عدالة لا انتقام

” لو كانت البشرية قد طرحت جميع قضاياها في تاريخها للنقاش في مثل هذه الظروف التي أعقبت الجريمة البشعة التي راح ضحيتها الطفل عدنان، لكنّا مازلنا نستسيغ قطع الرؤوس بل وتعليقها على أبواب المدن، ولكان يتم الاحتفاء بالانتقام من المجرمين بأخذ الصور مع رؤوسهم المعلقة على الرماح، ولكان السحل حتى الموت في الساحات العامة، وحرق الأحياء كذلك عقوبة مستساغة.

نور الدين مفتاح [email protected]

 

رحم الله الطفل عدنان وأسكنه فسيح جنانه، وألهم ذويه الصبر والسلوان. المصاب جلل والألم ثقيل والجرم شنيع، ومن بشاعة الجريمة القتل بعد الاغتصاب. اهتزت المملكة من أقصاها إلى أقصاها، وتحول عدنان إلى رمز، مات ولكنه لم يرحل.

 

إنه ابن كل أسرة، وهكذا أحس المغاربة، وبالتالي أصبحت كل أسرة مكلومة ومفجوعة وفائرة وثائرة. وكما في الرزايا والمصائب، فإن العواطف تهيج، والحرقة تشتعل في أطراف النفس لتصير حرائق، ولا غرابة في أن يقفز شعور الانتقام من قمقم الغضب، فلا يمكن أن تطالب عامة الناس في هذا الهيجان العاطفي بأن ينصتوا لصوت العقل أو أن يجلسوا معك على طاولة نقاش هادئة لمقارعة الحجة بالحجة، في موضوع مجتمعي أو عالمي غير محسوم كعقوبة الإعدام، أو صرامة الالتزام بقرينة البراءة أو الحق في الحياة، وغيرها من المواضيع التي لا يمكن أبداً أن تتقدم فيها الإنسانية بإنسانية إلا خارج العواصف ولحظات الغضب الأعمى.

 

ولو كانت البشرية قد طرحت جميع قضاياها في تاريخها للنقاش في مثل هذه الظروف التي أعقبت الجريمة البشعة التي راح ضحيتها الطفل عدنان، لكنّا مازلنا نستسيغ قطع الرؤوس بل وتعليقها على أبواب المدن، ولكان يتم الاحتفاء بالانتقام من المجرمين بأخذ الصور مع رؤوسهم المعلقة على الرماح، ولكان السحل حتى الموت في الساحات العامة، وحرق الأحياء كذلك عقوبة مستساغة.

 

لقد تطورت البشرية، وكان أكبر إنجاز في تاريخها هو اعتناق حقوق الإنسان بما فيها حقوق ضحايا كل صنوف العنف والانتهاكات والجرائم. بهذا يتميز الإنسان وعلى درب تعميق إنسانيته مازلنا سائرين، وهذا مسلسل لن ينتهي، وبموازاته لن تنتهي الحروب الظالمة وغصب حقوق الشعوب والاتجار في البشر صغارا وكبارا، والإجرام والاغتصاب والبيدوفيليا والتطهير العرقي، وهلم بشاعات لا يمكن أن تتصدى لها إلا العدالة في هذه الأرض، والعدالة الإلهية حين يبعثون.

 

ولابد من أن أسطر على نقطة جديدة في هذا الملف الذي يقطر ألما، ألا وهي القوة المتصاعدة لمنصات التواصل الاجتماعي في المغرب، فتطورها سريع ويلاحظ أن هناك ظاهرة إدمان غريبة تتسرب لمئات الآلاف الذين أصبحوا نشطاء فيسبوكيين تكاد وتيرة التدوين عندهم تجعلهم بمثابة عاملين في الشبكة. ومع سقف الحرية الذي يتيحه هذا الفضاء الأزرق وإمكانيات الانتشار الهائلة ودمقرطة الحق في مخاطبة الجماهير، فإننا نشهد انفجارا تعبيريا غير مسبوق، أصبح يؤثر أحيانا حتى في صنع القرار العمومي، ويحدد معيار القضايا التي يمكن أن ترفع إلى مرتبة قضايا رأي عام، وهذا إيجابي. كما أصبح أيضا مكانا لتفريغ المكبوتات والأحقاد والتنمر واختلاق الاصطدامات والاقتحام السافر للحيوات الخاصة للمواطنين وهلم انحرافات. وسيكون في المستقبل موكولا برواد هذا الفضاء، الذين يقدرون بأكثر من 15 مليون مغربية ومغربي تقريبا، أن يضبطوا بأنفسهم التوازن ما بين الإيجابيات الهائلة لهذه المنصة الخطيرة في التعبير والتأثير، وما بين الآثار الجانبية الضرورية، ولكن التي يجب أن تبقى جانبية، كما هو الدواء تماما. وهذا لن ينفع معه قانون ولا زجر، اللهم إلا التربية والقيم والوعي وحدا أدنى من المعرفة.

 

من إيجابيات الفضاء الأزرق أنه جعل المغاربة في قضية عدنان بوشوف أسرة واحدة. لقد حوّل جنازة كانت ستخرج من بيت بطنجة إلى جنازة وطنية بامتياز، وفجر نقاشا جدِّيا حول طريقة تعامل الأسر مع الأطفال والاحتياطات والاحترازات الواجب اتخاذها لسلامتهم، وكيفية تربيتهم بدون طابوهات بما في ذلك التربية الجنسية.

 

ومن جهة أخرى، تفجر نقاش صاخب غطى على الأول، وهو المتعلق بجدوى عقوبة الإعدام. ومع كل المبررات التي قدمتها في البداية للاندفاع العاطفي في هذا الموضوع، إلا أن بعض البديهيات تفرض نفسها، ومنها أننا في المغرب لم نلغ بعد عقوبة الإعدام وأنها مازالت في القانون الجنائي، حتى وإن كانت لا تطبق، بحيث إن آخر من أعدم كان هو الكوميسير ثابت سنة 1993، فهي قائمة ويمكن أن تطبق في أي وقت. وإن الذين يطالبون بإلغاء هذه العقوبة لم يخترعوا هذا المطلب، بل هو نقاش سابق عليهم هنا في المغرب ومازال قائما. وفي الدولة الواحدة قد تجد اختلافات في قناعات مواطنيها بين ولاية وولاية كما هو حال الولايات المتحدة الأمريكية، بحيث إن ولاية تحكم اليوم بالإعدام وتطبقه وأخرى لا توجد أصلا في قوانينها عقوبة الإعدام.

 

وهذا ليس ظرفاً سنناقش فيه قضية كونية كهاته، وإلا سندخل مباشرة إلى ساحة السفسطة وقد دخلناها، وبدل أن نبقى في حدود الجنازة الوطنية والتضامن العارم كعبرة لكل مشروع مغتصب أطفال، تحولنا إلى محكمة وطنية تدين وتقرر الأحكام ولا ترضى عن الإعدام بديلا. بل إن الذين تجرأوا وعاكسوا تيار الغضب العارم، تعرضوا للتقريع بل وللتشنيع والجلد في الساحة العامة الافتراضية، مع أن لا أحد يملك للطفل عدنان رحمه الله ولا لأسرته نفعا ولا ضرا، إلا المواساة وأخذ العبرة وسؤال اللطف وطلب العدالة.

 

إن الأمور بسياقاتها كما يقال، وحينما تختل هذه المعادلة يختل الميزان ويختلط مطلب العدالة بنزعة الانتقام، والانتقام صنو للغضب كلاهما أعمى وكلاهما بلا مخرج أمان. ولا يجب أن ننسى أن الشخص الذي اعتقل هو لحد الآن لم يرق إلى صفة المتهم بعد، ومايزال مشتبها به، وهو بين أيدي القضاء، وفي القضاء مراحل ومراتب. وحين ستقتنع سلطة الاتهام بأن المشتبه به مذنب، سيتحول إلى متهم بريء إلى أن تتم إدانته من طرف قضاة الحكم بناء على وقائع وأدلة تجري في إطار محاكمة عادلة علنية تضمن حقوق الدفاع!

 

نعم، حتى في أبشع الجرائم ضد الإنسانية لابد أن نحاكم الناس بما وصلت إليه الإنسانية من تحضر يضمن الكرامة لكل إنسان. حتى ولو كان مجرما فلا يعاقب الناس إلا بعد التأكد ما أمكن من جرمهم، فملايين البشر قتلوا ونكل بهم أو سجنوا أو دفنوا وهم أبرياء.

 

قد يكون هذا كلام العقل في لحظات سلطان العواطف الهائجة، ولكن أليس من تعريفات الغضب أنه فقدان الإنسان للسلطان على نفسه؟ فكيف للهائجين أن يناقشوا ويقرروا ويمحصوا ويتبينوا ويواصلوا النقاش العمومي في القضايا الشائكة؟

 

نعم للحق في الحزن وللحق في الاستنكار، ولكن لا لتغييب العقل. ولنا أن نتصور لو أتيح للجماهير الغاضبة أن تمسك بتلابيب المشتبه به في اغتصاب ومقتل المرحوم عدنان، فما الذي كانوا سيفعلونه به؟ هل سيستحضر أحدهم قرينة البراءة؟ هل سيكون فيهم الإنسان وهم ـ باسم الإنسان ـ يمكن أن يمزقوا قاتلا ومغتصبا مفترضا ويعلقوا أشلاءه على جدرانهم الحقيقية والافتراضية؟

 

من معاني العدنان في اللغة العربية الدائم البقاء، فليبق عدنان دائما في ذاكرتنا الجماعية يلهمنا اليقظة والتآزر في الشدائد ورجاحة العقل وطلب العدالة فالعدالة ثم العدالة. وعزاؤنا واحد.

مقالات مرتبطة :
تعليقات الزوار
  1. من الاخر شرع الله وبلا فلسفة باش تستقيم وفلسفتك مائة عام وحنا عيشين بها وديانا غي لهلاك

اترك تعليق