منشغلون بالجائحة، فالرجاء عدم الإزعاج

عاد انفصاليو تندوف إلى معبر الكركرات ليعرقلوا حركة السير العادية لمئات الشاحنات، وكأن لهم سيادة على هذه المنطقة التي تعتبر في عداد العازلة هي وأكثر من 50 ألف كلم مربع تحيط بخصر الصحراء وصولا إلى تيفاريتي في أقصى الجنوب الشرقي للمملكة. لقد ترك الراحل الحسن الثاني هذه الأرض الشاسعة لئلا يضطر المغرب إلى قدح شرارة الحرب مع الجارة الجزائر عندما يريد ملاحقة فلول قوات البوليساريو زمن الحرب. وبغض النظر عن هل كان هذا التقدير صائبا أم لا قبل بناء الجدار العازل في الصحراء، فإن الواقع لا يرتفع، وهو أن اعتبار هذه المناطق العازلة بمثابة مناطق محررة هو مزحة لا تضاهيها إلا مزحة إعلان جمهورية صحراوية بلا مقومات سيادة، والتصرف كدولة دون أن يكون معترفا بها في الأمم المتحدة.

نور الدين مفتاح [email protected]

 

تراكمت علينا الأهوال حتى نسينا أن لنا قضية وطنية أولى نتنازع فيها على ثلث ترابنا الوطني، وهذا النسيان لا علاقة له بالإهمال، ولكنه توقف أتاحته السياقات، من الحراك الجزائري إلى زمن الجائحة. وها نحن لم ننته من حك رؤوسنا الضاجة بمخاطر الوباء حتى خرج مارد الانفصاليين من القمقم. وبما أن المصائب لا تأتي إلا مجتمعة، فقد توالت وتزامنت الاستفزازات التي أعادت الصحراء المغربية إلى الواجهة.

 

عاد انفصاليو تندوف إلى معبر الكركرات ليعرقلوا حركة السير العادية لمئات الشاحنات، وكأن لهم سيادة على هذه المنطقة التي تعتبر في عداد العازلة هي وأكثر من 50 ألف كلم مربع تحيط بخصر الصحراء وصولا إلى تيفاريتي في أقصى الجنوب الشرقي للمملكة. لقد ترك الراحل الحسن الثاني هذه الأرض الشاسعة لئلا يضطر المغرب إلى قدح شرارة الحرب مع الجارة الجزائر عندما يريد ملاحقة فلول قوات البوليساريو زمن الحرب. وبغض النظر عن هل كان هذا التقدير صائبا أم لا قبل بناء الجدار العازل في الصحراء، فإن الواقع لا يرتفع، وهو أن اعتبار هذه المناطق العازلة بمثابة مناطق محررة هو مزحة لا تضاهيها إلا مزحة إعلان جمهورية صحراوية بلا مقومات سيادة، والتصرف كدولة دون أن يكون معترفا بها في الأمم المتحدة.

 

والقضية الثانية المتزامنة هي إعلان الانفصالية الصحراوية أميناتو حيدر عن تأسيس جمعية حملت اسما مستفزا وهو «الهيئة الصحراوية لمناهضة الاحتلال المغربي» على أنقاض تنظيم قديم كان يحمل اسم «الكوديسا». وواضح أن إقدام أميناتو التي تحمل جواز السفر المغربي والمقيمة بمدينة العيون المغربية على إطلاق نعت الاحتلال بشكل رسمي على المغرب هو تحدّ يصعب الاستمرار في غض الطرف عنه، لأنه في أقصى الحالات، وحتى بالنسبة لخصوم المغرب، يمكن أن يناقشوه في حسم سيادته على الأقاليم المتنازع عليها وكون الأمم المتحدة تكفل له إدارة الصحراء، أما وأن ينعت المغاربة بالمحتلين من طرف من يقيم بينهم ويحمل أوراقهم، فهذا طعمه مر حتى وإن كان فخا لجر المغرب إلى ممارسة السياسة بالأعصاب لتعود القضية إلى الواجهة، فصعب مرة أخرى أن نعتبر الأمر وكأنه لم يحصل، (ونحن نستعد للطبع صدر بلاغ للوكيل العام للملك بالعيون يعلن عن فتحه متابعة قضائية في الموضوع).

 

القضية الثالثة تأتي من الفاعل الرئيسي في هذا الموضوع برمته. إنها الجزائر التي يمكن أن يتغير فيها أي شيء وتتبدل السماء ويتحرك جبل تاهات في تمنراست، ولا تتحرك ثوابت حكام قصر المرادية في العداء للمغرب من أبسط الأمور وسفاسفها إلى أعقد الأمور وعظائمها. من الكسكس إلى الصحراء، وبينهما أنهار من مداد الفرقة والدسائس والأحقاد والمناورات والاستنزاف. هذه الطبقة الحاكمة هي في الواقع طبقات جيولوجية متراكمة، ما إن تذهب واحدة حتى تأتي أخرى محافظة على كل الخصائص التكتونية، وقد تجد جزءا من هذه الطبقة في السجن وجزءا في الرئاسة وجزءا في القبر، والقاسم المشترك بينهم هو المغرب الذي لا يجب أبدا أن يعلو على الجزائر ولا أن يكون هو محور المغرب الكبير، ولا أن يتقدم ولا أن يتحرر من الضغط عشرة أو عشرين أو أربعين سنة أو مدى الدهر.

 

وهذه السياسة لا علاقة لها بالشعب الجزائري بالطبع، ولا بكل الطبقة السياسية الجزائرية المتحررة من بقايا البومدينية أو القراءة المتعسفة للتاريخ، ولكن كل من يخرج عن هذا الخط يصبح موصوما بـ «المروكي»، وليست هناك تهمة أسوأ من أن تنعت بالمروكي! هذا هو الجار وهذا هو القدر.

 

الرئيس عبد المجيد تبون ليس مفاجئا للمغرب في كل تصريحاته بالنظر إلى الظروف التي ساقته إلى رئاسة الجمهورية بعد حراك شعبي صاخب وصادق لم ينته كما يجب باختيار ديموقراطي حر ونزيه. فأساس الحكم مازال يوجد في العسكرتارية ووجهها الجديد هو الجنرال السعيد شنقريحة تلميذ الجنرال أحمد قايد صالح الذي وافته المنية بشكل مفاجئ في أوج التحول الأخير في الجزائر الفائرة. لهذا لا نستغرب حديث فخامة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون عن دعم الجزائر للقضايا العادلة ثم ربطه التعسفي بين القضية الفلسطينية وما أسماه قضية الصحراء الغربيّة، ثم تباكيه على المسلسل الأممي للتسوية المعرقل وعدم تعيين مبعوث أممي جديد، ورجوعه إلى أساطير الأولين بالحديث عن الإسراع بتنظيم استفتاء لتقرير المصير!

 

لا أعتقد أن الإنسان يمكن أن يضيع طاقته في جدال مع صخرة صماء حول من هي أطراف النزاع أصلا؟ وما هو مفهوم تقرير المصير؟ وأين منّا استفتاء دفنته الأمم المتحدة نفسها لأن المستحيل ليس حلا حتى يكون مسلسلا؟ ومن غير الجزائر يمكن أن يربط بين الرباط وتل أبيب في فيلم سوريالي حاصل على جائزة أسوأ إخراج في العالم؟ ولكن يمكن للإنسان أن يجلس مطمئنا للتحليل في ربط هذه التحولات المتمحورة حول قضية الصحراء ليستنتج أنهم هناك انتهوا من البلاء والوباء والجائحة، وكل ما يشغل العالم اليوم بين ركيزة الصحة العامة والاقتصاد، وعادوا للمناوشات نفسها، والاستراتيجية ذاتها والثلاثية الأثيرة المتعلقة بحقوق الإنسان في الداخل والديبلوماسية في الخارج والاستفزازات الميدانية في المناطق العازلة.

 

إنه توقيت بئيس بمقاربة دنيئة، لأن ما يعيشه العالم اليوم في مواجهة هذه الجائحة أكبر من كل نزاعات الكون. والغريب أن الذي خطط كي يحرك هذه الشوكة في قدم المغرب في هذا الوقت ينسى أنه يعيش نفس المخاطر ونفس تهديدات الموت بالفيروس أو بالجوع أو بانهيار النظام العام. لا حرب للمغرب اليوم إلا على جبهة الجائحة في كل التراب الوطني من جهة طنجة تطوان الحسيمة إلى جهة الداخلة واد الذهب. هذا هو ما نحن به منشغلون والشعب يريد من الحكومة أن تتعامل بأداء أحسن لمواجهة هذا السيناريو الوبائي الأسوأ، وأما الاستفزازات الترابية فيمكن أن تنتظر وراء باب تعلق على قبضته علامة: رجاء عدم الإزعاج!

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق