أوراق مغربيّة في دفاتر البيت الأبيض

في المغرب، برز خلاف قوي حول آثار خروج دونالد ترامب من البيت الأبيض على بلادنا، وظهر مرّة أخرى تقاطب حاد بين من يقول إن أمريكا تبحث عن مصالحها ولا علاقة لنا بها ولا لها بنا، ومن يقول إن الهامش الديموقراطي قد وضع بين قوسين مع ترامب، والآن مع بايدن سيعود كمحدد في العلاقات الخارجية لواشنطن وبالتالي فإن بلادنا ستتأثر به.

نور الدين مفتاح [email protected]

 

مهما كان اختلاف الناس حول تقييم الانتخابات الأمريكية الحالية عموما، وخلافهم حول آثارها عليهم، فإن الإجماع حاصل حول عظمة هذه الديموقراطية المبهرة. هي بالقطع ليست مثالية أفلاطونية ولكنها كآلية تدبير للمشترك تبقى ملهمة.

 

 

قدمت هذه المباراة الحامية الوطيس فرجة عالمية ضاجة بالمضامين الدالة والاستيهامات والإسقاطات والتشويق الذي يليق بالقوة الأولى في عالم اليوم. لن يختلف أكثر من مليار من البشر في الأركان الأربعة للكرة الأرضية الذين تابعوا المبارزة بين بايدن وترامب على لذاذة ما عاشوه، وعلى جمال الديموقراطية الفتّان، ولو أن المغاربة يقولون «حتى زين ما خطاتو لولة» ولكن يجب أن يكون هناك «الزين» أولا وبعد ذلك مرحبا بـ«اللولات».

 

 

في المغرب، برز خلاف قوي حول آثار خروج دونالد ترامب من البيت الأبيض على بلادنا، وظهر مرّة أخرى تقاطب حاد بين من يقول إن أمريكا تبحث عن مصالحها ولا علاقة لنا بها ولا لها بنا، ومن يقول إن الهامش الديموقراطي قد وضع بين قوسين مع ترامب، والآن مع بايدن سيعود كمحدد في العلاقات الخارجية لواشنطن وبالتالي فإن بلادنا ستتأثر به.

 

 

ولاشك أن نفس هذا النقاش، وربما الهواجس، يُخيم على شعوب بلدان أخرى وحكام دول وطموحات جماهير، مما يزيد في التأكيد على أن الانتخابات الأمريكية ليست انتخابات محلية فقط ولكنها انتخابات عالمية، وأن تعدد الأقطاب بعد 30 سنة على انهيار جدار برلين لم يزحزح أمريكا عن قمرة القيادة في ضبط التوازنات الدولية.

 

 

لا يكن القول إن التغيير في الولايات المتحدة الأمريكية لا يؤثر على المغرب وإلا سنكون سذجا لأسباب عديدة أجرد منها ما يلي:

 

 

1- المغرب ككل دول العالم يتأثر بمحيطه، فهو أقرب مثلا إلى الاشتراكيين في إسبانيا من اليمين، وأقرب إلى اليمين في فرنسا من الاشتراكيين. ومع كل انتخابات تكون وضعية الرباط أحسن مع أصدقائها فما بالنا بالولايات المتحدة الأمريكية.

 

 

2- لقد جاءت الديموقراطية في أمريكا سنة 2016 برئيس غير مسبوق في اندفاعه الرهيب وتصوره للعالم كبورصة أسهم يتصايح فيها الناس لينتزعوا المغانم، وبرحيل ترامب سيحس بالتحول القطب المتجمد وليس فقط دول في محيط إقليمي حساس تتأثر بالضرورة باتجاهات القوى العظمى.

 

 

3- كل الملفات التي سيطالها التغيير لا محالة للمغرب علاقة مباشرة أو غير مباشرة معها، ومنها قضية المناخ ونحن احتضننا «الكوب 22» بمراكش الذي تم فيه ترسيم اتفاق باريس قبل أن ينسحب منه ترامب، وها هي أمريكا بايدن ستعود إليه. ونحن فاعلون في قضية الشرق الأوسط ونرأس لجنة القدس ولا أعتقد أن القضية الفلسطينية ستعيش أياما أسوأ مما عاشته مع ترامب وصهره كوشنير، كما لا أعتقد أن المشرق العربي بكل تعقيداته في الخليج من جهة وتركيا وإيران من جهة أخرى ستستمر في الرقص على نفس الإيقاع، ونعرف أن المغرب نأى بنفسه عن المنطقة هناك ولابد أنه راجع في ظروف أحسن.

 

 

4- لم يكن خافيا أن كوشنير مارس ضغوطات رهيبة من أجل انخراط العرب في صفقة القرن المذلة التي جرت مسلسل تطبيع مجاني وممجوج، وأعتقد أن هذا الأمر انتهى الآن وسيعود نتنياهو إلى ما كان عليه على عهد أوباما كمعارض للبيت الأبيض، على الرغم من أن 60٪ من اللوبي اليهودي بالولايات المتحدة الأمريكية صوتت لبايدن!

 

 

المغرب ظل متشبثا بثوابت سياسته اتجاه القضية الفلسطينية، ودوره التاريخي لا محالة سيتعاظم في هذا الملف مع عودة الإدارة الأمريكية إلى دائرة الراعي للسلام الميال لإسرائيل بدل موقف الطرف في النزاع مع ترامب.

 

 

5- عدم انسياق الرباط إلى التقاطب في الخليج عموما وحصار قطر خصوصا وخروجه المبكر من حرب اليمن سيجعل منه فاعلا متزنا ومتوازنا في المنطقة، فالطموحات الجامحة لدول خليجية في الهيمنة الإقليمية تحت مظلة ترامب لن تستمر بالقطع.

 

 

6- بيت القصيد بالنسبة للمغاربة هو قضيتهم الوطنية الأولى المتعلقة بالوحدة الترابية، ويروج أن الديموقراطيين كانوا دائما أقسى على المغرب من الجمهوريين، وهذا جرى مع إدارة أوباما، إلا أنه جرى أيضا مع إدارة ترامب عندما تكلف مستشاره المتطرف بولتون المنحاز ضد المغرب بتصريف قرار عدم التمديد للمينورسو إلا ستة أشهر للضغط على بلادنا، وكان من حسن حظ الرباط أن ترامب لم يضع ضمن أولوياته مثل هذه القضايا، بل كانت الأمنية ألا يلتفت إلينا رئيس هناك مشكلة إذا اتفقت معه فما بالك إذا اختلفت معه.

 

 

7- المغرب عبّد طريقا سريعا في ملف الصحراء يصعب العودة لكلاسيكيات إحراجه فيه، من مثل توسيع صلاحيات المينورسو لتشمل حقوق الإنسان أو شرعية استغلال ثروات الصحراء أو محاولة إشعال انتفاضة في الداخل أو الاستفزازات في المناطق العازلة.

 

 

لقد سدت الرباط فوهة الاتحاد الإفريقي المزعجة، وكسبت تكريس توجه مجلس الأمن الذي خرج من منطق الاستفتاء إلى منطق الحل السياسي المتوافق عليه، ويلعب بشكل جيد في قضية فتح قنصليات بالأقاليم الجنوبية، وهذا يجعله في موقف قوي لن يتأثر بالإدارة الأمريكية الجديدة إلا بشكل إيجابي ما دام سيكون هناك عقلاء بالبيت الأبيض وليس «كاميكاز».

 

 

8- نعم قضية الصحراء مطروحة في الأمم المتحدة كنزاع، وفي عرف الأمم المتحدة المغرب له الإدارة وليس السيادة، وهذا الملف مطروح في لجنة تصفية الاستعمار الرابعة، إلا أن هذه المسلمات التي يمكن كتابة العديد من التوضيحات على هوامشها لم تثن مجلس الأمن من تبني مقاربة واقعية هي التي تحكم الملف الآن، وقضيتنا ليست مع وضعيتنا في القانون الدولي ولكن مع صلابة جبهتنا الداخلية.

 

 

9- في المسألة الديموقراطية، هناك الكثير من المزايدات، فالمسلم به أن تطورنا تحكمه العوامل الداخلية بالأساس ولكن العامل الخارجي يبقى مؤثرا كعامل مساعد، وخصومنا في الصحراء يلعبون ورقة حقوق الإنسان، وسنوضع في امتحان مع الانفصالية أمينتو حيدر التي أسست جمعية باسم مستفز هو « مناهضة الاحتلال المغربي». إلا أن هذه الحرب مع الخصوم الانفصاليين في الداخل لا يمكن أن تعفينا من تطوير المكتسبات السياسية والحقوقية في بلادنا عموما والجنوب بالخصوص، أي المزيد من الدمقرطة والتنمية من جهة ومواجهة ابتزاز بعض النخب «الوحدوية» من جهة أخرى.

 

 

10- أمريكا دولة ديموقراطية متقدمة ونحن دولة في تحول ديموقراطي صعب نركب طريق النمو، وبالتالي لا يجب أن تكون عندنا عقدة الدفع بالمسلسل الديموقراطي إلى الأحسن والحفاظ على المكتسبات الحقوقية وتعزيزها والعمل على تفادي الارتدادات والتراجعات التي تعتبر لصيقة بمثل هذه الانتقالات الصعبة.

 

 

وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية مع الإدارة الجديدة ستدفع في هذا الاتجاه فمرحبا، إنها دولة عظمى تتعامل مع دولة مستقلة ذات سيادة، وكلتاهما تحركها مصالحها. وإذا كان ترامب يرى أن مصالح أمريكا في التحالف أو تقوية أنظمة مستبدة ككوريا الشمالية أو غيرها فقد يرى بايدن أن مصالح أمريكا في دعم التحول الديموقراطي في العالم ومناصرة حقوق الإنسان، هذه ليست فزاعة بل إنها فرصة قد تثمر أو لا تثمر.

 

 

11- هناك من يحمل هواجس دعم الديموقراطيين الأمريكيين للإسلام السياسي، ويجعلون منهم خصماً لخصومهم الإسلاميين! وهذا لا يعنينا هنا في المغرب ما دام أننا عشنا ربيعنا المغربي وقاد الإسلاميون الحكومة لما يناهز العشر سنوات بدون قطائع دراماتيكية. ولن «يسخن» بايدن مكانه حتى ستجدنا وقد دخلنا دائرة التوازن بين الفاعلين الحزبيين، بحيث أتوقع أن تكون القوة التمثيلية لأربع هيئات حزبية متقاربة في الانتخابات المقبلة وقد لا يكون أصحاب اللحى المشذبة على رأسها.

 

 

هذا غيض من فيض الدروس التي أرى أنه يمكن استخلاصها مغربيا من انتخابات أمريكية غير مسبوقة قوة وشكلا ومضمونا. وأولها وأساسها كما هو واضح من هذا الرأي المتواضع أننا، شئنا أم أبينا، متفاعلون مع محيطنا الدولي وأمريكا تؤثر فينا وإلا فإننا خارج المعادلة.

 

 

وكيفما كانت الأحوال، سيكون جو بايدن أحسن بكثير من دونالد ترامب. ببساطة لأن ليس هناك من يمكن تصور أنه أسوأ من الرئيس الساقط في الانتخابات، والعالم سيكون أفضل بدون ترامب.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق