نحن والتطبيع

ملك المغرب هو رئيس لجنة القدس، والحكومة الإسرائيلية أعلنت القدس عاصمة لإسرائيل، ودونالد ترامب نقل سفارة الولايات المتحدة الأمريكية إليها في خطوة لم يتجرأ عليها أي رئيس أمريكي سابق، ونتنياهو مصمم على قضم أجزاء أخرى من الضفة الغربية. فكيف يضع البعض المغرب ضمن الدول الأربعة أو الخمسة التي ستلتحق بهذا التطبيع المسمى سلاماً؟ لكم الجواب!

نور الدين مفتاح [email protected]

عيب أن ندخل إلى الحديث عن ملف المغرب والتطبيع مع إسرائيل من خلال البوابة الخليجية، أو اتفاق السلام الغريب الذي وقعته الإمارات مع تل أبيب، وشبه الاتفاق الذي وقعته البحرين في نفس اللحظة بحديقة البيت الأبيض، تحت رعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب محفوفا برئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو. فالمغرب ليس هو الخليج ولا هو الإمارات ولا السعودية ولا قطر. والمغرب له، في السابق كما في اللاحق، وضع خاص جدّا يكاد يجعله الأقرب إلى ملف الشرق الأوسط الملتهب من كل الدول العربية التي لا تشترك بحدود مع الأراضي المحتلة.

 

المغرب لا يحتاج إلى الهرولة، فحتى وإن كان دولة بإمكانيات محدودة، فإنه يملك من الرصيد التاريخي في الملف ما يجعله دائما في خانة الفاعل لا المفعول به. هذه دولة عمرها 12 قرنا إذا احتسبنا التاريخ الرسمي الذي يبدأ من الأدارسة، ودينها عموما هو الإسلام بعد الفتح، إلا أن اليهودية كانت سابقة على الدين الحنيف في هذه الأرض. وإذا قفزنا على القرون، فالتلاميذ يعرفون موقف القصر من اليهود عندما كانوا يبادون في أوروبا النازية، ونعرف قيمة هذا التعايش الرائع بين اليهود والمسلمين والعرب والأمازيغ في بوثقة واحدة تسمى المغرب.

 

نعم، لقد هاجر جل اليهود المغاربة إلى إسرائيل في ظل ملابسات تاريخية ليس هذا موضع مناقشتها، إلا أن هذا الحضور المغربي هناك أعطى للمغرب تموقعا خاصا كلنا نعرف تفاصيله في التاريخ الصعب لهذا الملف الشائك.

 

في الرباط وفاس وإفران وغيرها، عقدت أهم القمم أو اللقاءات التي أطرت مسار الملف المعروف بالصراع العربي الإسرائيلي. من هنا كانت تخرج الحلول الصعبة والمنتزعة من حلبة مواجهة بين محورين عربيين لم يكن يجمع بينهما إلا الخلاف والمواجهة: جبهة الرفض التي كانت تقودها مصر عبد الناصر إلى حدود هزيمة 1967 وجبهة الاعتدال التي كانت تضم في الغالب نادي الملكيات العربية. لقد انتقلنا من لاءات الخرطوم الثلاث (لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع العدو الصهيوني حتى تعود فلسطين كاملة لأصحابها) إلى مؤتمر فاس 1982 المعترف ضمنيا بإسرائيل والمقر لمشروع تسوية تكتفي فيه الدولة اليهودية بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها سنة 1967. ومنذ 1982، لم تخرج كل المبادرات عن هذا السقف المنحدر جدا، والذي تم إقراره باسم الواقعية السياسية.

 

وبعد أربعين سنة تقريبا، وفي غياب أي دولة تطالب برمي الإسرائيليين في البحر ولا حتى بتقسيم فلسطين، مازال التعنت الإسرائيلي قائما كالصخرة الملعونة. وانتهت القضية بعد 70 عاماً بحشر سلطة فلسطينية بلا سيادة في الضفة الغربية التي كانت في الأصل تابعة للأردن، وبجانبها حركة حماس وهي تدير قطاع غزة الذي كان أصلا تابعاً لمصر. ومازالت المعركة الحقيرة لعتاة المتطرفين الدينيين في إسرائيل هي قضم أجزاء أخرى من الضفة والقضاء على غزة، وأما القدس فقد أهداها ترامب إلى نتنياهو كعاصمة لإسرائيل في الوقت الذي تحوّل مطلب الفلسطينيين إلى مجرد تقاسم هذه المدينة لتكون جهتها الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، في تنازل كبير على سقف ما كان يعتبر في 1982 من طرف الصقور العرب انبطاحاً للكيان الصهيوني.

 

وفي المغرب الذي عرف التعددية السياسية والصراع المرير من أجل بناء الديموقراطية، ظل الكل يعتبر الملف الفلسطيني قضية وطنية، وقد أدار المغاربة خلال عقود هذا الملف بشكل مثير للدهشة بحيث اختلفت التقديرات بين القصر والشارع في العديد من المحطات ومنها حرب الخليج، ولكن ظل القصر لاعبا رئيسيا في المفاوضات حول الملف الفلسطيني بما في ذلك منعطفاته الكبرى، ومنها اتفاقيات أوسلو 1 و2 فيما ظل الشارع يحتضن أكبر المسيرات الغاضبة في العالم الإسلامي تضامنا مع الشعب الفلسطيني.

 

لقد جرّب المغرب التطبيع، وهذا يتناساه بعض ممن يريدون التهويل أو التهوين المصطنعين. فعقب اتفاقات أوسلو فتحت الرباط مكتبا للاتصال المغربي في تل أبيب، وفتحت إسرائيل مكتبا للاتصال بالرباط. ونفس الشيء فعلته تونس آنذاك. وكانت السياقات مفهومة والفاعلين جديين، أي بيل كلينتون كراع للسلام وياسر عرفات كرمز للقضية وإسحاق رابين كأقرب رؤساء الوزراء الإسرائيليين اقتناعا بالسلام وسعيا له. إلا أن المجازر الإسرائيلية ضد الفلسطينيين التي دفعت ما بين مليون ومليوني مغربي للخروج إلى شوارع الرباط احتجاجاً، جعلت الملك الشاب آنذاك محمد السادس الذي لم يكمل شهره السادس في الجلوس على العرش يقرر قطع الاتصال مع الإسرائيليين ويغلق المكتب، ليكون غادي غولان آخر من يحمل حقيبته كرئيس للمكتب بالرباط ويغادر بلا رجعة.

 

جرت الكثير من المياه تحت الجسر، وازداد تردي الأوضاع وغطرسة الاحتلال وتعمق الخلاف الفلسطيني الفلسطيني، وبهتت القمم العربية إلى أن وصلنا إلى درجة تكاد تنذر بيوم قيامة في الاندحار والهوان. وقد جاءت موجة ما يسمى بالربيع العربي لتفجر خوفا رهيبا في خليج محاصر بالهواجس والأخطار، وكلما كبر الخوف كان يكبر الانبطاح إلى أن ساق القدر رئيسا لأكبر دولة لم يكن أحد يتصور أن يكون في الموقع الذي يقود فيه العالم، وهو المتخصص في العقار والكازينوهات.

 

لقد استثمر ترامب في الخوف، وفي الهزائم الدفينة للحكام الجدد هناك، واستثمر أيضا في الطموحات الإقليمية غير المحسوبة خصوصا لأبوظبي والسعودية. وأما بخصوص القضية المركزية في الشرق الأوسط التي حيرت أجيالاً من عمالقة الديبلوماسية الدولية، فقد وجد لها حلّا بسيطا: إعطاؤها كهدية لتزجية الوقت لصهره كوشنير وتحويلها إلى صفقة تدور حول رقم 50 مليار دولار تقريبا، وقطع المساعدات الأمريكية عن الفلسطينيين في عز جائحة عالمية غير مسبوقة، وتحويل البيت الأبيض من راع للسلام إلى طرف متطرف يتبنى طروحات نتنياهو حرفياً، وإهانة حكام الخليج في التجمعات العامة وفي الاتصالات الخاصة، وجرهم لأسوأ تطبيع مع إسرائيل بلا مناسبة ولا مقابل ولا منطق، اللهم إلا انتخابات أمريكية على الأبواب.

 

ما الذي ربحته أبوظبي من سلام لم تكن قبله أي حرب؟! فهذه المشيخة بها بالكاد مليونا من الإماراتيين الذين يرفلون في النعيم! وما الذي ربحه الفلسطينيون من هذا «السلام مقابل السلام» في أكثر الشعارات إثارة للسخرية في تاريخ الاجتهادات لإيجاد حلول للقضية؟ أسئلة بدون جواب عند العاقلين، اللهم غسل اليد من قضية القرن بصفقة القرن من أجل زعامة عابرة، كما عبرت زعامات أخرى والتاريخ شاهد.

 

لا يمكن أن نحشر المغرب – حتى وإن اقتنع بالتطبيع – في هذا المسار الذي يعتبر أصغر من تاريخه وأخف من وزن ما قدمه للقضية من زاويته. صحيح أن الجميع يحس بأن هناك ضغوطات رهيبة على الرباط للانخراط في هذا المسلسل، ولكن المغرب ـ وخصوصا الذي يوجد في موقع القرار ـ متعود على الضغوطات الرهيبة، حتى أن مقاومة الضغط تكاد تكون جزءا من هوية الحكم في المغرب.

 

إن الذين يترافعون في الملف من المغاربة على أساس عرقي، ويعتبرون القضية الفلسطينية شأنا عربياً وأنهم هم أمازيغ ويطلقون نعت «فلسطيز» على القضية لا يستحقون مناقشتهم أصلا لأنهم خارج التاريخ.

 

والذين يدفعون بحسابات القوة الناعمة ومنافسة الإمارات لنا على يهودنا مخرفون، لأن المغاربة اليهود لا ينتظرون منا تطبيعا للارتباط بوطنهم، ونحن لا يمكن أن نطبع لمجرد خوفنا من تضييع بضع مئات من السياح الإسرائيليين. وأما محبو إسرائيل فلهم الهوى والسياسة مصالح. وفي القضية الفلسطينية، السياسة مبادئ، والقرارات تتخذ على هذا الأساس، لأن لب المسألة هو حق مسلوب لشعب اقتلع من أرضه، وهذا يخاطب الضمير الإنساني بغض النظر عن الدين أو العرق.

ملك المغرب هو رئيس لجنة القدس، والحكومة الإسرائيلية أعلنت القدس عاصمة لإسرائيل، ودونالد ترامب نقل سفارة الولايات المتحدة الأمريكية إليها في خطوة لم يتجرأ عليها أي رئيس أمريكي سابق، ونتنياهو مصمم على قضم أجزاء أخرى من الضفة الغربية. فكيف يضع البعض المغرب ضمن الدول الأربعة أو الخمسة التي ستلتحق بهذا التطبيع المسمى سلاماً؟ لكم الجواب!

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق