن الملك محمد الخامس آنذاك كبيرا و لا يوصف، و أنا أذكره و كنت شاهدا عليه مباشرة. كان الأمير الحسن واعيا بالقضية، لأنه قبل السفر من المغرب إلى تونس كان الزعيم حسين أيت أحمد أشار إليه و قال له إنصح والدك ألا يأخذ معنا نفس الطائرة لأن الجيش الفرنسي خبيث وقد يضر بجلالة الملك بسببنا، و طلب منه أن يتوجه الملك محمد الخامس إلى تونس في طائرة مستقلة على أساس أن يلتحق به الوفد الجزائري المكون من قيادات الثورة الجزائرية.

لما وقع ما وقع (اختطاف الاستعمار الفرنسي للطائرة الجزائرية) تذكر الأمير الحسن ما قاله له الزعيم الجزائري حسين أيت أحمد، و أدرك حكمته، وقال الأمير: أيت أحمد نجانا من عملية خبيثة كانت ستمس بهمة محمد الخامس في سنة استقلال المملكة المغربية. الأمير الحسن يومها أخذ درسا عظيما في الغدر من الاستعماريين و سعى بعد توليه العرش أن يتفهم كل ما كان يحتاج فرحات عباس، بعدما قررنا في طنجة، في أبريل 1958، أن تقوم حكومة باسم الجمهورية المؤقتة الجزائرية حتى نساعدها في كسب الاعترافات العالمية، و حتى تتكلم بشكل موحد بصوت جزائري واحد. الحسن الثاني كان ركنا من أركان هذه الدعوة لقيام حكومة مؤقتة باسم الجمهورية الجزائرية و سعى مع رئيسها فرحات عباس ووقع معه بيانا مشتركا حتى يتم تأجيل قضية الحدود الاستعمارية المنزلة على المملكة المغربية إلى ما بعد استقلال الجزائر، و فرحات عباس كان موافقا، لكن الجنرالات الذين قضوا على فرحات عباس غدروه، و هم أنفسهم من قضوا على حقوق الشعب الجزائري و حقوق جيران الجزائر.

إقرأ أيضا: وزير خارجية تونس الأسبق لـ”الأيام”: الجزائر دفعت المغرب إلى التعجيل بـ “التطبيع”

و هكذا فالحسن الثاني كانت له دروس عميقة جدا في سياسة الاستعمار و سياسة الجنرالات الجزائريين و أكد له التاريخ ما تحسب له، و هو من صرح في أوائل الثمانينات قائلا: “لن أتأخر في الانضمام إلى حلف الأطلسي لو وجب الدفاع عن سلامة الأراضي المغاربية”، و هو لم يكن في حاجة لحلف الناتو، لأن دول الناتو أعانوا المملكة المغربية في شقائها أمام العدو الذي يريد ابتلاع أراضي المملكة.

إقرأ أيضا: وزير خارجية تونس الأسبق: بورقيبة استسلم لتوسع الجزائر في الصحراء والحسن الثاني واجهها

اليوم فهم الملك محمد السادس ما يمكن أن يواجه به العدو، فسلاح محمد السادس اليوم ليس حلف الناتو و إنما حماية الولايات المتحدة الأمريكية في مجلس الأمن، هذه دروس الحسن الثاني و هذا النضج التاريخي كان وصية من ذلك الملك العظيم الذي لم يركع أمام العدو، بعدما كان يعتبره أخا مخلصا، غير أنه اكتشف أنه أخ غادر، بعدما غدر شعبه و غدر جيرانه و غدر كلمة الشرف التي أطلقها فرحات عباس باسم الحكومة الجزائرية متكاملة آنذاك، هم غدروا كل شيء، غدرونا في تونس و غدروكم في المغرب، كما غدروا سابقا موريتانيا بعدما أطاحوا بنظام المختار ولد دادة.

+ ما نحن متأكدين منه أن الشعب الجزائري بدوره يريد توحيد المغرب العربي عكس نظامه العسكري ؟

نعم، أنا بدوري متأكد أن اتحاد المغرب العربي هو أمنية للشعب الجزائري كذلك، لكن الرماد تراكم على الحقائق التي أَلَّمَتْنَا في تونس و أَلَّمَتْكم في المغرب وهم يجهلونها. الجنرالات هناك عذبوا الشعب الجزائري وهم أيقظوا من ظلمات دامت عشرات السنين و قضوا على ذلك النظام.

إقرأ أيضا: وزير خارجية تونس الأسبق: لا نقبل بمغرب 6 دول و لا نقبل بالهيمنة الجزائرية

اليوم يجب أن نرفع اللثام عن تلك المظالم و على الشعب الجزائري أن يدرك حقيقتها، فهم لا يزالوا تحت ضغوطات الجنرالات الذين يخفون عنهم مجموعة من الحقائق، و نحن نكن لهم الأخوة المخلصة و التقدير العميق و المحبة، ومن المؤكد أنهم سيستعيدوا العنفوان في بناء المغرب الكبير الموحد و المخلص و الأخوي.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق