الشيخ ماكرون حفظه الله

اليوم كان الرد الفرنسي على عمليات الإرهاب الجبانة هو إشعال النار في تلابيب مشاعر ربع البشرية المسلمين، ودفعهم إلى زاوية الإحراج، وتقديم الهدايا للمتطرفين ضد المعتدلين وإعطاء صورة سيئة عن فرنسا «قدوة» التنوير والعقلانية والحرية، وترسيم نظرية خطيرة في الواقع وهي حرب الحضارات، ورفع شعار بوش الأثير: إما معنا أو ضدنا! كل هذا مؤسف حد الجرح وأمامه تبدو دعوات مقاطعة المنتجات الفرنسية رد فعل عابر على جدار عازل هو في طور البناء، والقادم أسوأ والله أعلم.

نور الدين مفتاح [email protected]

 

هل كنا بحاجة إلى هذه النغمة الحزينة الإضافية لـ «حرب الدين» في خضم هذا الكورال الجنائزي الذي يطوقنا رعباً نحن وفرنسا والمسلمين والمسيحيين والمستهزئين والصارمين والمعتدين والمتطرفين؟ هل ترك لنا دمار جائحة كورونا متسعا نتناطح فيه ونوصل خلافاتنا إلى حافة القطيعة؟ ألسنا جميعا في خندق واحد مع الفيروس في هذه الحرب العالمية الثالثة غير المعلنة؟

 

 

الحال في الحقيقة يغني عن السؤال، ففي غمرة الموت الذي يغطي الكرة الأرضية ماتزال نزوعاتنا هي هي، والحرب من أجل السلطة تدوخ العقول، والتجاذبات السياسية نفسها وتزيد، بل إن الجائحة أصبحت جزءاً من اللعبة، وسلاحا سياسيا في الانتخابات، ولذلك لا نستغرب أن تطفو هذه القضايا الحساسة في وقت كان بالإمكان أن يعفينا البعض منها، وإن لم يفعل ألا يدخل على الخط مجانين الدين ليكسروا الجرة.

 

 

لا يمكن للإنسان أن يمنع إنسانا آخر من اختيار مواقفه وشكلها وسياقها لأن المقدس هو حرية التعبير، ولا يمكن أن نتدخل في هيئة تحرير صحيفة «شارلي إيبدو» إن هي اختارت العودة في زمن الجائحة إلى الاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولو أن تقدير العبد الضعيف لله أن هذه المبادرة سخيفة وتجووزت وضررها أكثر من نفعها، ولكن هذا يبقى موقفا شخصيا لا يمكن أن أرتب عليه في أقصى الحالات كمسلم إلا مقاطعة «شارلي إيبدو» وعدم الاطلاع على الإساءة أو التعبير عن استنكاري لها وانتهى الأمر. أما أن يكون رد الفعل هو حمل الكلاشينكوف وحصد أرواح هيئة التحرير كما حدث في المرة الأولى، أو قطع رأس أستاذ لأنه استعمل هذه الرسومات المسيئة في فصله الدراسي، فهذه حماقة لا تمثل الإسلام كدين فقط، ولكنها بربرية ضد الإنسانية ووحشية يقف قاموس الإدانة إزاءها عاجزاً من هولها.

 

 

إلا أن ما جرى بعد كل هذه الحماقات كان هو جر هذا الموضوع في فرنسا إلى الساحة السياسيّة جرّا، والخطأ الفظيع في نظري كان هو تبني الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمضمون الرسومات، ما ترتب عنه تبني الدولة الفرنسية للكاريكاتور المسيء للرسول صلى الله عليه وسلم، وقد كان صادما أن تتم إعادة بث بعض هذه الكاريكاتورات على بنايات رسميّة بشكل مكبّر، مما قلب القضيّة رأسا على عقب لتتجاوز كونها مجرد تعبير صحافي حدث حولهُ سجال، أو قرار لأستاذ أراد أن يشرك تلامذته في مناقشة أبعاد الواقعة المتشعبة والمرتبطة بعلاقة حرية التعبير باحترام الأديان، وعلاقة التدين بالعلمانية ومعنى التطرف وخلفيات انزلاق البعض إلى الإرهاب، وعلاقة الإسلام بالعنف، وهل هناك إسلام فرنسي ضمن إسلامات أخرى أم إسلام واحد، وهلم قضايا قد يكون الكاريكاتور نقطة جيدة للانطلاق منها في حجرة دراسية تتغيي استعمال العقل والتربية على حقوق الإنسان.

 

 

لقد سقط إيمانويل ماكرون في مصيدة الإرهابيين دون أن يشعر بذلك، وتصرف بتطرف مقابل لتطرف يريد أن يقضي عليه. لقد أساء لجميع المسلمين وكان الرابح من هذا الخلط هم المتطرفون أنفسهم الذين كانوا كمشة من الخوارج التكفيريين فأصبحوا مختلطين وراء مليارين من المسلمين الغاضبين اليوم عبر العالم من فرنسا ورئيسها، لأن الرئيس الذي لبس جبة الشيخ المفتي لم يحسن التسديد في الرد على الوحشية، وانساق وراء اليمين المتطرف الذي كان رأسماله منذ نشأته هو معاداة المهاجرين والعرب والمسلمين من جهة، والتطرف في التصدي لما يجرمه القانون الفرنسي وهو معاداة السامية من جهة أخرى.

 

 

كل الذين كانت تحفل بهم بلاطوهات التلفزيونات الفرنسية هذه الأيّام كانوا يجدون الكلمات بسلاسة لمواجهة الرئيس التركي رجب طيب أوردوغان الذي وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالمعتوه. كانوا يفككون الأوردوغانية وما يصفونه بأطماعها التوسعية الإقليمية وبالنزوعات الديكتاتورية للرئيس التركي وتبنيه للإخوان المسلمين وغير هذا كثير، ولكن عندما صدر بلاغ وزارة الخارجية المغربية الذي استنكر التبني الرسمي للكاريكاتورات المسيئة «التي تعكس غياب النضج لدى مقترفيها» وجدد التأكيد على أن «حرية الفرد تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين ومعتقداتهم» لم يجد المعلقون ما يقولونه سوى الاستغراب في أقصى الحالات، وهناك من وجد التبرير للموقف المغربي على أساس أن الملك هو أمير المؤمنين. وعموما كان الموقف المغربي بالنسبة لفرنسا أكثر إحراجا من الموقف التركي لأن الاستنكار من بلد معتدل باعتراف الجميع، وبلد موشح من طرف فرنسا نفسها في مضمار محاربة الإرهاب يعني أن ماكرون قد تجاوز الحدود، وأن الإساءة هي إساءة للإسلام وليس للمتطرفين أو الإرهابيين فقط.

 

 

لقد وجد المنتظم الأممي عقبات كبيرة في التوافق على تقنين مكافحة ازدراء الأديان، وبصعوبة جمة تبنى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في 2009 قرارا غير ملزم «لمكافحة إهانة وازدراء الأديان» إلا أن هذه كانت خطوة خجولة في اتجاه إيجاد توازن منطقي بين صون حرية التعبير وتحديد محظوراتها. فليست هناك حرية مطلقة وإلا ستكون مفسدة مطلقة، والمادة 29 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على الاستثناء في المس بحقوق وحريات الآخرين.

 

 

فلا يعقل أن تكون للبشر حصانة في هذا المضمار ولا تكون لمعتقداتهم نفس الحصانة في ما يتعلق بإهانتها وازدرائها، لأنها مس في الصميم لوجدان الناس. وهذا ما جرى ويجري مع هذه النغمة المكرورة المملة لكاريكاتورات الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي تحوّلت في أحايين إلى رأس مال للمتاجرة وأحايين أخرى إلى مزايدات سياسوية في سوق الانتخابات مع أن أعراضها الجانبية خطيرة ومدمرة.

 

 

إن العلمانية علمانيّات، وربما فرنسا وحدها من تتعامل مع هذه العلمانية بتشنج وأحيانا بتطرف، وتتهمنا أننا لا نفهمها وأننا في هذا العالم العربي الإسلامي مازلنا نعيش في القرون الوسطى. سابقاً كان المختلف والبعبع هو العربي واليوم تم تجاوز ذلك ليطال المسلم، وهناك عرب مسيحيون وعرب يهود وهناك مليار مسلم ويزيد من غير العرب، وهناك دول غالبيتها مسلمة ولكنها علمانية وهناك مذاهب واختلافات منذ قرون. ولكن لا يتمدد ولا يترسم ولا يستمر إلا الوسطي المعتدل، ولا يمكن أن ينمحي المتطرف من حواشيه، والأشياء تقاس بأضدادها.

 

 

وهناك في كل المجتمعات متطرفون دمويون، وما جرى في نيوزيلاندا في 2019 حرك مشاعر الإنسانية جمعاء حين دخل متطرف مسيحي مجنون بكلاشينكوف إلى مسجدين واصطاد مائة من المصلين نساء ورجالا وشيوخا وأطفالا قضوا عدا الجرحى، ولا أحد عمم ولا وضع دينا أو دولة أو نظاماً في قفص الاتهام.

 

 

قلوبنا مع ضحايا الإرهاب من أي جهة كانت، وقلوبنا أيضا مع ضحايا العنصرية والتطرف والعداء ضد الإسلام. هناك ستة ملايين مسلم اليوم في فرنسا أغلبيتهم مندمجون ويوجدون في كل فج مؤسساتي من الحكومة إلى البلديات، إلى معاهد البحث إلى المستشفيات إلى الجامعات إلى كبريات الشركات إلى مختلف المهن والمحن، وها هم اليوم موصومون فقط لأنهم مسلمون، وكأن ذلك المجرم الذي جز رأس رجل التعليم قام بجرمه البشع بتوكيل منهم ! يساء إليهم في عقر دارهم وهم مجبرون على الصمت لأن الموجة اليوم موجة عداء لكل من يقول إن الإسلام بريء من التطرف، وإن لمحمد صلى الله عليه وسلم مكانة خاصة عند المسلمين، فرجاء احترموا مشاعرهم.

 

 

وعلى ذكر عقر دارهم، فكل الفرنسيين من أي أصل كانوا هم فرنسيون في عقر دارهم إلا المسلمين! فالرئيس الأسبق ساركوزي من أصل مجري ورئيس الوزراء الأسبق مانويل فالس الذي يقطر عداوة للإسلام إسباني ويترشح في فرنسا وإسبانيا وفي كلا البلدين هو في عقر داره، إلا المسلمين فإنهم وإن ولدوا هناك يبقون ضيوفا مدى الحياة اللهم إلا إذا كانوا متطرفين أكثر من المتطرفين مثل بنت بلدنا زينب الغزوي التي تطوف على بلاطوهات التلفزيونات الفرنسية لتعيد أسطوانتها المشروخة حول أن المشكل في الإسلام وليس في المسلمين!

 

اليوم كان الرد الفرنسي على عمليات الإرهاب الجبانة هو إشعال النار في تلابيب مشاعر ربع البشرية المسلمين، ودفعهم إلى زاوية الإحراج، وتقديم الهدايا للمتطرفين ضد المعتدلين وإعطاء صورة سيئة عن فرنسا «قدوة» التنوير والعقلانية والحرية، وترسيم نظرية خطيرة في الواقع وهي حرب الحضارات، ورفع شعار بوش الأثير: إما معنا أو ضدنا! كل هذا مؤسف حد الجرح وأمامه تبدو دعوات مقاطعة المنتجات الفرنسية رد فعل عابر على جدار عازل هو في طور البناء، والقادم أسوأ والله أعلم.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق