48 ساعة بالعيون

حصل نفس الشيء في ماي 2016. فجأة، انتقل الأمين العام للأمم المتحدة حينها بان كي مون إلى بئر لحلو، واستعرض بعض الحرس التابع لما يسمى بالجمهورية الصحراوية، وأكد أن المغرب دولة محتلة! لم يعرف المغاربة أي ذبابة لسعت السيد الأمين ولكنهم عرفوا أن هذه من صنف الحماقات التي لا يمكن السكوت عنها.

نور الدين مفتاح [email protected]

 

 

حصل نفس الشيء في ماي 2016. فجأة، انتقل الأمين العام للأمم المتحدة حينها بان كي مون إلى بئر لحلو، واستعرض بعض الحرس التابع لما يسمى بالجمهورية الصحراوية، وأكد أن المغرب دولة محتلة! لم يعرف المغاربة أي ذبابة لسعت السيد الأمين ولكنهم عرفوا أن هذه من صنف الحماقات التي لا يمكن السكوت عنها.

 

 

نحن وبلا تردد، قررنا في الفيدرالية المغربية لناشري الصحف أن ننتقل إلى الصحراء المغربية حيث عقدنا اجتماعا استثنائيا لمجلسنا الفيدرالي وأسسنا فرعا للأقاليم الجنوبية للناشرين المغاربة، وأصدرنا بلاغا يعبر عن المواقف الثابتة للصحافة المغربية: يمكن أن نناقش أي شيء في تدبير القضية الوطنية داخليا وخارجيا ولكن الذي لا يمكن أن يكون محط نقاش هو سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية!

 

 

نحن في شتاء 2020 المسيج بجائحة كورونا، والبوليساريو التي أنهكها العناد والانتظار تحاول أن تستدرج المغرب لشيء يعيد هذا النزاع إلى منصة الاهتمام الدولي، وكان معبر الكركرات المدرج الذي لم تقلع منه طائرة الأحلام الانفصالية، وقصة التدخل الجراحي للقوات المسلحة الملكية معروفة. قررنا وبلا تردد في مكتبنا التنفيذي أن نطير إلى العيون عاصمة الصحراء لنعيد التأكيد على ما يملأ دائما وجدان المغربي في علاقته مع قضيته الوطنية، وهكذا نزلنا في مطار الحسن الأول في ليلة باردة طقسا ودافئة بلقاء أحبائنا في الصحراء.

 

 

كنا أربعة أجيال من ناشري الصحف، مختلفين في التجارب والمنابر والتصورات والخطوط التحريرية وحجم المقاولات ومدن الصدور والإقامة، ولكن قدر للصحراء أن تجمعنا في نهاية هذا الأسبوع الاستثنائي بكل المقاييس. وأجمعنا ونحن في بيت الشاب الكريم ماء العينين حيث تناولنا العشاء، على أن هناك خطاً واحدا مشتركا يخترق الأجيال والتنوع وهو الوطن. هذا لم يكن يحتاج إلى كلمات لأن أي كلمات هي أضعف من أن تحمل أثقال هذا الشعور بالانتماء.

 

 

انبلج الصباح على قناعاتنا الوحدوية الراسخة، وحاولنا أن نجمع من مواقفنا ما يفيد التأكيد بالتكرار، وعانقنا إخواننا الناشرين بالصحراء وغردنا جميعا نفس اللحن. هذه الصحافة الوطنية لها تاريخ ولها بصمة خاصة، فالآباء المؤسسون تعاملوا مع الصحافة كسلاح ضد المستعمر ثم كسلاح بالكلمة السامية من أجل الديموقراطية والتحرر والتنمية. في هاته الصحافة كان عبد الرحيم بوعبيد مثلا يكتب رافضا للاستفتاء الذي سجن من أجله وبالتالي كانت الدولة أكثر مرونة من المجتمع آنذاك في القضية الوطنية، كذلك كانت العلم وغيرها. كانت الصحافة المغربية شرسة في كل شيء، في المعارضة وفي الوطنية، ولا يمكننا كجيل أن ننسى كيف أن الصراع السياسي بين القصر والمعارضة كان في أوجه ولما أعلن عن المسيرة الخضراء كان أول المناصرين لها معتقلون سياسيون ومنفيون ومعذبون. هذه عقيدة: نحن نعبد الله ونموت من أجل الوطن كاملا غير منقوص!

 

 

نحن لسنا غفلا، ولذلك لم نندفع لرقصة انتصار عسكري في معبر حدودي مغربي. إن القوات المسلحة الملكية قامت بتدخل غير حربي وهي أكبر من أن تتواجه مع 60 من المدنيين المدفوعين، ولكن العملية ثقيلة في الميزان. فلأول مرّة منذ افتعال هذا النزاع وعودة الصحراء بعد اتفاق مدريد سنة 1975 ثم الدخول إلى وادي الذهب سنة 1979، تصبح لنا حدود مباشرة مع موريطانيا بلا منطقة عازلة ولا مينورسو. هذه رسالة إلى من يهمهم الأمر بأن الجدار الدفاعي الحالي ليس حدودا، ولكنه جدار صمود وانتظار، وحتى إن كنا في صحرائنا، فإذا استمر الاستفزاز فالرد سيكون بتحريك الجدار! لهذا تحركنا إلى الصحراء، ولهذا تحركت القوى الحية بالبلاد إلى الأقاليم الجنوبية، ولهذا تفاعل المنتظم الدولي بهذا الشكل الذي أبهر المغاربة وصدم الخصوم هناك.

 

 

ورغم كل شيء، وفي الصباح ذاته، كان أفراد من بعثة المينورسو بقبعاتهم الزرق يتناولون فطورهم في نفس المطعم بجانبنا. إنه إحساس بالغبن، ولكن هذه التزامات المغرب الدولية، وهذا تنبيه للغافلين بأن المعركة مستمرة على جميع الجبهات بما فيها جبهة الإعلام.

 

 

عندما لا تكون طبول الحرب تصم الآذان وتؤجج النيران، يكون السلاح الأول في المواجهات هو الإعلام، وكنا واعين بأن هذا هو الذي يجري في أيام الله هاته، فقد تجند جزء كبير من الإعلام الجزائري للهجوم على المغرب ووصل الأمر إلى حدود تأسيس جمعية صحافة جزائرية للدفاع عن الانفصال! كان رد الناشرين المغاربة مترفعا، لقد وجهنا نداء إلى زملائنا في الجزائر للالتزام بحرمة الكلمة وشرف المهنة والدفع بالوحدة بدل التمزيق وبالواقعية بدل الأوهام وتبقى يدنا ممدودة ولكن أقلامنا مجندة لدحض التزييف والتضليل.

 

 

ما نقوله للآخر نقوله لأنفسنا كذلك، نحن أصحاب قضية عادلة، ويجب على هذا الإعلام المغربي أن يكون في مستوى قضاياه ومستوى ماضيه ومستوى طموحات المغاربة. يجب أن نعلي شرف الكلمة ونرتقي بالأداء ونتكاثف لمحاربة الدخلاء والملطخين لسمعة المهنة والأفاقين وتجار المآسي والآلام. هذه الهوامش موجودة، وهي ليست قضية مهنية تعالج في إطارها فقط، بل هي قضية الجميع لأنها شيء يسيء للدفاع عن القضايا الوطنية وعلى رأسها قضية الوحدة الترابية.

 

 

إن الإعلام الذي يعول عليه كي يتصدى للدعاية الانفصالية يجب أن يكون قدوة ومثالا أو أن يصبو إلى ذلك على الأقل، فنحن لسنا ملائكة ولكن لا يجب أن نكون تافهين.

 

 

هذه الصحافة الموجودة في الخطوط الأمامية لابد أن تكون قوية بمواردها وبثقة المجتمع فيها وباستقلاليتها وتعدديتها، فتعزيز المكتسبات الديموقراطية هو بمثابة تقوية للمناعة ضد الانفصال سواء الترابي أو الوجداني.

 

 

هذه الصحافة لابد لها من نموذج اقتصادي منقذ ليس عبر الدعم العمومي الضروري فقط، ولكن عبر تيسير شروط نمو مقاولاتها ومواردها البشرية على السواء. هذه الصحافة لابد لها من أذرع جهوية قوية بدل أن يكون الحال هو صحافة جهوية منكوبة ومنها الصحافة في الأقاليم الجنوبية. إنهم يقومون بعمل جبار في ظروف جد صعبة وهذا لا يجب أن يستمر إلى ما لا نهاية.

 

 

لا اشتراطات في الوطنية ولكن بلادنا، من طنجة إلى الكويرة، يمكن بما لديها أن تقوم بما هو أحسن إذا خلصت النيات في التغيير من أجل التقدم باتجاه واحد هو كرامة المغاربة، وما هذا على المغرب بعزيز.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق