عمقنا الموريتاني

علاقتنا مع موريتانيا هي التعقيد نفسه، وكم كان التاريخ ظالما لأقرب بلدين لبعضهما البعض ضمن البلدان المغاربية جميعها. وفي هذه الأيام التي تشتعل فيها أطراف ثوب العلاقات المغربية الجزائرية المرقعة، تبدو في الأفق بشائر انفراج في العلاقات بين الرباط ونواكشوط. وقد كانت أزمة الكركرات بمثابة دفعة في اتجاه تعزيز حظوظ هذا الانفراج، لأن إغلاق المعبر الحدودي هو خنق لموريتانيا أساسا، وبالتالي فالمصلحة توافقت مع المنطق والتزمت نواكشوط الحياد الإيجابي في أهم عملية قامت بها الدولة المغربية ميدانيا في الصحراء منذ 30 سنة، لتصبح لنا حدود مباشرة مع الجارة الجنوبية عقب تأمين المعبر من طرف القوات المسلحة الملكية.

نور الدين مفتاح [email protected]

 

علاقتنا مع موريتانيا هي التعقيد نفسه، وكم كان التاريخ ظالما لأقرب بلدين لبعضهما البعض ضمن البلدان المغاربية جميعها. وفي هذه الأيام التي تشتعل فيها أطراف ثوب العلاقات المغربية الجزائرية المرقعة، تبدو في الأفق بشائر انفراج في العلاقات بين الرباط ونواكشوط. وقد كانت أزمة الكركرات بمثابة دفعة في اتجاه تعزيز حظوظ هذا الانفراج، لأن إغلاق المعبر الحدودي هو خنق لموريتانيا أساسا، وبالتالي فالمصلحة توافقت مع المنطق والتزمت نواكشوط الحياد الإيجابي في أهم عملية قامت بها الدولة المغربية ميدانيا في الصحراء منذ 30 سنة، لتصبح لنا حدود مباشرة مع الجارة الجنوبية عقب تأمين المعبر من طرف القوات المسلحة الملكية.

 

 

وقبل هذه الانعطافة في مجريات النزاع المفتعل حول الصحراء الغربيّة، كان وصول الرئيس محمد ولد الغزواني إلى سدة الحكم إيذانا بنهاية عشرية سوداء في العلاقات بين بلدينا، بسبب مزاج الرئيس محمد ولد عبد العزيز على الرغم من أن الرجل درس بالمغرب وتخرج منه ومتزوج من مغربية، ولكن للسياسة وجوها ودروبا عصية على التحليل أحيانا والتوقع.

 

 

اليوم عينت موريتانيا سفيرا لها بالرباط بعد سنوات من شغور المنصب، وسبق للقصر الرئاسي الموريتاني أن رفض التصديق على تعيين قنصل مغربي على عهد ولد عبد العزيز الذي كان يطالب الرباط برأس رجل أسرار إفريقيا ورجل الأعمال المرموق والسياسي الموريتاني البارز مصطفى الإمام الشافعي، إلا أن الرباط كانت تحترم ما سبق أن قدمته لهذا المعارض للرئيس المنتهية ولايته من لجوء سياسي، وقد عاد الإمام قبل أسابيع إلى نواكشوط.

 

 

كل هذا توج بمكالمة هاتفية بين الملك محمد السادس والرئيس ولد الغزواني مع الإعلان عن زيارة قريبة للعاهل المغربي لموريتانيا، ولكن هذه ليست نهاية سعيدة لفيلم معقد في العلاقات الحساسة بين جارين، بل هي بداية تتطلب الكثير من الكياسة والتفهم ودعم المجهودات السياسية بقوة مجتمعية أعتقد أنها مفتقدة اليوم.

 

 

لنكن صرحاء، إننا في المجتمع المغربي نتعامل بنوع من الاستعلاء مع الإخوة الموريتانيين، وفي اللاشعور مازال هذا الموريتاني الأبيّ جزءا من الإمبراطورية الشريفة، وفي الثقافة لا نهتم بما تنتجه بلاد شنقيط روحا وهي رحبة المليون شاعر ولا علاقة لنا بأخبارهم ولا أحوالهم الاجتماعية ولا آلامهم، ولا نعرف تفاصيل حياتهم السياسية إلا ما يتعلق منها بالعلاقات مع المغرب، والكثيرون منّا لا يلجمون أقلامهم عندما يتحدثون عن الموريتانيين في وقت الأزمات، والكلمة السيئة عند بعضنا سهلة النزول عند كل خلاف، وهذا يقع في نفس الموريتاني وقع الجرح في الفؤاد.

 

 

وعلى العكس من ذلك، فإن أبعد نظام منّا وهو الجزائر، نعرف عن أحواله وعن أهواله كل التفاصيل ونعرف دهاليز السياسة الجزائرية ونتواجه مع الجزائريين الذين يضعون أنفسهم في خطوط المواجهة بنوع من الندية نسقطها في تعاملنا مع الموريتانيين.

 

 

وإذا كان التاريخ جزءا من مكونات الإنسان، فإنه لا يجب أن يجعلنا رهينة لشياطينه. صحيح أن المغرب ظل يطالب بموريتانيا، وكانت له وزارة للشؤون الموريتانية بعد الاستقلال، وكان من أواخر من اعترف باستقلال هذا البلد، وكان الوطنيون وعلى رأسهم الراحل علال الفاسي من المتطرفين في المطالبة بهذا البلد لأسباب رهينة بسياقاتها. ولكن، عندما تخرج الأمور من هذه السياقات فإنها تصبح قنابل موقوتة قابلة للانفجار وقتما حرّكها متهور أو متنطع. وربما هذا ما جرى مع حميد شباط عندما عنّ له ذات صباح أن يتشبّه بعلال الفاسي في زمن غير الزمان ويعلن أن موريتانيا مغربية وهو أمين عام أقدم حزب سياسي في المغرب. وهذه الصبيانية كانت بمثابة هدايا مجانية للجزائر والبوليساريو ومن سار في ركبهما.

 

 

نحن دولة مستقلة تتعامل مع دولة مستقلة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة وقد اقتسمنا معها الحلو والمر، وكان هناك رؤساء أصدقاء للمغرب كولد داداه التي اقتسمنا معه صحراءنا المغربية سنة 1975 قبل أن نسترجعها، وهناك رؤساء كانوا أعداء للمغرب كولد هايداله، صرفنا معهم الأمور، ولكن تبقى موريتانيا هي جارنا الجنوبي الذي لا يمكن أن نغيِّره، ولماذا سنغيره وشعبه طيب ويرى في المغرب نموذجا للتنمية والتطور.

 

 

والغريب أننا مباشرة بعد أن لاحت بشائر هذا الانفراج بيننا بدأنا ندبج مقالات الاستحسان، ولكن ما إن استقبل الرئيس ولد الغزواني ما يسمى وزير خارجية البوليساريو حتى أقام البعض الدنيا ولم يقعدها في جهل تام لحقائق الأمور ولنواميس السياسة. فموريتانيا لم تخرج من وادي الذهب إلا بعد أن وصل البوليساريو إلى القصر الرئاسي بنواكشوط، ولولا طلب الحماية العسكرية الفرنسية لانهارت موريتانيا. وكما قال وزير الإعلام الموريتاني الأسبق ولد الأمين لجريدتنا، فإن فرنسا قبلت المساعدة على التراب الموريتاني ولم تقبلها على الصحراء، وانسحبت موريتانيا واستمرت الضغوط من الجزائر في بيئة وعرة وصعبة. والواقع الذي ورثه الرئيس الحالي هو أن بلاده تعترف بما يسمى بالجمهورية الصحراوية، ونحن منذ دخولنا الاتحاد الإفريقي تخطينا الخط الأحمر الذي كان يحكم علاقاتنا مع الدول بين من يعترف ومن لا يعترف بهذه الجمهورية غير العضو في الأمم المتحدة، ووقعنا واحدة من أكبر الشراكات في إفريقيا مع القوة الثانية في القارة السمراء وهي نيجيريا وهي تعترف بالجمهورية الصحراوية المزعومة، فلماذا سنقف عند موريتانيا في هذا الموضوع؟

 

 

هذا غيض من فيض الخواطر الذاتية حول موضوع العلاقات المغربية الموريتانية الذي لا يجب أن يبقى مشدودا على حبال العلاقات بين الدول، بل يجب أن يهبط إلى المجتمع وأن نفتح أذرعنا لإخواننا هناك لنعرفهم أكثر ويعرفوننا أكثر، فالسياسات تتبدل وتتغير وما يبنى في الوجدان بين شعبين شقيقين يبقى ويدوم، بل ويؤثر على السياسة التي فرقتنا كثيرا ونتمنى أن تجمعنا اليوم وإلى الأبد حول الأخوة والمصالح المشتركة والندية والاحترام المتبادل.

 

 

فتحية عالية للسدة الموريتانية.

مقالات مرتبطة :
تعليقات الزوار
  1. احمد ببا

    عندما كنت طالبا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط درس معي موريطانيون .سألت ذات مرة أحدهم عن شعورهم كموريطانيين إزاء كل من المغرب و الجزائر، فكان جوابه صريحا :نحن الموريتانيين نشعر اننا أقرب إلى المغرب من الجزائر. هذا شعور عند غالبية الشعب.

اترك تعليق

إقرأ أيضاً