أنفتنا المنتجة

جرت الكثير من المياه تحت الجسر ما بين غشت 2019 وغشت 2020. قد نقول إنها سنة الحياة، ولكن هذه الحياة بالضبط لها دورات خاصة، لا تشبه باقي انسياباتها الاعتيادية، وهذا ما يسمى بالمنعطفات التاريخية.

نور الدين مفتاح [email protected]

 

جرت الكثير من المياه تحت الجسر ما بين غشت 2019 وغشت 2020. قد نقول إنها سنة الحياة، ولكن هذه الحياة بالضبط لها دورات خاصة، لا تشبه باقي انسياباتها الاعتيادية، وهذا ما يسمى بالمنعطفات التاريخية.

 

نحن بلد مفتخر بعراقته، وله في النفسية العامة تقاليد تجعل من الأنفة سمة لصيقة بالمغربي عموما (جوعي فكرشي وعنايتي فراسي) وهذا طابع قادم من التاريخ، وخصوصا من الأحداث التي تشتد فيها الأزمات فتكون محكا للنساء والرجال. والمحك في ماضينا كان يصنع البطولات والأمجاد.

 

إننا نعيش في بلد صغير جغرافيا، متواضع الإمكانات ولكن بشعور «إمبراطوري» دفين، ولذلك تكاد الوطنية عندنا تقترب من الشوفينية دون أن تصل إلى مساوئها، وهذا هو عمق تمغرابيت.

 

وهناك ثابت في علاقة المغاربة مع الحكم، مهما توالت أشكال التدبير ونتائج السياسات، وهذا الثابت هو الملكية التي صمدت في كل المراحل وعاشت لمدة 12 قرنًا وماتزال. لقد ذهب سلاطين وجاءت الحماية ونفي الملك، ولكن العرش ظل في قلب النظام السياسي وتشبث به الوطنيون في وقت خالت فرنسا أنها بمجرد ما ستحرك أصبعها ستنقض النخبة على الحكم، وما جرى كان العكس تماما. بل إنه في الوقت الذي كانت الملكيات تسقط في العالم العربي، ورغم الصراع الداخلي المرير، فقد ظلت الملكية المغربية صامدة تحاول باستمرار أن تتلاءم مع تطورات العصر مع المحافظة على الطابع الموروث من التقاليد المرعية.

 

بين الذكرى العشرين لحكم الملك محمد السادس والذكرى الواحدة والعشرين جاء هذا المنعطف القاسي لجائحة كورونا. لقد غيرت طبيعة الفيروس اتجاه العالم بأسره والمغرب لم يكن استثناء. وعموما، الذي كان يتساءل عما يفكر فيه الجالس على العرش في ما يخص واقع ومستقبل المملكة في ظل كورونا، ما عليه إلا أن يقرأ خطاب العرش لهذه السنة فهو ناطق صريح ولا يحتاج إلى تأويل.

 

لقد كانت لحظة إلقاء الخطاب لحظة إنسانية بامتياز، فهي أول ظهور للملك محمد السادس بعد إجرائه لعملية جراحية ثانية على القلب، وهذا جعل المغاربة يتأثرون ويدعون للملك بالشفاء ودوام الصحة، وكانت الكلمة المفتاح في الخطاب هي ضرورة استمرار الحذر، لأن الفيروس لم ينته، والمملكة قد تواجه مصاعب أكبر مع داء التراخي.

 

وها نحن بعد أسابيع على الخطاب نعيش على إيقاع الهلع بعد أن أصبح الإعلان اليومي عن تقديم الحصيلة الوبائية بمثابة سلم لتكسير الأرقام القياسية بحيث تطل الأرقام على ألفي إصابة يومية بالفيروس، وقد احتجزت أحياء، واستمر المنع من السفر الخارجي، ومنع السفر من وإلى مدن عدة إلا برخصة إدارية، وتحولت الإستراتيجية التواصلية الرسمية إلى التخويف المقصود بتصوير مرضى الانعاش، وضاقت المستشفيات وامتلأت غرف العناية المركزة وعجز القانون عن ضبط الاستسهال الشعبي في التعامل مع قواعد الوقاية الوبائية.

 

وعلى الرغم من أن هذا الصعود الوبائي الخطير كان شبه عام عبر العالم، إلا أن المغرب يضع يده على قلبه لأن الموازنة بين الحفاظ على الصحة العامة وعدم انهيار الاقتصاد تبدو شيئا فشيئا عصية على الضبط، بل إن الإجراءات المعلن عنها لمعالجة آثار الحجر الصحي الذي دام ثلاثة أشهر تقريبا ستبدو كمن يصب الماء في الرمل إذا استمر الحال على ما هو عليه أو اتجه نحو الأسوأ لا قدر الله.

 

ولنقف على الحجم المهول للجائحة لابد أن نعود لما استخلصه الملك من دروس من الشوط الأول فقط من الجائحة، وما بناه على ما كشفه الوباء من عجز في المجال الاجتماعي. لقد تقرر أن يتم ضخ 120 مليار درهم في الاقتصاد الوطني -وهي سابقة تاريخية- والهدف هو الاقتراب من العدالة الاجتماعية والمجالية، ورأس الحربة سيكون هو تعميم التغطية الصحية في غضون خمس سنوات. والتحدي الذي سيطرح أمام هذه القرارات الجريئة وغيرالمسبوقة هو هل سيتحمل المغرب هذه الوتيرة التصاعدية لآثار الجائحة على المجتمع وعلى الاقتصاد؟

 

إن أهم شيء جاء في الخطاب الملكي كان هو نداء الختام، وقد كان خفيفا على اللسان ثقيلا في ميزان الأيام التي نعيشها. إنه نداء إلى كل القوى الديموقراطية – ويؤكد الخطاب على أنه لا يستثني أحدا – التي خاطب فيها روح الغيرة الوطنية والمسؤولية الفردية والجماعية «للانخراط القوي في الجهود الوطنية لتجاوز هذه المرحلة، ومواجهة تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية». هذا هو نداء المملكة الذي يمكن أن نعتبره بمثابة تعاقد متجدد كالذي نحتفل به اليوم في ذكرى ثورة الملك والشعب. نداء لمواجهة واحد من أخطر الأعداء في التاريخ، وباء تحدى الثورة العلمية الخارقة التي وصلتها البشرية ورفع التحدي أمام الحكام والمحكومين وأمام الاقتصاد والجماعة، وأمام الحياة في مواجهة الموت وأمام الاستقرار والاستمرار في إطار العيش المشترك من أجل الرفاه والتقدم.

 

يقال«إذاعّمت هانت»، ولكن هذاالمثال فقد اليوم عموده الفقري وأصبحت المصيبة إذاعّمت تعقدت وتحّدت وضيقت، وليس للدول من حياة إلا أن تنتصر على نفسها وليس للمواطنين إلا أن يتعاضدوا. ففي وقت الشدة يجب أن تذوب الخلافات وأن تهب نسائم الانفراجات وأن تخف شحنات التوترات وتعود الأوتار المشدودة إلى دوزنتها الرقيقة، حتى يستطيع الجميع أن يحمل أعباء النكبة وتبعاتها، لأنه حتى ولو اختفت كورونا اليوم فستلزمنا سنوات ونحن على كلمة رجل واحد لنتجاوز آثار الجرح العميق، وقد نصل إلى ما هو أكبر، أي أن نتجاوز آثار الجائحة ونكون قد عالجنا اختلالات ما قبلها.

 

وكل هذا رهين بنا جميعا، بأنفتنا التي يجب أن تكون منتجة، فنخوتنا الوطنية هي التي يجب أن تعطي لتامغربيت روحا ومعنى. وكل أيامكم أعياد.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق