فصل المقال في ما بين الصحراء وفلسطين من مكتب اتصال

الحدث كبير. وطبيعته حساسة. وتدبيره ثقيل. والسبب مفهوم لأنه مرتبط بقضيتين تحتلان موقعا خاصا في وجدان المغاربة، وهما الصحراء المغربية وفلسطين. ولابد أن أعترف أولا أن طريقة إخراج هذا الحدث المزدوج كانت تتسم بالإتقان من حيث الشكل، وبالحرفية الديبلوماسية، وبتقديم صورة عن مغرب يحسن حتى في القضايا الخلافية اللعب قدر المستطاع بما يليق بوضعه وتاريخه وعلاقته بوحدته الترابية من جهة، وبالصراع في الشرق الأوسط من جهة أخرى.

نور الدين مفتاح [email protected]

 

الحدث كبير. وطبيعته حساسة. وتدبيره ثقيل. والسبب مفهوم لأنه مرتبط بقضيتين تحتلان موقعا خاصا في وجدان المغاربة، وهما الصحراء المغربية وفلسطين. ولابد أن أعترف أولا أن طريقة إخراج هذا الحدث المزدوج كانت تتسم بالإتقان من حيث الشكل، وبالحرفية الديبلوماسية، وبتقديم صورة عن مغرب يحسن حتى في القضايا الخلافية اللعب قدر المستطاع بما يليق بوضعه وتاريخه وعلاقته بوحدته الترابية من جهة، وبالصراع في الشرق الأوسط من جهة أخرى.

 

 

ولنبدأ بالقضية الأيسر، وهي اعتراف دونالد ترامب في إعلان رئاسي باسم الولايات المتحدة الأمريكية بالسيادة المغربية على الصحراء، وقلت الأيسر لأن قضية الصحراء هي قضية إجماع إرادي للأمة حول وحدة تراب الوطن، وبما أن النزاع المفتعل في الصحراء جعل المغرب بالنسبة للقانون الدولي يمارس الإدارة على الإقليم وليس السيادة، فإن ثقل هذا الاعتراف في الميزان هو بمثابة منعطف تاريخي بلا منازع. وحتى مع الأخذ بعين الاعتبار وضع الرئيس الأمريكي الذي وقع مرسومه في نهاية ولايته، أو إمكانيات إعادة النظر في قرار كهذا من طرف إدارة واشنطن الجديدة، فإن ما جرى يبقى ضربة معلم، وشيئا لم يكن أكثر المتفائلين يتوقعه، وبالتالي فهو واحد من المفاجآت السارة التي سيكون لها لا محالة ما بعدها.

 

 

وحتى لا نفسد لهذه المكاسب الوطنية الكبرى معانيها العميقة بنوع من البهرجة السطحية والمتصابية أحيانا، فلابد أن نقول إن هذا الاعتراف الأمريكي بسيادتنا على الأقاليم الجنوبية ليس نهاية للنزاع، فلكي نحس بقيمة المكتسبات لابد أن نتعامل مع المغاربة بلغة الحقيقة، وإلا كيف سيتسنى أن يفرح المغربي البسيط بمثل هذا الاعتراف الوازن إذا كنا نقول له منذ 4 عقود ونيف أن للمغرب شهادة سيادة على أقاليمه الجنوبية في «المحافظة العقارية» الأممية؟

 

 

اليوم يجب أن نؤكد أن قضيتنا ما تزال في الأمم المتحدة، والمينورسو ما يزال متواجداً بالعيون عاصمة الصحراء المغربية، والمغرب كدولة محترَمة ومحترمة لالتزاماتها الدولية مازالت منخرطة في مسلسل التسوية الأممي حتى وإن تحللت منه البوليساريو، وستستمر في ذلك مع اختلاف كبير هو أنها في هذه «المحكمة» الأممية سيكون موقفنا اليوم أقوى بكثير، فلا علاقة لوضع الصحراء المغربية اليوم في البيت الأبيض، بوضعها قبل سنوات عندما كانت ممثلة الرئيس أوباما بالأمم المتحدة سوزان رايس تدعو إلى توسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في أقاليمنا الجنوبية، ولا بوضعها عندما كان جون بولتون مستشار الرئيس ترامب يدفع باتجاه الضغط على المغرب بتقليص التجديد لمهمة المينورسو لستة أشهر بدل سنة.

 

 

إن الولايات المتحدة الأمريكية هي حاملة القلم في قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بالصحراء، وإذا كرّست الإدارة الأمريكية الجديدة ما وقعه الرئيس ترامب، فإننا سنكون في وضعيّة أريح بكثير من السابق، وستكون لمشروع الحكم الذاتي حظوظ أكبر ليكون المنطلق الوحيد للتفاوض حول حل دائم وعادل للقضية الصحراوية.

 

 

لابد أن نشير إلى أن هذه أول مرّة تعترف فيها دولة غربية وازنة بسيادتنا على الصحراء بشكل رسمي وقانوني، وهذا لم يحصل حتى من أقرب أصدقائنا وداعمينا لمدة عقود في المنتظم الأممي وعلى رأسهم فرنسا. والمغرب يتفهم الموقف الفرنسي بالنظر إلى تشعبات علاقاته مع الجار الجزائري، إلا أن دولا وازنة أخرى قد تتبع ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية، وكل هذا لا يمكن أن نسميه انتصارا للمغرب، لأن منطق هزيمة الخصم في مثل هذه النزاعات لا ينهيها أبداً، ولكن نسميه اقترابا من الحل العادل والمتعادل لقضية لا يمكن أن تقوم للشراكة من أجل تنمية الشعوب المغاربية قائمة إلا بطي صفحتها وعودة إخواننا من المخيمات إلى بلادهم وانتخاب حكومتهم في الصحراء وتدبير شؤونهم في إطار أبعد من الجهوية الموسعة، وهو الحكم الذاتي. وما دامت ستبقى هناك راية مغربية ترفرف في سماء العيون فكل شيء قابل للمناقشة في مملكة ستكون بإغلاق هذا الملف أكثر تقدما وازدهاراً ودمقرطة وافتخارا بلم الشمل والتئام الجراح.

 

 

إننا نعيش منعطفا تاريخياً لابد أن نحافظ عليه ونعمل على إقناع أعضاء آخرين وازنين في الدائرة الذهبية لمجلس الأمن. وها هي قنوات قد فتحت مع الصين قبل سنوات أثمرت شراكة غير مسبوقة قد تتحول إلى ثمار سياسية يمكن أن نجنيها في الصحراء، وحتى روسيا كحليف تقليدي للجزائر منذ عهد الحرب الباردة، ورغم موقفها المعارض للولايات المتحدة الأمريكية في خطوتها الأخيرة، فإنها يجب أن تبقى هدفاً لديبلوماسية مغربية أبانت بكل موضوعية أنها تلعب بمستوى الكبار.

 

 

وأما المنعطف الأهم الذي ينتظره المغاربة في هذه المعركة الديبلوماسية الحامية، فهو التمكن من إخراج ما يسمى بالجمهورية الصحراوية من الاتحاد الإفريقي، فلا يعقل أن تكون هناك دولة غير معترف بها من طرف الأمم المتحدة ولا من طرف أكثر من 160 دولة في العالم تجلس في واحدة من أكبر المنظمات الإقليمية كدولة بدون مقومات الدولة. هذا العبث يجب أن ينتهي لأننا في الأمم المتحدة نتحدث مع البوليساريو وليس مع جمهورية! وإذا كانت هناك من دولة نتنازع معها وهي وراء الستار فهي الجزائر، وفي الجزائر وحدها مفتاح الحل لكل هذا التوتر الذي يكبل المنطقة منذ نصف قرن.

 

 

وأما القضية الثانية فهي الأصعب، ولا أدل على ذلك أن بلاغ الديوان الملكي نفسه بذل مجهودا في تطريز الإعلان عن إعادة فتح مكتب الاتصال الإسرائيلي بالمغرب، بل تم بعد اتصال جلالة الملك بدونالد ترامب، اتصال مباشر مع الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس، ووردت جمل في مضمون المكالمة أظن أنها صادقة ومشحونة بعواطف ومواقف قوية خصوصا عندما تقول أن «المغرب يضع دائما القضيّة الفلسطينية في مرتبة قضية الصحراء المغربيّة»، لتضيف أن «عمل المغرب على ترسيخ مغربيتها (الصحراء) لن يكون أبدا، لا اليوم ولا في المستقبل، على حساب نضال الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه المشروعة».

 

 

ودعوني أبسط رأيي المتواضع في هذا الملف الصعب كما يلي:

 

 

1ـ أعتقد أن إحياء تطبيع المغرب مع إسرائيل هو إحياء المضطر لا إحياء المبتهج، ولا أدل على ذلك من كرونولوجيا تعامل المغرب مع الضغوطات في هذا الملف منذ أن أغلق مكتب الاتصال الإسرائيلي في سنة 2000 بسبب قمع الانتفاضة الثانية، إلى رفض استقبال نتنياهو في دجنبر 2019 حين زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى الرباط وما بينهما كثير.

 

 

2ـ الدولة المغربية كانت أكثر استحياء من بعض متطرفي التطبيع في بلادنا ومنهم «حزب» محبي إسرائيل والأمازيغاويين وكارهي الفلسطينيين فقط لأنهم عرب ومسلمون، وهؤلاء يجاهرون بأن فلسطين ليست قضيتهم وبالتالي يسيئون إلى المملكة الشريفة إما لأسباب عرقية ممجوجة أو انتهازية صغيرة أو هما معا وبئسها تجارة.

 

 

3ـ لا داعي لاجترار التاريخ الطويل لارتباط المغاربة وجدانيا بالقضية الفلسطينية، فهذا ارتباط مازال مستمرا وسيظل دفينا مهما توالت الأجيال وتراكمت الانكسارات، وبالتالي فقد يتفهم الكثيرون إكراهات المغرب في قضاياه المصيرية ولكن لن تكون أبداً لإسرائيل شعبيّة في المغرب ما دامت دولة احتلال متمادية في التشريد والتقتيل والضم والإجهاز على مجرد حلم دولة فلسطينية في ما تبقى من أراض بعد هزيمة 1967.

 

 

4ـ ارتباط المغاربة عبر العالم بالعرش له طابع خاص، واليهود المغاربة في إسرائيل لهم نفس الارتباط، وكانوا دائما يزورون بلدهم الذي لم يطردهم منه أحد، خصوصا أن المغفور له محمد الخامس كان قد وفر لهم درع الحماية. وهؤلاء بشر، فيهم الطيب وفيهم السيء، وضمنهم دعاة سلام مرموقون كما فيهم متطرفون يمينيون متعصبون. وعلى الرغم من ذلك فهم دائما يجدون الباب مفتوحاً لبلدهم سواء أكان هناك مكتب اتصال إسرائيلي أو لم يكن.

 

 

5ـ لقد فتح الراحل الحسن الثاني مكتب الاتصال الإسرائيلي سنة 1994 وذلك في غمرة توقيع اتفاقيات أوسلو التي كان هو أحد مهندسيها، وتم إغلاق هذا المكتب بعد الغطرسة الإسرائيلية في قمع الانتفاضة الثانية سنة 2000 وبالتالي، علينا أن نفهم أن تجديد التطبيع اليوم مع دولة الاحتلال له أسباب وطنية معلنة مشروطة بالتزامات مغربية معلنة أيضا في السعي إلى حل الدولتين، وحين تتغير المعطيات قد يغلق هذا المكتب أو السفارة لأن فلسطين قضية المغاربة دولة وشعباً رغم اختلاف التقديرات في التعامل معها.

 

 

6ـ تحز في النفس طريقة التعامل مع الراغبين في التعبير السلمي عن رفضهم للتطبيع ومنع وقفة رمزية لهم أمام البرلمان ومضايقة الشيخ الوقور عبد الرحمان بنعمرو والمناضل الشريف المغربي اليهودي سيون أسيدون، وتخوين آخرين في الوقت الذي تم فتح مكتب الاتصال أول مرة في منتصف التسعينيات في مغرب يغلي، ولكن كانت للشارع حرية الانفجار السلمي وليس التعبير فقط ،وكانت المعارضة قوية والملك يفاوض من أجل تناوب توافقي وكانت الدولة تقوم بما تراه في مصلحة البلاد، والشارع يعبر بالملايين عن مواقفه القوية بلا حدود إيديولوجية. فهل يجوز أن نحن إلى منتصف التسعينيات ونحن في2020؟ هل يليق بهذا الأداء الجيد ديبلوماسيا أن يقابل بهذا الضيق غير المبرر إطلاقا من حرية التعبير مع أن الكثير من المياه قد جرت تحت جسر قوة الأحزاب وتوهج النخب؟

 

 

7ـ سبق أن كتبت هنا أن إهانة المغرب هي حشره في معمعة موجة تطبيع جرت بشكل أقل ما يقال عنه أنه مثير للسخرية بحيث تم توقيع اتفاقيات سلام مع دول لم يسبق أن كانت لها أي حرب مع إسرائيل، ولا أي يهودي يحمل جنسيتها ولا أي دور بارز في قضية الشرق الأوسط التي جرت جل منعطفاتها العلنية والسرية في المغرب. وأعتقد أن ما جرى في تجديد التطبيع المغربي حافظ على هذه المكانة للبلاد، فلا اتفاقية سلام ولا طاولة توقيع ولا إعادة فتح مكتب اتصال مجاني ولا احتقار للفلسطينيين. لهذا يجب أن تبقي المملكة مترفعة بقبولها الاختلاف في المجتمع حول قضية لن يكون حولها أبداً إجماع مغربي ما دام الاحتلال مستمرا، وهو الاختلاف الذي يجب أن يسمح به في الشارع وفي الإعلام العمومي أيضا وهذا أضعف الإيمان.

 

 

8ـ كيفما كانت المبررات لموجة التطبيع العربي اليوم مع إسرائيل، مع الاختلافات التي ذكرناها، فإنها تدل على شيء يتجاهله محبو إسرائيل عن قصد، وهو أن هذا الكيان المزروع في قلب العالم العربي تؤلمه المقاطعة العربية الإسلامية العلنية ويوُجعه العداء الشعبي لغطرسته وجبروته، وإلا لماذا تجعل إسرائيل من التطبيع همّاً تصرف عليه من المال والجهد ما لا يتصور وتعتبر كل إعلان عن علاقة علنية مع دولة من دولنا بمثابة عيد؟ إن حبنا الهادر لنضال الشعب الفلسطيني من أجل قضيته العادلة سلاح قوي لا يعرفه شعراء الهزيمة ومؤذنو التشفي.

 

 

9ـ لنحذر! إسرائيل قوية بسلاحها النووي ودعم الولايات المتحدة الأمريكية واللوبي اليهودي عبر العالم، ولكن قوتها داخليا تستمدها من ديموقراطيتها، وإذا كان من شيء يجب علينا أن نتماهى فيه مع إسرائيل فهو هذه الديموقراطية بالضبط التي يبدو أن تل أبيب لا تستسيغها إلا داخلها، أما في الخارج فالديموقراطية خطر عليها.

 

 

10ـ أنا وجدانيا وإنسانيا ضد التطبيع وأتفهم إكراهات السياسة، ولا أسمح لنفسي أن أحجر على الرأي المخالف حتى ذلك الذي يستفزني، كالأمازيغاوي الذي يقول إن تجديد التطبيع المغربي انتصار له والذي ننشر رأيه في هذا العدد، وما أتمناه هو ألا تكون الخطوة المغربية مجالا للاحتفاء لأن ظروفها ليست هي ظروف 1994، فأمريكا نقلت سفارتها إلى القدس واعترفت بسيادة إسرائيل على الجولان الذي سقته الدماء الزكية للشهداء المغاربة في 1973. والذي يجب أن يكون مجالا للاحتفاء والاحتفال هو ما ربحناه في قضيتنا الوطنية العادلة. ولكن الربح الدائم في القضايا العادلة هو أن نكون معها جميعها وإن اضطررنا للانحناء مرّة فليكن حكم المضطر، ولا نخب يرفع إلا للقضية الوطنية والقضية الفلسطينية.

مقالات مرتبطة :
تعليقات الزوار
  1. نعم التحليل ،و نعم الموقف. اشاطرك الرأي مائة في المائة

اترك تعليق