سيرة عالمة مغربية تبحث عن أصل نشأة الكون وما قبل الانفجار العظيم

  • حاورها: رضوان مبشور

استطاعت العالمة المغربية في الفيزياء النووية كوثر حفيظي، أن تتخطى كل العقبات لتحقق حلمها، منذ صغرها، وهو أن تصبح عالمة فيزيائية. وتشغل اليوم منصبا قياديا في مختبر “آركون” الأمريكي، و التي تعتبر في هذا المختبر الذي أنشأ في العام 1945 ليصنع القنبلة الذرية الذي قصفت بها أمريكا مدينتي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين، (تعتبر) رقم 2 بصفتها مديرة شريكة للمدير العام لمختبر “أركون” العملاق، وهي أول امرأة تشغل هذا المنصب.

تُحَدّثُنَا العالمة كوثر حفيظي في الجزء الأول من هذا الحوار عن أهم المحطات في مسيرتها، وعن ولعها بأسرار الكون والفيزياء بالإضافة إلى بعض حكاياتها بمدينة الرباط حيث ولدت و ترعرعت، و ذكرياتها مع الشعر و المسرح و تجويد القرآن الكريم، و بعض مما يزال مترسخا في ذهنها بثانوية مولاي يوسف الشهيرة بالرباط حيث درست و بعدما بجامعة محمد الخامس، قبل أن تغادر المغرب مكرهة.

======================================

+ من تكون الدكتورة كوثر حفيظي ؟

أنا من مواليد مدينة الرباط في العام 1972، أنحذر من أسرة متوسطة الحال، أبي رحمه الله كان موظفا و نفس الشيء بالنسبة لوالدتي، والدتي تنحدر من مدينة وادي زم، مع الأسف لا أعرف كثيرا عائلتها، فالعديد منهم لم أتعرف عليهم سوى في السنوات الأخيرة لما تواصلوا معي بعدما بدؤوا يشاهدونني في بعض الحوارات الصحفية، بينما والدي ينحدر من الرباط من أم موريسكية، ينتمي إلى عائلة رباطية معروفة، ووالده (جدي) من عائلة سوسية أمازيغية تنحدر من منطقة تافراوت بإقليم تيزنيت.
كبرت و ترعرعت في المدينة القديمة للرباط، و عندما كنت أبلغ من العمر ثلاث سنوات انفصل والداي، فعشت مع والدي، الذي كان يتركني مع والدته الموريسكية، حيث ترعرعت في بيتها رفقة 5 من عماتي، و لما بلغت من العمر 10 سنوات تزوج والدي مرة أخرى فعدت لأسكن في المدينة القديمة للرباط رفقته، و هناك بقيت حتى قررت الخروج من المغرب لمتابعة دراستي في فرنسا، ثم أرحل بعدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

+ ماذا عن ميولاتك و أحلامك في مرحلة الطفولة. لا أعتقد أنك كنت تتوقعين أنك ستصبحين يوما ما عالمة فيزياء شهيرة ؟

كانت لدي ميولات ومواهب كثيرة، لا أخفيك أنني كنت أهتم بشكل أكبر بالدراسة قبل كل شيء، كما أهتم كذلك بالقراءة، أتذكر أنني لما كنت أبلغ من العمر 5 سنوات كنت أقرأ الجرائد باللغة العربية، ولما بدأت أكبر أصبحت أحب اللغة العربية بشكل أكبر، فكنت أكتب كتابات و في بعض الأحيان القصائد الشعرية، وعندما وصلت للمرحلة الثانوية التي درستها بثانوية مولاي يوسف الشهيرة بالرباط كنت أحب المسرح، إلى درجة أنني من كنت أكتب لزملائي نصوص المسرحيات التي كنا نقوم بعرضها في احتفالات عيد العرش الذي كان المغاربة يخلدونه يوم 3 مارس، كان يعجبني كذلك تجويد القرآن الكريم حيث أنني فزت بجائزة للتجويد و عمري 16 سنة، كما كنت أمارس بشكل جيد كرة القدم، و ربما كنت من أحسن لاعبات كرة القدم في المغرب في تلك الفترة، فكان زملائي يلقبونني بـ “مارادونا”، كما كان يعجبني صيد السمك.

كنت البنت الكبرى لوالدي، الذي تزوج مرة أخرى لما كنت أبلغ من العمر 10 سنوات، حيث كان يرغب أن يكون له ولد، و أنا كنت أحاول أن أوصل له رسالة بليغة مفادها أن البنت يمكن أن تكون مثلها مثل الولد و ربما أحسن منه.

في طفولتي وشبابي كنت مولوعة كذلك بالرياضيات، في تلك الفترة لم أكن أعرف بشكل كبير الفيزياء، حيث كنت أنهمك طوال الوقت في حل المعادلات الرياضية المعقدة. في السنة الختامية من المرحلة الاعدادية لم أكن أعرف أي توجه يجب أن أتبعه في المرحلة الثانوية، هل التوجه العلمي أو التوجه الأدبي، حيث كنت أعشق المسرح، و كانت لدي ميولات أدبية كذلك، غير أن والدي رحمه الله نصحني بأن أتبع توجها علميا وقالي لي بأن “المغرب يحتاج إلى علماء”، و بهذه الجملة البسيطة أقنعني والدي باختيار التوجه العلمي، رغم ذلك لم أتخلى عن ميولاتي في الأدب و الشعر.

+ أنت بالمناسبة خريجة المدرسة العمومية المغربية، فرغم أنك درست المرحلة الابتدائية في التعليم الخاص، غير أنك ستحصلين على شهادة الباكالوريا من ثانوية مولاي يوسف الشهيرة بالرباط، و بعدها ستتابعين دراساتك العليا في جامعة محمد الخامس بنفس المدينة ؟

صحيح، أنا خريجة المدرسة العمومية، ففي الثمانينات و التسعينات من القرن الماضي، حيث كنت أتابع دراستي لم تكن المدارس الخصوصية منتشرة بالشكل الذي هي عليه اليوم، فكانت في تلك الفترة أغلب المدارس الخصوصية في الطور الابتدائي فقط برسوم شهرية في حدود 200 درهم في الشهر.
تابعت دراستي الاعدادية بإعدادية محمد بن عبد السلام السايح، الموجودة أمام مدارس محمد الخامس، صحيح أن إمكانياتنا في تلك الفترة لم تكن كبيرة، غير أن جيلنا كان جيلا طموحا، وحتى اليوم عندما أتواصل مع بعض أساتذتي يؤكدون لي أننا كنا حالة خاصة من حيث المستوى، علما أن مدينة الرباط لم تكن تتوفر في تلك الفترة على ثانويات خاصة، كان الجميع تقريبا يتابع تعليمه في المدارس العمومية، بينما كانت بعض الثانويات الخاصة على قلتها مخصصة فقط للتلاميذ غير المتفوقين و المتعثرين دراسيا، غير أنه في فترة التسعينات كنت أتذكر أن بعض المعاهد الخاصة بدأت تظهر و التي كانت تدرس المعلوميات بالدرجة الأولى أو التسيير و التدبير.

+ بعد حصولك بتفوق على شهدة الباكالوريا في شعبة العلوم الرياضية بثانوية مولاي يوسف، ستقررين التوجه لجامعة محمد الخامس لتتخصصي في شعبة الرياضيات. لماذا هذه الشعبة بالضبط ؟

كنت على الدوام أرفع تحديا يمكنني من أن أدرس أصعب العلوم، و الأصعب في تلك الفترة هي الرياضيات، التي توصف بأم العلوم، من تَكَوّنَ في الرياضيات تكوينا صحيحا فالأمر يساعده على أن يحل بسهولة جميع المشاكل، وهذا الأمر يساعدك على أن تكون قائدا، كما أن الرياضيات “مفيهاش الكذوب” و لا تقبل أكثر من إجابة وحيدة. و هكذا فالرياضيات تساعدك على فهم المشكل، و من يملك الاليات فهو قادر على حل المشكل بكل بساطة، كما أنه يساعدك على تنمية العقل و الذكاء.
أما الفيزياء فهي عكس الرياضيات، ليس دائما هناك حلول في الفيزياء، كما أن نفس الاشكالية يمكننا أن نحلها بأكثر من طريقة عكس الرياضيات. كما أن الفيزياء لا يمكن أن تعشقها إلا عندما تتشعب في الرياضيات ثم تدرس بعدها فيزياء الكون أو فيزياء المادة.

هكذا إذن تابعت السنوات الأولى في جامعة محمد الخامس في الرياضيات و في مرحلة التخصص بدأت أكتشف الفيزياء، حيث درسنا الفيزياء الكمية في السنة الثانية في الجامعة، كما أن تكويني في الرياضيات ساعدني كثيرا على حل المشاكل و عشق الفيزياء التي قررت لاحقا التخصص فيها، رغم أن الفيزياء في المغرب هي في الأصل فيزياء نظرية تغلب عليها الرياضيات، بحكم أننا لا نتوفر على الوسائل التي تمككنا من دراسة الفيزياء التجريبية.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق