ديوان روتيني اليومي

فتح الله على جميع المتنافسات على مداخيل اليوتيوب تنافسا قد يجعل جزءا من المغربيّات في المستقبل القريب يقدمن طريقة سهلة لإعداد الرفيسة وأنت ترتدين البيكيني! بل إنه مادام يوجد روتين يحمل عنوان: كنت كندوش، فقد نجد غداً روتينا مباشرا بلا لف ولا دوران: أنا كندوش! وهنا ستعرفون أن الله يجعل سرّة في أضعف خلقه، فهؤلاء النسوة المتواضعات استطعن أن يدخلن إلى بؤبؤة دمقرطة التعبير الجماهيري وينتزعن منه حلاوتين، واحدة دخل محترم من يوتوب، وثانية يتقاسمنها مع المحرومين جنسيا، ويوسعن هامش الانفتاح المجتمعي ويقفن سدا منيعا أمام التزمت والتطرف والمد الإسلاموي المقيت!

نور الدين مفتاح [email protected]

 

هناك الكثير من الضجيج حولنا، والقليل من المعنى. وهذا طبيعي لأن الذين كانوا يستطيعون أن يصعدوا إلى منصة مخاطبة الرأي العام كانوا معدودين بالمقارنة مع من كانوا يكتفون بالسجال في المقاهي ورأس الدرب. واليوم أصبح الجميع يحدّث الجميع، ولم يبق هناك مفهوم للمنصة ولا للمنبر، ويمكن أن نقول ـ بدون مجازفة ـ إن الحابل اختلط بالنابل، حيث يفترض ملايين المغاربة أن أسهمهم قد ارتفعت والواقع ألا شيء ارتفع إلا ما افترضوه في عالم افتراضي آفته الإدمان.

 

 

وقد يحتاج المتتبع إلى وقت وجهد معتبرين ليقف على هذا الموج الهادر من التعبيرات المتعددة المقامات، ليس في الفيسبوك الذي يتربع على صدارة منصات التواصل الاجتماعي في المغرب فقط، ولكن على اليوتيوب أيضا، حيث تتوالى أسماء ليوتوبيين بأشكال وأساليب مختلفة، ولمواطنين من آفاق متعددة ومتناقضة، من أقصى المهادنين إلى أقصى الثائرين، ومن المتفصحين إلى خاسري اللسان. وقد تجد في هذا الفضاء كل شيء من السياسة إلى الغنج إلى التسول إلى استعراض العضلات والمفاتن إلى التباهي إلى الحلْقة في ازدحام هائل على النجوميّة. وقد أصبحت النجومية بالفعل مستقرّة هناك ولها ديوان أقرب إلى روتيني اليومي منه إلى رئيس الحكومة!

 

 

ومن علامات التطور المذهل في هذا العالم الجديد الذي يُنادينا أنه اليوم يمكن أن يؤرخ لنفسه بالأجيال، فالوقت الذي انتفضنا فيه ضد التفاهة مع إكشوان إكنوان ونيبا وساري كول أصبح عصرا ذهبيا، وطوته سنة التطور مع نجوم جدد أغلبهن في روتيني اليومي، حيث تحزم «النجمة» مؤخرتها وتضعها في عين الكاميرا وتعد كذريعة فيديـو حول كيف تشوي كفتة الجمل مع النعناع في 10 دقائق، أو كيف تخملين بيت النعاس بعد ليلة وردية. والغريب أن هذه الفيديوهات التي يصل بعضها إلى نصف مليون مشاهدة تشتغل على مواضيع موجهة للنساء ولكن بها «سلعة» موجهة للرجال، بحيث لن يرى المتابع أي لحم يشوى إلا لحم الأرداف، ولا أي تخمال إلا التغنج السخيف الذي يخاطب الكبت ويجد من يشتري.

 

 

بل إن هناك من نجوم هذا الروتين من قفز إلى النقاش العام كالمسماة فتيحة التي تظهر وهي تعرض مفاتنها الملتصقة بالبيجامات بجانب زوجها، وانقسم الجمهور والنقاد بل حتى الصحافيون بين مؤيد متحمس بدعوى الانفتاح، ومعارض شاتم ناقم بدعوى المحافظة، إلى أن خرجت فتيحة بفيديو فيصل وضعت فيه النقاط على حروفها، وبخرت زوجها أمام الجماهير المتفرجة بالفاسوخ وأمرته بالمرور فوق المجمر ثلاث مرّات وهي تخاطب محبيها في المغرب وفي كل العالم العربي على حد تعبيرها! بل لقد تم سؤالها من طرف جريدة مغربيّة حول تعمدها الإباحية في فيديوهاتها فردت وأفحمت: «… لماذا لا يتحدثون عن الفتيات والنساء اللواتي يرتدين «الميني» و«الكولون» في الشارع. أظن أن البيجامة ليست إباحية». ها الكلام! وهل يفتى وفتيحة في المدينة؟!

 

 

فتح الله على جميع المتنافسات على مداخيل اليوتيوب تنافسا قد يجعل جزءا من المغربيّات في المستقبل القريب يقدمن طريقة سهلة لإعداد الرفيسة وأنت ترتدين البيكيني! بل إنه مادام يوجد روتين يحمل عنوان: كنت كندوش، فقد نجد غداً روتينا مباشرا بلا لف ولا دوران: أنا كندوش! وهنا ستعرفون أن الله يجعل سرّة في أضعف خلقه، فهؤلاء النسوة المتواضعات استطعن أن يدخلن إلى بؤبؤة دمقرطة التعبير الجماهيري وينتزعن منه حلاوتين، واحدة دخل محترم من يوتوب، وثانية يتقاسمنها مع المحرومين جنسيا، ويوسعن هامش الانفتاح المجتمعي ويقفن سدا منيعا أمام التزمت والتطرف والمد الإسلاموي المقيت!

 

 

وعندما تخرج من هذا العالم الذي يبدو أنه لا يليق بالنخبة وتلج عالم هذه القشدة المجتمعية في الفضاء الأزرق، فإن عليك من البداية ألا تضع الكمامة فقط ولكن خوذة كرة القدم الأمريكية، لتتجول بين الحيطان وتتابع الطلق والرجم بالتدوينات المطاطية أحيانا والحية أحايين كثيرة، بل وتتحمل القصف بالأسلحة الثقيلة حول جميع ما يمكن أن يتصوره الإنسان من مواضيع. وككل ساحة وغى، فكل يوم هناك آلاف الجرحى والقتلى والمعطوبين والمنتشين والمنتصرين والمنهزمين. ولكن عكس الحرب الحقيقية، ففي هذا الفضاء القتلى يعودون دائما أحياء وتتحقق أبيات الراحل محمد درويش:

 

 

سقطت ذراعك فالتقطها

واضرب عدوك.. لا مفر

وسقطت قربك، فالتقطني

واضرب عدوك بي.. فأنت الآن حر (في الفيسبوك).

 

 

كل شيء قابل للاشتعال هنا، والجماهير متعطشة للنيران، والجمجمات تنتظر الإبهار في المواجهات حول كل شيء، والكل مشبوه أو مدان إلى أن تمتلئ الحيطان بالتعاليق، والحيوات الخاصة تنثر كما تنثر الرياح أوراق الشجر، والمعطيات المجتزأة توضع في الفوهات وتقصف الخصوم والذي يصيب في الصباح يصاب في المساء وهكذا دواليك.

 

 

لقد أسهمت منصات التواصل الاجتماعي في تغيير حياة البشر مثل أي ثورة مفصلية سابقة، وككل مكون اجتماعي قوي، لابد أن لكل مزاياه التواصلية والتأثيرية آثار جانبيّة، ومنها على الخصوص العنف اللفظي والتنمر وتدفق الأخبار الزائفة والتحكم في الرأي العام على مستوى توجهاته بالمغالطات. هذه آثار وقفنا عليها دوليا بل إنها أثرت في مصائر دول كبرى عن طريق التأثير في نتائج انتخاباتها كما جرى مع ترامب. إلا أنه عندنا نحن كمجتمع يعاني من الهشاشة المكعبة، الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فإن الأعراض الجانبية تصبح أضراراً أساسيّة تفوق أحيانا مزايا الدمقرطة وثورة امتلاك الحق الفردي المطلق في التعبير الجماهيري، مع إمكانية تلقي مقابل على ذلك بدون شروط مهنية!

 

 

لا نخفي أن منصات التواصل الاجتماعي قادت معارك مشرفة آخرها التصدي لمشروع ما سمي بقانون تكميم الأفواه، بل هناك نقاشات مجتمعية كبرى فجرها الفضاء الأزرق، إلا أن الطابع الغالب، إضافة إلى التواصل الشخصي الحميمي من أعياد ميلاد وتعازي في الوفيات وتهاني بالمواليد، هو العنف الذي لا يسلم منه أحد، ولنا أن نتصور الآلام والجروح التي يخرج بها مئات الآلاف من الناس من هذه الحرب الزرقاء الداهمة، والمؤكد أنها لن تضع أوزارها إلا في يوم غير معلوم ما دام الأمر مرتبطا بكل أعطاب حياتنا السياسية والاجتماعية والتعليمية والقيمية، ولا يمكن أن يخفف منها إلا جزء من هذه النخبة النشيطة هناك. فحين ننجح في أن نكون قدوة قد نقول إن مسيرة سنوات من أجل التغيير قد بدأت.

 

 

إن الصحافة بكل أعطابها ظلت هي رئة المشروع الديموقراطي في بلادنا، ولكن اليوم، أصبح جزء من هذه الرئة هناك عند فتيحة وأخواتها، وجزء آخر فوق الحيطان الزرقاء المتلاطمة، ونحن من حيث ندري أو لا ندري نساهم في هذه النهاية الحزينة لجدار الفصل الحيوي بين ضرورة الصحافة والحق في التعبير.

 

 

هل فات الأوان؟ والله لا أدري ولكن التراكس يعمل بلا هوادة.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق